يظن أبناء الشعب المهان في مصر أن الأحلام تتحقق فقط في أفلام عادل إمام، نعم لا أقارن نفسي بالفنان، فقد علمت أنه ضحى كثيرًا من أجل الوصول لتلك النهايات السعيدة في أفلامه دائمًا، لكني تمردت لمرة قبل الموت، ففي مصر الموت أسهل من تجديد بطاقتك الشخصية، وأرخص من كوب شاي يضعه مواطن في درج مكتب موظف السجل المدني، لست أقصد الشاي الذي تبادرت صورته إلى ذهنك الآن، بل الشاي الذي نعرفه جميعًا في مصر، من غير سكر، وأحس الموظف بحلاوته، من غير ليمون، وذاق المواطن مرارته، تلك حكاية أخرى، قررت التمرد وتحقيق أحد الأحلام القديمة، سأزور قصر الاتحادية، بعد دعوة من صديق يقيم هناك، المكان الذي نحكم منه، أو هكذا يخيل لنا، من هنا يتحكم الجالس على كرسيه في مصائر الملايين، سأحكي ما رأيت بصدق وأمانة.

أسوار عالية تحيط القصر، أشجار لم يعتن بها أحدًًا من زمن بعيد، تواجد أمني غير كثيف على غير المعتاد، قليل من الأمطار في نهار يوم خريفي، تعلن عن بداية جديدة لساكن القصر وللزائرين معًا، بشرى خير بزيارة هادئة كما أتمنى ولا أتوقع، أتقدم بضعة خطوات نحو باب القصر لنبدأ الرحلة، سيتوقفني أحدهم يسألني بتجهم: «رايح فين يا أستاذ؟» أجيب: زيارة.. عندي زيارة في القصر، يزداد غضبه دون قصدي، فأساله: «فيه مشكلة؟». يصمت قليلًا، ثم يجيب باستغراب: «طب جاي تزور مين عندنا؟»، فجاوبت: يا سيدي جاي أزور صديقي، يقيم هنا منذ فترة. يطلب مني دفع تذكرة حتى يسمح لي بالدخول، أخبره أنني ضيف، وأن هذا القصر لنا جميعًا، يصر على أن ياخذ خدسة جنيهات، أعطه مندهشًا، كيف أدفع لأزور القصر الذي نملكه، أتركه متجها لداخل القصر حتى أبدأ تحقيق أمنية قديمة.

أنسى دفعي خمسة جنيهات لزيارة القصر الذي تمنيت طويلًا زيارته، أتناسى حتى لا أفسد رحلتي بنفسي، الآن أقف في ساحة كبيرة يتخللها بعض المباني القديمة، يشع منها إبداع المعمار القديم، فجأة سمعت أصوات صراخ ونحيب، بعض السيدات يصرخن بشدة، بكاء لا ينقطع، وجوه يكسوها الحزن والغضب، أسأل نفسي: هل اخترت يومًا غير مناسب؟ هل كان يجب أن أخبر صديقي قبل الزيارة حتى أعرف هل الظروف مهيأة للزيارة؟ يقطع تساؤلاتي صدمة أحد الأشخاص بي، «مفيش مشكلة ولا يهمك، معلش هو فيه إيه؟ إيه اللي حاصل؟» بعد لحظات يجيب: أحد السكان توفاه الله منذ لحظات، من الواضح الآن أن الزيارة في طريق النهاية، وأن الأحلام لا تتحقق بالفعل.

أتمسك بتحقيق أمنيتي، وإكمال الزيارة، أترك تجمع السيدات النائحات، وأكمل للقاء صديقي، أبحث عنه في الوجوه الكثيرة، أتوقف للسؤال: أين صديقي؟ «المبنى اللي في وشك ده الدور التاني»، يجيب شخصًا ما دون أن يعرف حتى اسم صديقي، مزيدًا من الغموض يحيط بالزيارة ويزيد قلقي أكثر، هل هذا مجرد حلم، ربما كابوس، لا أستطيع معرفة ذلك سواء كان حلم أو حقيقة، أقرر خوض التجربة كما هي، فقط أتجول في هذا القصر وأقابل صديقي، دقائق معدودة وكنت أقف أمامه، شاحب الوجه، هزيل البنيان، لا يقوى على النهوض لتحيتي كما يفعل دائما، أين بسمته؟

هل نزعت منه على أبواب القصر، «صديقي إزيك؟ طمني عليك»، يجيب: لا تقلق أنا بخير، حادث سير كما يحدث مع المصريين كل دقيقة، لم يستطع مواصلة حديثه، أشفقت عليه: لا عليك لا تجهد نفسك، سأكرر الزيارة قريبًا، أودعه وقبل الانصراف أقف للحظات، أنظر له مرة أخرى: صديقي رأيت أشياء غريبة بالقصر، نساء تصرخن، علمت أنه مات قريب لهن بعد ذلك، وطفل صغير يبكي من ألم كسر في قدمه، كثيرون يفترشون الطرقات، أين الحدائق الزاهرة؟ وأين الملايين الذي أخبرتني أنها صرفت هنا من أجل التجميل والتطوير؟ أين حديثك عن التحف المعمارية والزخارف؟ صديقي هل خدعتني، ألم تقل لي أنك تسكن القصر؟ يرد سريعًا نعم، أسكن قصر العيني.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد