في هذه اللحظة التاريخية التي يتصاعد فيها صدى التحولات العالمية حتى يصم الآذان، وتغيب الأحلام، وتنبعث من تحت الركام التاريخي الطويل أمتنا، عارية الصدر في وجه تحديات جسام وأمم تتسابق لتحصيل أسباب المنعة والقوة والتفوق. ورغم أن المشهد يبدو قاتمًا للوهلة الأولى فإن المُدرك لحركة التاريخ يعلم أن فجر كل نهضة يسبقه ليل طويل، وكما انطلقت أمم الأرض جميعها تنطلق أمتنا اليوم، وهي قادرة على تحصيل أسباب القوة والمنعة ولو بعد حين. تلك هي الآمال والأحلام.

حيث يخلط الكثيرون بين كلمة «السياسة» على إطلاقها وبين كلمة «علم السياسة»، فكلمة «السياسة» المختزنة في الوعي العام للجماهير – وحتى الكثير من النخب الاجتماعية – لا تساوي كلمة «علم السياسة» كأحد فروع العلوم الاجتماعية وهو العلم الذي يتناول الظاهرة السياسية في إطار علمي، ويُضبط هذا التناول من خلال الالتزام بمصطلحاته وأبجدياته وطرق بحثه ومناهجه المتعارف عليها بين العلماء والباحثين السياسيين؛ وإنما تعني كلمة «السياسة» العمل السياسي والممارسة السياسية والاهتمام بالشأن العام، وهذه السياسة هي التي نلمسها في وسائل الإعلام المختلفة في الحوارات والتحقيقات والتعليقات والتحليلات التي نسمعها من النُخب السياسية ومن رجل الشارع العادي.

وفي إطار هذا التحديد لمدلول كلمة السياسة يمكن القول إن عموم الجماهير مُعرضة يوميًا تقريبًا للتعامل مع السياسة، فلا يكاد ينجو ميدان من الاشتباك مع موضوع السياسة.

وإن من أحد مظاهر الاختلاف بين الناس والشعوب في وقتنا الراهن هذا هو الاختلاف الأيديولوجي والذي يُعد من أبرز أسباب نشوء الصراع، فالكثير من الأيديولوجيات تسعى للهيمنة على العالم، وهي أحد عوامل اشتعال النزاعات السياسية والاقتصادية والمصلحية، وكل أيديولوجيا تتخذ من المنظور القيمي سندًا لها.

كما نجد الجرأة على ممارسة السياسة قبل أن تتوفر خلفية علمية قوية عن قواعد العملية السياسية فبمجرد أن تتشكل خلفية عن أحد الأحداث السياسية تجد عموم الجماهير والمهتمين بالشأن العام يُحللون ويُناقشون؛ بل ويمارسون. فأصبحت السياسة مهنة من لا مهنة له، ومجالًا مستباحًا لكل ألوان الهواة، مما خلق حالة من الفوضى والاضطراب في مجال من أخطر المجالات، خاصة أننا نلاحظ تغلغل السياسة واشتباكها مع كل حياتنا فالعالم الذي نعيش فيه تتحكم السياسة في كل مفاصله.

وبوجه التحديد عندما نتحدث عن العالم العربي الإسلامي فنجده اليوم يعيش مشهدًا داميًا في «الحرب الأهلية الجهادية» تنظيم «القاعدة» ضد تنظيم «داعش»، وشيوخ الجهاد القديم ضد نجوم الجهاد الجديد، وحزب التحرير الإسلامي الذي قضى ستين عامًا يدعو للخلافة يعارض تنظيم داعش!

في العالم الإسلامي، زادت أعداد الذبائح من الرجال والنساء أعدادها من بهائم الأنعام.

تتوالى مواكب الحزن والموت: تفجير يُطيح بالأبرياء، ثم تفجير يُطيحُ بالجنازات، ثم ثالث يُطيح بالسرادقات.

مراحل متعددة للموت، ومواكب نُعوش لا تنقطع!

لو كان المحيط الهادي مصبًا لدموعنا لما كَفَى. يا إلهي، كل هذا الدمار في ديارنا؟ كل هذا الدماء من أجسادنا؟ كل هؤلاء اليتامى في بيوتنا!

وحدنا في بحر الظلمات، لا صاحب ولا رفيق. لا معالم ولا طريق، لا أحد يحزن لحزننا أو يأسى لمُصابنا. لا هاتف جاءنا للمواساة، ولا بطاقة وصلت إلينا: نشاطركم الأحزان!

إن «الشرق الأوسط الأخضر» قد تلاشى لحساب «الشرق الأوسط الأحمر».غابت نسائم الربيع في رائحة الموت!

قبل عقد من «الشرق الأوسط» كان الغرب يتحدثون عن «الشرق الأوسط الجديد». كان حديث القنبلة والحرية معًا. رحلت الحرية وبقيت القنبلة.

لقد نجح المتطرفون في صناعة اليأس، ولابد أن ينجح المخلصون في صناعة الأمل.

وتَمُر الأيام والسنون وها قد يواجه العالم أحداثًا متتالية ومتباينة في جوهرها ومعالمها وأشكالها ولعل آخرها ما شهده عام 2017 المُنصرم، حيث شهد العديد من التطورات الفاصلة والمؤثرة حول العالم، مع قيادة أمريكية جديدة برئاسة دونالد ترامب والتي لعبت دورًا كبيرًا في المتغيرات التي شهدتها الساحة الدولية طيلة العام، وبما يلقي بظلاله كذلك على الأوضاع في عامنا الجاري 2018.

– حفل عام 2017 بالعديد من الأحداث الساخنة في خط مواز مع العمليات الإرهابية التي وقعت في الكثير من العواصم العربية والأوروبية، جنبًا إلى جنب واستمرار عمليات دحر التنظيم الإرهابي في سوريا والعراق، وإعلان العراق انتصاره على التنظيم الذي شهد العام بدايات انحساره بصورة كبيرة.

بينما شهد التنظيم قمة مجده في عام 2015 وما تلاها وجاء عام 2017 المُنصرم ليتلقى فيه التنظيم ضربات موجعة في سوريا، في الرقة على وجه الخصوص التي تعتبر عاصمة الخلافة المزعومة للتنظيم، ومنها التالي:

– أن الحدث الذي ربما يعتبر الأبرز هو تولي دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية. ففي يوم 20 من شهر يناير (كانون الثاني) عام 2017 أُقيم حفل تنصيبه، ليشهد العالم بعدها متغيرات فاصلة مرتبطة بالسياسات الأمريكية المباشرة إزاء العديد من الملفات من بينها لا شك ملفات الشرق الأوسط.

– الموقف الأمريكي من إيران ومن كوريا الشمالية ومن دول الخليج والشرق الأوسط والقضية الفلسطينية، وأوروبا، وجميعها شهدت تطورات متباينة خلال العام الماضي ومع بدء ترامب لسياسات مغايرة عن سياسات سلفه باراك أوباما، فضلًا عن موقفه من «الإسلام السياسي» في المنطقة.

o استهل ترامب الإعلان عن تلك السياسات الجديدة بواحد من الأحداث الساخنة وهو عملية قصف قاعدة الشعيرات السورية، وذلك ردًا على «مجزرة خان شيخون» وهو الهجوم الكيميائي الذي أدى إلى وفاة حوالي 100 شخص وإصابة 450 آخرين. وقراره الأخير – الذي كان رؤساء أمريكيون سابقون يتحاشون اتخاذه – بشأن نقل السفارة الأمريكية إلى القدس والاعتراف بالقدس عاصمة الاحتلال الإسرائيلي.

– عملية مقاطعة أربع دول عربية هي (السعودية ومصر والإمارات والبحرين) دولة قطر، واتهامهم للدوحة برعاية الإرهاب وتمويله وتوفير الملاذ الآمن للعناصر والكيانات الإرهابية.

– تولي الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد في المملكة العربية السعودية، وما أعقبه ذلك من سياسات مختلفة ملحوظة للمملكة خلال الفترة الماضية.

– ومن جانبه فقد شهد عام 2017 جملة من الهجمات الإرهابية، لعل أخطرها مؤخرًا وقعت في مصر واستهدفت مسجد الروضة في بئر العبد بشمال سيناء، والتي راح ضحيتها مئات المدنيين ما بين مُصابين وقتلى.

– وكذلك من بين الهجمات الإرهابية حادث الدهس الشهير في برشلونة في 17 أغسطس (آب) والذي راح ضحيته نحو 14 شخصًا وأكثر من 100 مصاب بالإضافة إلى حادث إطلاق النار في لاس فيغاس والذي راح ضحيته نحو 60 شخصًا في أكتوبر (تشرين الأول).

– أما عن ملف «الحركات والاتجاهات الانفصالية» من بينها استفتاء كردستان العراق في 24 سبتمبر (أيلول) 2017، وكذا استفتاء كتالونيا في إسبانيا في أكتوبر.

– التراشق الحادث بين الولايات المتحدة الأمريكية وكوريا الشمالية وأيضًا التجربة النووية لكوريا، والتي تعتبر الأقوى من نوعها والتي تمت في سبتمبر الماضي.

– وفي لبنان جاءت استقالة رئيس الوزراء «سعد الحريري» ضمن أبرز الأحداث رغم تراجعه عنها بعد ذلك، بينما في اليمن جاءت عملية اغتيال الرئيس السابق «علي عبد الله صالح» – بعد يومين فقط من فك ارتباطه وتحالفه مع الحوثيين – والتي تضع كل الاحتمالات والسيناريوهات مطروحة فيما يرتبط بالملف اليمني.

– فوز إيمانويل ماكرون (39 عامًا) في الانتخابات الرئاسية الفرنسية 2017، 1.66% مقابل 33.9% لمنافسته مارين لوبن، ليصبح بذلك أصغر رئيس في تاريخ البلاد.

– مجلس العموم البريطاني يُعلن توقف ساعة بيج بن التاريخية عن العمل لمدة أربع سنوات بسبب أعمال الترميم والإصلاح، بعد 157 سنة من العمل.

– إعصار «هارفي» يضرب الولايات المتحدة الأمريكية كإعصار من الدرجة الرابعة مسببًا أضرارًا كارثية لا مثيل لها، وسجلت على الأقل 83 وفاة وتُقدر الأضرار التي سببها الإعصار بين 70-200 مليار دولار.

– إصدار الملك سلمان قرارًا يُجيز منح تراخيص قيادة السيارات للرجال والنساء دون تمييز.

– انتحار الجنرال الكرواتي البوسني «سلوبودان برالياك» في المحكمة أثناء استماعه لحكم المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة.

بينما تظل الساحة السورية هي أهم الأحداث العظام في عام 2017، سواء السياسية أو المدنية، وهي «وصمة العار» على جبين المجتمع الدولي والأمم المتحدة، بعد العجز عن التوصل إلى حل يوقف نزيف الدماء السوري، حتى بعد ثماني جولات من المفاوضات الرئيسية في جنيف.

وهذه هي الأحداث السياسية الهامة في دول العالم والتي كان بعضها كفيلًا بتغيير المشهد السياسي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد