لا تولد المؤسسات ترفـًا أو اعتباطـًا، ولكنها تولد بسبب ضغط الحاجة، وسنة التطور، وعبقرية وإبداع القادة، وبعد نظر الرواد؛ فالمؤسسات تعكس مسايرة المجتمعات لحاجات التطور، وهي قواعد بناء المجتمعات الناجحة، والمؤسسات كذلك لا توجد في الفراغ، فأية مؤسسة هي بنت بيئتها وظروفها الفكرية والسياسية والاجتماعية والثقافية؛ فالظروف التاريخية لها آثارها البالغة على خصائص أية مؤسسة، واحتمالات نشوئها وبقائها وتطورها أو اضمحلالها وزوالها.

والنظم والمؤسسات مهما بلغت دقتها وصلاحيتها لا تنمو أو تستمر وتقوي وتؤدي مهامها إلا إذا كانت وراءها إرادات واعية مصممة على حمايتها من السقوط، وعقول ذكية تمهد لها بين الجماهير، وتوجه دفتها نحو هموم المجتمع، وتصلح ما ينحرف من أدائها وينفر الناس منها، ولا تشذ المؤسسة الحزبية عن ذلك كله في شيء، فهي نتاج ظروف مجتمعية، وخبرات تاريخية، ورؤي فكرية وعقيدية  تؤثر في نشأتها ونموها وتطورها أو تدهورها.

ولدت الأحزاب من رحم الحضارة الغربية، في أوروبا الناهضة في منتصف القرن التاسع عشر من أجل غايات محددة، ولأسباب فرضتها ظروف الواقع السياسي الأوروبي، لتؤدي مهامًا محددة تطلبتها طبيعة هذه الأوضاع، فالديموقراطية الوليدة لا تتحقق تلقائيًا، ولا يمكن ترك مهمة ترسيخها لجهود الأفراد وحدهم. فلابد من وجود مؤسسات تحتضن العملية الديموقراطية وترعاها وتنميها، فكانت الأحزاب هي المحاضن الطبيعية للديموقراطية. ولعبت الأحزاب دور القناة الميسرة لسبل التواصل والتمثيل السياسي والوصول للسلطة وترسيخ  تداولها في المجال السياسي الأوروبي، وكانت هي المؤتمنة على النظام الديموقراطي والحريات.

ومكنت أفراد الشعوب من دورهم الرئيسي في المشاركة السياسية، وعبرت عن تطلعاتهم وهمومهم، وتبنت مشاكلهم و سعت لحلها؛ فالحزب السياسي كان وما زال أداة رئيسية ومؤسسة راسخة في النظم السياسية الحديثة لا غناء عنه لصنع وتنفيذ السياسات وحشد الجماهير وتمثيلها ورسم رؤى المستقبل وتنفيذها عبر استلام السلطة أو القيام بدور المعارضة. وانتقلت هذه التجربة عبر الممارسة من مرحلة لأخرى حتى صارت إلى صارت عليه اليوم في عالمنا المعاصر.

ومن أوروبا انتقلت هذه المؤسسة إلى سائر بلدان العالم. وكانت مصر من أوائل الدول التي عرفت الأحزاب مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. وتميزت التجربة الحزبية في مصر بملامح واضحة أثرت على مستقبلها. أولها متعلق بظاهرة الحزب الجامع سواء في صيغته التحررية ممثلاً في حزب الوفد الذي كانت قضيته استقلال مصر، أو صيغته التنموية متمثلاً في تنظيمات ثورة 23 يوليو التي انشغلت بالتنمية المستقلة.

والملمح الثاني متعلق بضعف التنظيم وغياب أو على الأقل غيوم البرامج الحزبية التي تبناها هذان النوعان من الأحزاب، وهو الأمر الذي أسهم بشكل رئيسي في سهولة القضاء على هذه التنظيمات الحزبية دون مقاومة تذكر. والملمح الثالث متصل بالثاني، وهو استمرار ظاهرة الانقطاع والاختفاء السريع لهذه الأحزاب مع تغير السلطات الحاكمة. والملمح الأخير متعلق بغياب القاعدة الحزبية الواضحة لهذه الأحزاب، وغياب الكوادر الحزبية القادرة على تمثيل الحزب، والاقتصار على نخب في الغالب تصدرت المشهد بسبب أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية أكثر من جدارتها الفكرية والسياسية والتزامها الأيديولوجي.

وربما تدلنا خبرة السنوات الخمس الماضية على صدق ما سبق؛ فقد حاولت جماعة الإخوان المسلمين عبر حزبها الحرية والعدالة أن تلعب دور الحزب الجامع بشكل مختلف، إلا أنها لم تنجح سوى في الفشل في ذلك في زمن قياسي وأعادت البلاد إلى لحظة إنشاء أول حزب سياسي مصري في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر لحظة عرابي وصحبه، ذلك أنها لم تتعلم من دروس الوفد ولا ثورة يوليو شيئًا مذكورًا. وهو الأمر الذي يجعل التساؤل عن أسباب فشل الأحزاب المصرية في تحقيق الآمال المعقودة عليها منذ أكثر من قرن أمرًا مشروعًا ولازمًا، خاصة عندما ندعو اليوم لتأسيس حزب جامع جديد في الوقت الذي يتساءل فيه عموم الناس عن جدوى وجود الأحزاب وفائدتها من الأساس، بل إن كثيرًا من الأصوات تتعالى اليوم للتسفيه من أمر الأحزاب وتدعو للتخلص منها زهقـًا أو يأسًا أو – وهو الأخطر- لحاجة غير سوية في بعض النفوس.

مشروع اجتماع، لا غلبة سلطان:

العمل السياسي الحزبي ليس مجرد مقعد في البرلمان أو كرسي وزارة أو حتي رئاسة، إنه أبعد وأعمق من ذلك كثيرًا، إنه مشروع حضاري: بناء مؤسسات وصنع سياسات وتوفير حريات، وإعداد كوادر وقيادات، وتحقيق حياة كريمة للمواطنين، إنه مشروع بناء دولة مستقلة خادمة لأبنائها، ومؤثرة في محيطها، وفاعلة في عالمها؛ فتحقيق الاستقلال وحده لا يكفي، كذلك تحقيق التنمية وحدها لا تكفي حتى يقود الحزب المجتمع نحو تحقيق غاياته. فتجربتنا طيلة ما يزيد عن قرن كامل تدلنا أن فشلنا في تحقيق الاستقلال التام والتنمية الشاملة والديموقراطية الحقيقية كان نتاجًا مباشرًا لفشل الأحزاب الجامعة التي استلمت مهام الحكم في البلاد. بل إن فشل هذه الاحزاب ذاتها في الاستمرار يعد دلالة كافية على أن هناك خللاً كبيرًا في بنية هذه الأحزاب أدى إلى فشلها في أداء مهامها وزوالها أمام أول اختبار حقيقي تواجهه.

فوقية، نخبوية، مدعية:

اجتمعت على التجربة الحزبية المصرية أمراض كثيرة أدت إلى إعاقة نموها الطبيعي وحدوث انقطاعات كثيرة في تاريخها، مما أدى إلى إلقاء ظلال كثيفة على التجربة الحزبية المصرية، ووصمها بصفات سلبية جعلت وجودها دائمًا مرتبط بالسلطة وإضفاء الشكل الديموقراطي عليها أكثر من خدمة الناس والقيام بوظائفها وأدوارها المنوطة بها. وهو الأمر الذي جعل غالبية المصريين يعزفون عن الانضمام إليها، وإن شئنا الدقة قلنا إنهم لم يعرفوها أصلاً نتيجة غيابهم التام عن ممارسة السياسة من الأصل وارتباطهم بشخوص الحكام والنخب أكثر من الأفكار والمؤسسات . فالأحزاب المصرية ولدت فوقية نخبوية، وادعت تمثيل الشعب وتوقفت عند هذا الادعاء، ولم تحاول تأصيل وجودها بين الناس وبناء قاعدة شعبية حقيقية ترتكز عليها لبناء المجتمع السياسي المصري.

مشهد مرتبك:

لا أحد ينكر أن مشهدنا السياسي مرتبك بامتياز، الجميع في حيرة وتخبط: من يحكمون، ومن يعارضون، ومن يترقبون، ومن يتفرجون، لا أحد يعلم على وجه الدقة إلى أي مستقبل نحن ذاهبون؟

لدينا أزمة تبديد وتشتيت لقوى الأمة المادية والمعنوية عبر السجال السياسي بين فرقاء السياسة، والعراك اليومي المشتعل بينهم على أرض الواقع  المصبوغ بمعاناة المصريين، في الفضائيات والبيوت والمؤسسات عبر الخصومات والمناظرات والاتهامات المتبادلة.

ليس هذا فحسب كل ما لدينا، فنحن أمام: اقتصاد يعاني آلامًا حادة، ونسيج اجتماعي ممزق، مواطن يئن تحت وطأة ظروف صعبة، ورئيس جديد لم يترسخ حكمه بعد، ولم تحسم خياراته النهائية بعد بشأن مستقبل البلاد الديموقراطي – مهما بدا من ارتباك وأخطاء في الاختيارات لأشخاص أو المعالجات لمواقف، أو التعامل مع مؤسسات، خاصة أنه من قلب المنظومة التقليدية أتى، وورث  جهازًا إداريًا مترهلاً، وبقايا إدارة مبارك الفاشلة التي تحاول إنتاج نظام سياسي جديد يأتمر بأمرها، وساسة وحزبيين يتبادلون السباب كما يسعون لكراسي الحكم، ويفتقدون للخيال والقاعدة الجماهيرية التي تجعلهم رقمًا صعبًا في المعادلة السياسية الحالية، وليست لديهم حلول واضحة للخروج من المأزق الراهن، وهياكل حزبية فارغة لا شعبية لها ولا تنظيم وكوادر ولا برامج مميزة.

أين الخطأ؟

يخطئ من يظن أو يقرر إن المشكلة في عودة الجيش إلى السياسة فهو لم يتركها أصلاً، ولن يتركها بالصورة الساذجة التي يتصورها كثيرون، فالجيش جزء من العملية السياسية في أي بلد، أو من يعتقد أن المشكلة في خلع رئيس لم يحكم يومًا ، كما أن المشكلة ليست فيما يسمى الانقلاب على الشرعية فالصندوق وحده لا يعطي شرعية خاصة إذا كانت الأرض تئن من فشل القادم عبر الصندوق، و ليست المشكلة في عودة الفلول إلى الساحة السياسية فهم لم يغادروها تمامًا، وإن تواروا بعيدًا يترقبون وينتظرون، فقد كانوا حاضرين وبقوة قبل ثورة يونيو وبعدها.

وليست المشكلة فيما يفعله الإخوان من محاولة عرقلة البلاد وإفشال الرئيس الجديد، والدفع باتجاه عودة نظام مبارك ليثبتوا صحة ما يفعلونه ويبررون الدم والخراب الحادث، ولم تكن المشكلة كذلك في تبعية قرارانا السياسي والاقتصادي للخارج بشخوصه الغربية وظلاله العربية، فالأمر ليس جديدًا، وإن زاده حالنا المرتبك المتخبط ضغثـًا على إبالة، وليست المشكلة في أحزاب كرتونية ارتمت في أحضان مبارك ثم الإخوان، وأخيرًا الجيش لتعيش كما اعتادت في حضن السلطة الدافئ قانعة من الغنيمة بالفتات من المناصب وتصدر الفضائيات تاركة الشعب في العراء يعاني كل صعب، مقامرة بمستقبل وطن لم تكن يومًا- في غالبها- مهتمة به.

المشكلة السياسية الحقيقية لمصر كانت وما تزال وستظل هي غياب الشعب بقياداته الطبيعية الحقيقية الشابة بعيدة عن تصدر المشهد السياسي. وغياب البديل الحقيقي القادر على حمل أي مشروع فكري وسياسي وتنزيله على أرض الواقع: إنها مشكلة كوادر وتنظيم ورؤية مستقبلية، وبعدها يسهل تطبيق الدساتير والتوافق على البرامج، ولن يتحقق هذا بزعم هذه الورقة إذا ظل الحزب الجامع لشروط الحزب والوطنية مفتقدًا وغائبًا عن الساحة السياسية.

ضرورة واقع ومطلب مستقبل:

إذا لم يكتشف الشباب التغيرات المزلزلة التي يمكن أن يحدثوها في بنية النظام السياسي المصري وعلاقات القوة بداخله، عبر تكتلهم في حزب جامع لهم، فإنهم يخسرون كثيرًا وتخسر مصر مستقبلها لأمد غير معروف.

فالالتفات الصحيح لحقائق الواقع ومتطلبات المستقبل تفرض على الشباب فرضًا أن يتوحدوا في حزب جامع يستعيد مسار الثورة ويعزز فرص الانتقال الديموقراطي الآمن، ويسهم في تحقيق نهضة وتنمية عزت طويلاً على التحقق في ظل الماضي الأليم والحاضر المرتبك الذي عشناه طيلة السنوات العقود الأربعة الماضية.

فالحزب الجديد ضرورة يحتمها الواقع ويتطلبها المستقبل. فمصر بحاجة إلى حزب سياسي شبابي يمثل مصالح غالبية المصريين ويقود تحالفـًا سياسيًا اجتماعيًا يعيد تشكيل نظامنا السياسي من جديد، ويرعى حركة اجتماعية ثقافية وطنية تجدد شباب أمتنا المصرية وتجدد بناء نسيجنا الاجتماعي وتؤسس لاقتصاد جديد عبر لارتكاز على فلسفة تنموية من أسفل نواتها التعاونيات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد