جنَّة أبنائنا تحت أقدامنا؛ وليست جنَّتنا نحنُ! قد يدخلون الجنَّة ببرهم لنا، وندخل النَّار بعقوقنا لهم!

نفهم الحديث خطأً؛ ونظنُّ أنَّنا قد ضمنَّا جنَّتنا، لمجرَّد أنَّنا حملناهم كرهًا ووضعناهم كرهًا، ونظنُّ أنَّ مشوارنا معهم ينتهي عند هذه اللَّحظة. والحقيقةُ أنَّ كلَّ أمَّهات العالم يفعلنَ ذلك، المسلمة منهنَّ والكافرة، فهل كلُّهنَّ يدخلنَ الجنَّة؟! بل إنَّ أمَّهات الحيوانات يفعلنَ ذلك أيضًا!

وقديمًا قالوا: الأم التي تربي وليست التي تلد.

لكنَّنا استحققنا بذلك أن نكون أولى الناس بحسن صحبتهم، وأن يوصيهم رسول الله بنا ثلاثًا. أمَّا الجنَّة فهذا أمر آخر، ندخلها برحمة الله أولًا ثمَّ بأعمالنا، شأننا في ذلك شأن سائر عباد الله، ومن هذه الأعمال برُّنا بهم.

وقد تتصور بعضنا -بفهمهنَّ الخاطئ لهذا الحديث- أنّهنَّ امتلكنَ أبناءهنَّ بجنَّتهم التي تحت أقدامهنَّ، فمن شئنَ أدخلنَ ومن شئنَ أخرجنَ!

فيتلخَّص دورهنَّ في حياتهم ويتمحور حول هذه السلطة! امتلكنَ بذلك آخرتهم ودنياهم كذلك،يكتبنَ قصَّة حياتهم، ويضعنّ النِّهاية التي يرضينَها لهم، وكأنَّها ذلَّةٌ تملَّكنَها عليهم؛ يبتزُّنَّهم بها!

فتقول: افعل لأنَّني الأدرى بمصلحتك، افعل لأنَّني أعرف أكثر منك، افعل لأنَّني أريد لك ذلك، افعل لأرضى عنك، ولا تفعل وإلَّا غضبتُ عليك، ولئن لم تفعل ما آمرك به لأغضبنَّ عليك ولأفعلنَّ بك وأفعلنَّ، ولتكوننَّ من الصاغرين.

تريده أن يحقق ما لم تستطع هي تحقيقه، تريده كما تتمنى هي لا كما يتمنى هو، تريده أن يسير على تلك الخطوط التي رسمتها له فلا يتجاوزها غير مباليةٍ برغباته و أحلامه وطموحاته.

وما تنفك تتسلط عليه، ناسيةً أنَّه وُلِد حُرًّا، وما هي إلَّا بوَّابة عبورٍ.

مع العلم أنَّ قولهم: «الجنة تحت أقدام الأمهات» وتتمته: «من شِئن أدخلن ومن شئن أخرجن» قال الألباني في السلسلة الضعيفة أنَّه: موضوع. ويغني عنه حديث معاوية بن جماعة أنه جاء النَّبي صلَّى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أردت أن أغزو، وقد جئت أستشيرك. فقال: هل لك أم؟ قال: نعم. قال: فالزمها فإن الجنَّة تحت رجليها.

وقد يوضح الحديث الأخير اللَّبس في فهم الحديث، وأنَّ الجنَّة هنا للأبناء البارِّين بأمهاتهم وليست للأمَّهات أنفسهنَّ.

عزيزتي الأم، الجنَّة لمن برَّت أبناءها وأعانتهم ببرِّها بهم على برِّهم بها، ولم تستجلب بعقوقها لهم عقوقهم لها، «رحم الله والدًا أعان ولده على برِّه».

ألم تسمعي قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه للرجل الذي جاءه يشكو إليه عقوق ولده، فأمر عمر بإحضار الولد، وأَنَّب عمر الولد لعقوقه لأبيه، فقال الولد: يا أمير المؤمنين، أليس للولد حقوق على أبيه؟! قال: بلى، قال: فما هي يا أمير المؤمنين؟ قال عمر: أن ينتقي أمَّه، ويحسن اسمه، ويعلمه الكتاب ـ أي:القرآن. قال الولد: يا أمير المؤمنين، إن أبي لم يفعل شيئًا من ذلك؛ أما أمِّي فإنَّها زنجية كانت لمجوسي، وقد سمَّاني جعلا، ولم يعلمني من الكتاب حرفًا واحدًا، فالتفت عمر إلى الرجل وقال له: جئت تشكو عقوق ابنك وقد عققته من قبل أن يعقَّك، وأسأت إليه من قبل أن يسيء إليك. 

و اعلمي أن برك بأبنائك عمل لا ينقطع ثوابه حتى بعد موتك، قال رسول الله: «إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثَ: إِلا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ».

فاتقِ الله في رعيتك فأنت عنها مسئولة، قال رسول الله: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ … وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا …».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد