في ليلة الثلاثاء 26 مارس من عام 1985،  شعر كلايف ويرينج ـ البالغ من العمر 46 عاماً- بصداع حاد. في الصباح، بعد ارتفاع درجة حرارته، استدعت زوجته ديبورا الطبيب الذي أعطاه منوما وقال إن الأمر لا يعدو كونه بردا عاديا، ونصحها بالذهاب للعمل. في الليل عند عودتها، لم يكن كلايف في المنزل. أصيبت ديبورا بالذعر.

 

بعد انتظار طويل، اتصل شرطي بها قائلا إن سائق تاكسي ترك كلايف في قسم الشرطة عندما عجز عن تذكر عنوان بيته. نقلت ديبورا زوجها لمشفي ساينت ماري ببادينجتون. جاء التشخيص بعد إحدى عشر ساعة. أصيب كلايف بفيروس (هربس سيمبلكس) من النوع الأول الذي أدي إلي التهاب شديد في المخ وإصابة أجزاء كثيرة منه والتلف التام؛ نتيجة ارتطام المخ بالجمجمة.

 

في تلك الليلة، كانت حياة كلايف كعازف بيانو ومغني تينور وقائد أوركيسترا وعالم موسيقي إنجليزي مرموق قد انتهت، و بدأت حياته كصاحب أسوأ حالة فقدان ذاكرة تم تسجيلها.

 

أسير الحاضر

انمحت كل ذكريات كلايف عن حياته السابقة وعجز عن تكوين أية ذكريات جديدة. صار لا يستطيع تذكر أي شيء حدث قبل أكثر من ثلاثين ثانية. عندما يسأله أحدهم سؤال، أثناء الإجابة، يكون قد نسي ماذا كان السؤال؛ عند قراءته لصحيفة أو مجلة، عند وصوله للسطر الثاني يكون قد نسي السطر الأول؛ عند زيارة زوجته أو أحد أفراد عائلته، بعد مغادرة الزائر من الغرفة، يكون قد نسي أن شخص ما كان هناك.

 

في سيرتها الذاتية “اليوم للأبد” تصف ديبورا حالة كلايف: “لم تضعف قدرته على إدراك ما رآه وسمعه. لكن بدا أنه كان عاجزاً عن الاحتفاظ بأي إنطباع لأي شيء لأكثر من طرفة عين. و بالفعل، إذا طرف بعينيه، انفتح جفناه علي مشهد جديد، ونسي المشهد قبل طرفة العين بأكمله. كل طرفة عين، و كل لمحة سريعة كانت تأتيه بمشهد جديد كلياً”.

 

كل لحظة كانت بالنسبة لكلايف هي إستفاقة جديدة. طوال الوقت و هو يشعر أنه استيقظ لتوه من غيبوبة. “لم أر أي أحد من قبل، لم أسمع أي كلمة حتي الآن، لم أحلم حتى، النهار و الليل نفس الشيء، فراغ. تماماً كالموت. لا أفكار علي الإطلاق. مخي متوقف عن العمل، النهار والليل نفس الشيء، ولا أحلام” ، كان يكرر.

 

بقيت بعض الحقائق الأساسية في ذاكرة كلايف عن حياته السابقة قبل الإصابة بالمرض، كان يتذكر أنه عازف ومؤلف موسيقيّ له أبناء من زواج سابق وأنه متزوج الآن من ديبورا، كان يتذكر أيضاً اسمه وأسماء إخوته واسم المكان الذي نشأ فيه والجامعة التي درس بها، كل ذلك بشكل مجرد دون أية تفاصيل إضافية. لم يكن يستطيع تذكر أي حفلة من حفلاته السابقة أو عدد أبنائه و كان دائماً يذهل لرؤيتهم وقد كبروا. الوحيدة التي كان يتذكرها بوضوح تام و باشتياق دائماً إليها هي ديبورا.

 

كانت رؤية ديبورا هو حدث يستحق الاحتفال. في اللحظة التي يسمع صوتها آت ثم يراها وقد دخلت الغرفة تنمحي علامات الحزن و الارتباك من علي وجه كلايف ويستبدل بها فرحا عارما. حينها، يرفعها من على الأرض ويراقصها ويقبلها ويغني. عند عودتها إلي منزلها ليلة لقائه، يكون كلايف قد نسي بالفعل أنها كانت عنده منذ قليل. حينها، تجد ديبورا عشرات الرسائل منه متروكة علي مجيبها الآلي” أرجوكِ تعالي هنا عزيزتي، تعالي عند الفجر، تعالي بسرعة الضوء”.

 

تقول ديبورا في مذكراتها “كان كلايف دائماً محاطا بغرباء في مكان غريب، دون أن يعلم أين هو أو ماذا حدث له. رؤيته لي كانت تمثل له راحة كبيرة، أن يعرف أنه ليس وحيدا، إنني مازلت أهتم لشأنه و أحبه، إنني موجودة لمساندته”.

 

في أحد الأيام، فتحت ديبورا أمام كلايف إحدى النوتات الموسيقية وبدأت تغني. حدث ما لم تكن تتوقعه، رافقها كلايف في الغناء. كان عاجز عن إيجاد الإستمرارية في أي حديث عادي، لكنه وجد تلك الإستمرارية في الموسيقي. في ذلك اليوم، اكتشفت ديبورا أن قدرات كلايف الموسيقية ظلت سليمة، لا يزال قادراً علي لعب البيانو وقراءة النوتات الموسيقية، وما زال يتذكر الأغاني التي حفظها قبل المرض ويستطيع أن يغنيها. “عندما تتوقف الموسيقي، يهوي كلايف للضياع مجدداً، لكن في الدقائق التي يعزف فيها، يكون هو نفسه كالسابق”.

 

تقول ديبورا: “احتفظ كلايف منذ بداية مرضه وحتى الآن بمذكرات. ليست مذكرات بالمعني الطبيعي، فكلها مملوءة من أول صفحة لآخر صفحة بالحدث نفسه مكرراً مئات المرات؛ كل بضع ثوان تعني بالنسبة له استيقاظا من غيبوبة كالموت، حدث كبير يجب تسجيله، وتلك هي وظيفة المذكرات. يجد كلايف كراسة و قلما موجودين أمامه، ينظر لساعته حتي يعرف لحظة استفاقته، ثم يكتب: “7:46 صباحاً، أنا مستيقظ لأول مرة.” تقع عيناه علي الصفحة ليجد أن نفس العبارة مكتوبة بخط يده في توقيت أسبق، شيء لا يتذكر بطبيعة الحال أنه فعله، من ثم، يشطب كلايف العبارة الأسبق بعنف. في بعض الأحيان بدلا من تسجيل استفاقته يكتب كم يشتاق لديبورا، وفي مرة كتب بأحرف كبيرة أخذت نصف مساحة الصفحة : ” أنا علي قيد الحياة”.

 

ديبورا

قابلت ديبورا كلايف في إحدي حفلاته عندما كانت في الـواحدة والعشرين من عمرها وكان هو في الأربعين. تزوجا بعدها بأربعة أعوام في سبتمبر 1983م وبعدها بقرابة العام والنصف أصيب كلايف بالفيروس الذي غير حياتهما للأبد. تقول ديبورا عن أول عام قضته بعد الإصابة: ” كنت مصدومة، عاجزة عن الاستيعاب. كان الأمر كما لو أنني تحت الماء، لا أستطيع التحكم في حركتي، لا أستطيع أن أسمع أي شيئا، لا أستطيع أن أفهم العالم، عالقة تحت السطح و لا أدري كيف أخرج”.

 

قضت ديبورا سنوات عصيبة. كانت تشعر أنها زوجة و أرملة في الآن نفسه، فمن ناحية، كان زوجها علي قيد الحياة، و من ناحية أخرى لم يبق منه إلا القليل. لأعوام ظل كلايف يكرر بضعة أسئلة وعبارات و كان عليها هي أن تجيب عليه وتتفاعل معه كما لو كانت تلك هي المرة الأولي. أرهق هذا ديبورا عصبياً.

 

عاش كلايف منذ إصابته بالمرض في غرفة داخل قسم الأمراض النفسية داخل مستشفي ساينت ماري التي نُقل إليها. لم يعجب ديبورا الوضع هناك، و بعد سبع سنوات، في 1992م، افتُتح مركز إعادة تأهيل لأصحاب إصابات المخ عبارة عن منزل ريفي في إحدى القرى. شعرت ديبورا أنه المكان المناسب لكلايف، ونقلته إلي هناك. بعد أن شعرت أن مستقبله تم تأمينه، بدأت ديبورا تنظر لمستقبلها هي. أرادت أن تخرج من عالم المرض وتعيش حياة طبيعية، وفي عام 1994م طُلقت من كلايف وسافرت للولايات المتحدة.

 

هناك، دخلت ديبورا في عدة علاقات، باءت كلها بالفشل. في كل رجل لم تكن تبحث سوى عن كلايف. أحست في داخلها أنها لا تستطيع أن تتزوج من أحد غيره أو تحب أحدا غيره. كل ما أرادته هو بيت وأطفال و حياة طبيعية عجز هو بسبب ظروف مرضه أن يؤمنها. في النهاية، قررت العودة للرجل الوحيد الذي أحبت، قررت العودة لكلايف.

 

بالفعل عادت ديبورا للملكة المتحدة، إلي مدينة “ريدينج” حيث ظلت تعيش حتى اليوم، علي بعد ساعتين من مركز إعادة التأهيل الذي تذهب إليه بشكل منتظم لزيارة كلايف. هذه المرة، كانت هي المشتاقة لرؤيته. تغير عن السابق وتوقف عن سؤاله الحزين الدائم “منذ متي و أنا مريض؟” صار بإمكانه إجراء محادثات بسيطة والحديث في موضوعات عامة. في عام 2002م قررت تجديد عهود زواجهما.

 

تصف ذلك اليوم في مذكراتها: “وهكذا، في أحد الفصح عام 2002م، ارتدينا أنا وكلايف أفضل ملابسنا. جاء أنثوني، ابن كلايف، ومعه زوجته وطفليه، كما جاءت لورا مساعدة كلايف. لم نتبادل عهود الزواج في المرة الأولي لذا فستكون هذه المرة أقوى بكثير. استطاع كلايف أن يتفاعل كلياً، أن يتلو الصلوات ويقول كل ما أراد قوله. كان أفضل جزء عندما ركعنا ويدانا المضموتان إلي بعضهما لُفتا بوشاح ذهبي. كان هذا أعمق من كونه مجرد رباط جسدي، كان كما لو أننا لمسنا سوياً شيئا من الأبدية.”

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد