منذُ أكثر من عامين وفي مساء يوم 25 مارس (أذار) عام 2015، طل علينا أحد كبار رجال المملكة السعودية، ويظهر في الديباجة التعريفية أنه وزير الخارجية السعودي، حيث قال بالنص (نحن نستطيع أن نحسم معركتنا في اليمن، وأن نُسجل نصرًا حاسمًا وتاريخيًا خلال أسابيع فقط)، قال الوزير ذلك بأسلوب الاستكبار والاستعلاء والاستضعاف للشعب اليمني الذي أذلته المملكة السعودية على مدى عقود من الزمان، وذلك قبل بدء هذه الحرب بعقود.

وتسليطًا للضوء على اليمن الذي كان سعيدًا قبل هذه الحرب، والذي أصبح بين الأمة نسيًا في ظل تلاحق الأزمات الدائرة في منطقة الشرق الأوسط، وتحديدًا بعد ما شغلتنا أزمة دول مجلس التعاون الخليجى مؤخرًا.

ولكن يبدو واضحًا أن هذه الحرب المفروضة على اليمن من قبل المملكة، ليست حربًا لتحقيق أغراض سياسية، ولكن لهم فيها مآرب آخرى، وإلا فكانوا قد انتهوا من حسم المعركة في أسابيع كما صرح وزير خارجيتهم في بدايتها، لكنه الانتقام الذي يُمارسه نظام المملكة بحق اليمنيين، لأن هذا المستوى من الحرب وهذا الشكل من القتل، بل عملية سحق البشر والبنيان حجرًا كان أو مدرًا، وقتل الأطفال والشيوخ والنساء واستهداف كل شبر في هذه الأرض بالطيران الجوي والمدفعية، يجعلنا نقول إن هذه الحرب حتمًا، ليست لغرض سياسي، ولكنها حرب البُغض من اليمن الشقيقة لهم، وكسر إرادة شعبها وعزيمتهم، خصوصًا بعد ثورتهم المجيدة التي كادت أن تُحقق معظم أهدافها لولا التدخل غير المقبول من المملكة.

فهذه العقول، دائمًا ما كانت تُفكر باليمن أنه ولاية تابعة لهم، بل أبناؤه لابد أن يكونوا خاضعين صاغرين مستسلمين لأي قرار أو توجيه تأمر به المملكة؛ لأنه عندما خرج الشعب اليمني الأبي ليُعبر عن إرادته وطلبه لحريته وسيادته وقراره المستقل وعزته وتاريخه المعروف قديمًا بين الأمم بالعلم والحضارة، عندما كانت باقي دول شبه الجزيرة العربية لا زالت تائهة في الصحراء والبادية، كل هذا تضعه المملكة نصب أعينها الآن في حربها على اليمن، هذه هي الحقيقة للأسف، فاذهبوا.. اذهبوا وتابعوا أخبارها وانظروا وتمعنوا فى مناظر الدماء التي تملأ شوارعها ورائحة الموت القابعة في كل مكان في اليمن، التي حُولت أغلب مُدُنها وقُراها إلى مُدن أشباح يسكُنها الرعب والفزع، بمعنى أوضح، لقد حولها النظام الملكي السعودى إلى حُطام مدينة وشبه دولة، وهذا ما يتنافى مع ما يُرددونه ليل نهار في إعلامهم المرئ والمسموع أنهم يُريدون بهذه الحرب علي اليمين استقلالية قراره وسيادته، كل ذلك تُكذبه مشاهد الأحزان والدموع والقهر على وجوه أبناء الشعب اليمني حتى في أيام عيدهم وفرحهم.

وحتى في ذكرى ثورتهم لم يستطيعوا أن يُقيموا لنصرهم أعراسًا، بفعل آلة القمع والقتل والتشريد الأمريكية الصنع والسعودية التنفيذ، وإن كنا قد نسينا، فالتاريخ لم يمحَ، ولك أن تُطالع، ستجد أن أمريكا قد زودت المملكة السعودية بطائرتي تجسس من نوع أوكس إبان حرب اليمن عام 1997، شريطة ألا يستخدمها نظام المملكة ضد إسرائيل، ويقتصر استخدامها فقط في الحرب الدائرة باليمن بين الشمال والجنوب، وذلك لتوسيع رقعة الحرب بين أبناء البلد الواحد كما كان مُخططًا.

وبصدد كل ذلك يكفينا في هذا الأمر أن نستشهد بمجزرة واحدة فقط، ارتكبها طيران التحالف بقيادة المملكة السعودية تحديدًا يوم 8 أكتوبر (تشرين الأول) من العام المنصرم أمام مرأى ومسمع من العالم على الصالة الكبرى بالعاصمة اليمنية صنعاء، هناك حيث مجلس العزاء، ولم يكن هذا المكان ثكنة عسكرية أو موقعًا عسكريًا، والقيادة السعودية تعلم ذلك جيدًا، ويأتي الطيران الحربي ويقصف هذه الصالة عامدًا متعمدًا، معتقدًا أن فيها عددًا من القيادات السياسية والعسكرية بحد وصفهم بعد ما تم هذا القصف، وكانوا بهذا القصف يتعمدون أن يُلحقوا أكبر قدر ممكن من الخسائر لمن هو موجود في هذه الصالة.

هذا الحدث المروع بحسب التقديرات راح ضحيته 115 شخص أغلبهم من المدنيين، بل ثبت بعد ذلك أن القنبلة المستخدمة في هذه العملية والموجهة بالليزر كانت أمريكية الصنع، كان من الطبيعي أن يتم إدانة هذا الحادث من قبل المنظمات والجماعات والتنظيمات ودُولًا عدة، وكان من أبرز الدول التي أدانت (النرويج – وفرنسا – وروسيا – وكندا – وإيطاليا) وبعد أن كان دومًا يشعر بالقلق، وفي تصريح رسمي قال الأمين العام للأمم المتحدة وقتها – بان كي مون – إن الهجوم كان وحشيًا، وانتهاكًا واضحًا ومُشينًا للقانون الدولي.

وللنظر إلى هذه الحرب القائمة في اليمن منذ أكثر من عامين وحتى الآن، والتي اُرتُكب فيها أبشع الجرائم ضد الإنسانية، ظن نظام المملكة بهذه الحرب أنهم مانعتُهم حصونهم ودباباتهم ومدرعاتهم وجنودهم وقصورهم وأموالهم من إنهاء الأمر وحسمه خلال أسابيع كما قالوا، ولكن هذه عقلية المتغطرس الذي يتولى كبره على من حوله، ولا يستمع إلى أحد، ولم يتعلم من دروس التاريخ، أنه لم يحدث في معركة من المعارك أن انتصرت الجيوش النظامية بعتادها وعُدتها وكامل قوتها على من اتقنوا حرب العصابات في الصحارى والجبال، أبناء الطبيعة الجبلية والوديان، وخيرُ شاهد على ذلك، الهزيمة الساحقة للسوفيت في حربهم مع المقاومين الأفغان في ديسمبر (كانون الأول) عام 1979، والتي دامت سنوات وانتهت بدون تحقيق أي هدف لهم يُذكر، أيضًا غزو أمريكا لأفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول)، والتي تكبد فيها الجنود الأمريكان وقادتهم خسائر فادحة قبل حسمهم الأمر بمقتل زعيم القاعدة أسامة بن لادن، وأخيرًا وليس بآخر حرب الجيش المصري في شبه جزيرة سيناء المستمرة حتى يومنا هذا مع المسلحين هناك، والتي يُعانى فيها النظام المصري الأمرين، وخير دليل على ذلك، الهجوم الكبير على كمين البرث جنوبي رفح المصرية، والذي قُتل فيه قائد الكتيبة 103 صاعقة و22 عسكريًا من ضباطه وجنوده وإصابة 33 آخرين.

يبقى السؤال قائمًا: هل تم حسم الأمر في اليمن كما قالوا؟!
الإجابة لا، ولماذا؟ لأنهم كانوا يتصورون أنهم عندما تُعلن الحرب من المملكة الشقيقة في الصدارة ومن خلفها إدارة الصراع المتمثل في الولايات المتحدة الأمريكية الداعمة الكُبرى بترسانة السلاح والذخيرة سيُسارع اليمنيون إلى الهروب والاستسلام أو الخضوع والانسحاب من أية مواجهة، فهذا كان الخطأ الاكبر في تشخيص الأمور، وعدم تقدير المواقف وضعف البصيرة والفهم؛ لأنهم لم يتعلموا من دروس الماضي كما قلنا.

فوق كل ذلك ومنذ أن دارت رحى هذه الحرب على اليمن، لم يبق شيء هناك إلا وتم قصفه، حتى المستشفيات والمدارس والمساجد حتى المقابر ومجالس العزاء، ناهيك عن الآثار التاريخية والحضارية لليمن، حتى وصل تعداد القتلى والجرحى ليومنا هذا، إلى الألوف المؤلفة، ولا زال تعدادهم في تزايد وسط صمت وسكوت العالم العربى والإسلامى، وذلك طبعًا بسبب الحسابات السياسية التي تُقدرها كل دولة، صديقة كانت أوعدوة.

ومع كل هذه المظلومية للشعب اليمني، وفي بداية المعركة قبلوا بالتفاوض وقبلوا بالحل السياسي، وذهبوا إلى مؤتمر الكويت، ولكن وجدوا في الكويت من يقول لهم بلسان الحال: اخضعوا واستسلموا وسلّموا أمركم، كيف ذلك وهم أصلًا أصحابُ الأرض والحق وأصحاب الظلم الأكبر الواقع عليهم.

يا سادة مجزرة الصالة الكُبرى التي ذكرنا مفاعيلها، لم تكن إلا فضيحة كُبرى لمن قام بها، أولًا.. لأنهم لم يستطيعوا ولو بالإدعاء أن يُثبتوا أن هذا المكان الذي تم قصفه هو مكان أو ثكنة عسكرية.

ثانيًا: عدم صحة التصاريح التي اُعلنت وقتها من إعلام المملكة عقب القصف، حيث تم البث على الإعلام التابع للمملكة .. إن هذا الانفجار ناتج عن عبوة متفجرة نتيجة الخلافات الداخلية بين اليمنيين. ثم يأتي الفيديو الشهير وقت القصف يُكذب كل هذه الادعاءات، حيث ظهر فيه الدخان والشظايا، ويظهرُ فيه بوضوح أيضًا أن القصف كان من الجو، ومع ذلك ظلوا على إصرارهم أنه ليس لهم علاقة، وليس لديهم علم بما حدث، بالرغم من أنه طُلب من المملكة بعدها إجراء تحقيق دولي محايد، لكن قيادة المملكة رفضت هذا الطرح.

بل زادوا على ذلك بعد إعلان عدد الجرحى أصحاب الحالات الحرجة وتقريبًا 600 جريح في صنعاء، وقتها لم تسمح لهم المملكة بمغادرة اليمن لعلاجهم في الخارج، ولم تسمح لأية دولة أن تُرسل أطباء أو مساعدات طبية إلى هناك لمعالجة هؤلاء الجرحى. ولك أن تتصور أنه لا يوجد أحد ارتكب مجزرة واكتفى بما فعل، بل هو مُصر على استكمال مفاعيل هذا الأمر بأن يموت هؤلاء الستمائة أيضًا، وأن لا يُسمح لهم بأية فرصة للعلاج، بربكم أين الجانب الإنساني؟ وأين الجانب الديني؟ بل أين القيم ومفهوم القوميات العربية التي يتشدقون بها ليل نهار.
فيا حكام المملكة، ألا من خاتمة لهذه الحرب؟ بربكم أي انتصار تُريدون أن تُحققوه على دماء وجثث الشعب اليمني؟ هذا الدم المسفوح ظلمًا في مدن وقرى وحدود اليمن الجريح.

يا سادة بإصراركم على هذه الحرب لن تكسبوا اليمن في صفكم كما تعتقدون، ولكنكم ستخسرون اليمن، وستخسرون أموالكم التي ظننتم أنها لن تنفذ في ظل شرائكم المستمر للأسلحة والذخيرة لتغظية حربكم على اليمن، بل ستخسرون أنفسكم لأنكم تدفعون بمملكتكم إلى الهاوية، أضف إلى ذلك أيضًا أزمتهم في مجلس التعاون الخليجى مع الدوحة التي تُضعفُ من موقفكم مع الوقت وتُعزز وتُقوى موقف قطر المدعومة من الدول الكُبرى.

وللمُطالع أيضًا سيرى، كم أنفقت السعودية من مليارات الدولارات لكى تقدم لها صورة مشرقة، وحتى تُوجد لنفسها مكانًا يليق بها في العالم على المستوى الإعلامي والسياسي والدبلوماسي، وتصدير صورة أنها الأخ الأكبر الحامي لحمى المسلمين، وأنها التي تُقدم يد العون للشعوب المنكوبة وتمدّهم بالمال وبالمساعدات الإنسانية، وأنها حاضنة الإسلام وخادمة الحرمين الشريفين، ولكن ظني أن كل ذلك يتنافي مع ما تفعله في اليمن، ويتنافى أيضًا مع حصارها الاقتصادى هى ومن معها المفروض على الدوحة.

بربكم بعد أن بذلت كل هذه الجهود لتثبت لنفسها موقعًا إقليمًا، أين هي السعودية الآن؟ أين هو احترامها في الوطن العربي والإسلامى، والعالم كله الآن بدأ يعي جيدًا أن كل حالة توتر، وتأجيج للفتن والخلافات في أية دولة عربية كانت مستقرة، يرجع مآله بالدعم المالي إلى هؤلاء.

أين هو اقتصاد المملكة الآن؟ ومئات المليارات أنفقتها لاسترضاء أمريكا تحت غطاء نفقات الأسلحة الأخيرة.

فإلى أين هم ذاهبون؟ بالسياسة والاقتصاد وما كانت عليه من احترام وتقدير، وهم الآن للأسف عاجزون على أن يُدافعوا عن حدودهم أمام المسلحين من اليمن، مواقعهم هذه المدعومة بطائرات الاستطلاع الأمريكية وأجهزة الردارات وأجهزة الرصد والتشويش، ناهيك عن أرتال الدبابات والمجنزرات التي اصطفت على الشريط الحدودي مع الشقيقة اليمن.
أخيرًا وليس بآخر يبقى السؤال… ألا يعود ولاة الأمر في السعودية إلى سابق عهدهم؟ ألا يفهمون حقيقة الصراع وينظرون إلى صفحات التاريخ المدون في كُتبهم؟ أليس في هذا الكون رجلٌ رشيد يُهدى إليهم النصيحة؟ أم أنهم أصلًا لا يُحبون الناصحين! ألم يكفِ سفكًا واستباحةً لدماء الشعوب؟ ألم يكفِ إراقةً لدماء المسلمين التي حُرمتُها عند الله أهون من هدم الكعبة التي يقولون عنها أنهم خُدامها! وهل سيبقى مشهد قابيل وهابيل مستمرًا، يجسده نظام المملكة بحق الشعب اليمنى صباح مساء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد