كنت أتندر بيني وبين نفسي، وأحيانا مع بعض الأصدقاء حول الطرفة التي روج لها الإعلام عن بيع الرئيس محمد مرسي الأهرامات لدولة قطر، وكنا نرسم صورا كاريكاتيرية في أذهاننا لونش يرفع الهرم فوق عربة لوري تحمله إلى المطار ليغادر أرض الوطن بسلام إلى أرض الوطن الجديد.. قطر!

لم يستطع زميل سعودي تصديق الأمر وظنني أمازحه حين أخبرته أن جموعا من المصريين ممن ثاروا على مرسي خرجوا مدافعين عن مصرية الهرم، ورفض منحه أي جنسية أخرى، ولو عربية! آه والله.

لعلها كانت نبوءة تنبأ بها كهنة الإعلام غير أن توقيت تحققها تأخر قليلا، عاما أو عامين، أم هي حقيقة خفيت على جموع المصريين وعلمها هؤلاء الكهنة فتلقفها قرناؤهم من الجن وألقوها إليهم فنسجوا حولها شائعات وأخرجوها إلى الناس موشاة مزخرفة، لتضاف إلى رصيد مرسي من التهم! ربما.

لقد شاهدت كما شاهد غيري مقطع الفيديو الذي يُظهر أحد العاملين بمنطقة الهرم وهو يبيع قطعا من حجارة الهرم، تاركا لك حرية اختيار الصنف الذي تريده، ألباستر أو جرانيت، ولك أيضا حرية اختيار المكان الذي سيقطع لك منه: السفح، الجانب، فأنت زبون والزبون على حق، تماما كما لو أنك عند جزار يبيعك اللحم وأنت تختار الجزء الذي تفضله! لكن الأهم في هذا المقطع هو أمانة البائع، فهو يعرض عليك أفضل ما لديه من القطع، لا غش ولا خداع، فهو (يربي زبونا)، وهو ببضاعته أَخبَرُ، ينتقي لك أفضل ما لديه، وهو شيء للأحباب فقط، وإذا أعجبك الصنف وصرت زبونا، فربما أعطاك بطاقة يُمنح حاملها تخفيضا، والواجب الذي قد يعمله معك أن يبيعك بالمصري، إذ هو لا يتعامل إلا بالدولار أو اليورو.

الغريب والمثير في الوقت نفسه هو هذه التصريحات العجيبة التي خرج علينا بها المسئولون عن الآثار في مصر، كقول مستشارة وزير الآثار: إنها مجرد حجارة ملقاة على الأرض، (والفيديو مفيهوش تكسير)، أو قول الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار إن السائح المثقف لا يمكن أن يشتري قطعة من حجارة الهرم لأنه يعلم قيمته أكثر من المصريين، لكن العجيب فعلا أن سائحًا ألمانيًّا يُدْعَى دومينيك قام قبل نحو عامين بالدخول إلى إحدى الغرف السرية بالهرم وقام بتكسير جزء منها عليه بعض الرسومات، وأخذه عينة يجري عليها بعض التحليلات، وقام بتصوير الحدث ونشره على اليوتيوب، وتقاعست وزارتا الآثار والخارجية في التواصل مع السفارة الألمانية في القاهرة للاستفسار عن هذا الشخص لولا أن قام بعض مقدمي البرامج بإرسال خطاب إلى السفارة لتغطية الخبر، ولا شك أن هذا الحدث يكذِّب قول الأمين العام للآثار، فهذا السائح المثقف يعرف قيمة الهرم أكثر من هؤلاء المسئولين عن الآثار (المثقفين).

يبدو أن المسئولين في مصر لديهم نظريات وتجارب جديدة لترميم الآثار والحفاظ على ذاكرة التراث، وهي بلا شك تجارب جديدة من نوعها، لا عين رأتها، ولا أذن سمعتها، ولا خطرت على قلب بشر، إنها مصرية مائة في المائة، أدعوك لتأمل هذه الفنيات في ترميم ذقن توت عنخ آمون بالصمغ بعد تعرضها للكسر قبل بضعة أشهر على يد بعض العمال! ضع ذلك بجانب العمود الخرساني الذي تم صبه مكان قدم تمثال توت عنخ آمون بمعبد الكرنك في سبعينيات القرن الماضي، وهي الصورة التي يتم تداولها هذه الأيام على شبكات التواصل الاجتماعي، وإلى اليوم لم يتم إصلاح التشوه الذي أصاب التمثال.. تخيل معي هذا الملك الشاب وهو يسير متكئا على عكازه بعد أن يكتشف أنه فقد رجله وتم تعويضه بعمود خرساني، لعله سيظن أنها أصيبت بالسرطان بعد موته وبترت حفاظا على التمثال، وتخيله معي وهو يأوي إلى فراشه يريد نزع هذه الذقن حتى لا تقض مضجعه فيكتشف أنها لُصِقت بأفخر أنواع الصمغ، فيتقلب في فراشه لا يجد للنوم سبيلا.

لقد تساءلت في البداية إن كانت هناك خصومة بين هذا الملك الشاب وبين المسئولين المصريين، فهو ملك يتمتع بحيوية الشباب ونضرته، كما ترى، بل مات محافظا على شبابه، وهم قد بلغوا أرذل العمر. لعلها رسالة موجهة إلى الشباب ترسم ملامح السياسة المصرية الجديدة (البالية)! إن مصيركم أيها الشباب السحل والسجن، والقتل والتشريد، والتشويه والتعويق، ولن يسلم حتى الملك توت عنخ آمون، فالبقاء للأرذل، ولعل ما قوى هذه النظرة عندي تمرير لجنة الشباب بمجلس الشعب إلى هذا النائب السبعيني!

نعم، كنت أظنها خصومة مع الملك توت عنخ آمون، لكنني تُبت من هذا الظن السيئ عندما علمت أنها سياسة يتبعها المسئولون لترميم الآثار، حيث يستخدمون الإسمنت في عمليات الترميم، بدلا من تجميع الأجزاء المفقودة وإعادتها إلى أماكنها، ففهمت أنها تجارب حداثية في ترميم الآثار المصرية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد