قبل أن نخوض في هذا المقال علينا أن نعرّف المصطلحين الموجودين بالعنوان، وهما العدمية والأصولية.

نبدأ بالعدمية التي هي مصطلح فلسفي يصف حالة من فقدان أي معنى أو قيمة للحياة، فكما يقول فريدريك نيتشه الذي يعتبره كثيرون المنظّر الأول لمفهوم العدمية الحديث: العدمية هي تفريغ الكون وخاصة الوجود الإنساني من أي معنى أو هدف أو قيمة أو حقيقة مطلقة، كانت هذه الفكرة موجودة بالطبع قبل نيتشه ولكنه كان أول من أجرى تحليلاً دقيقـًا عليها وتنبأ بأنه لا مفر منها وأنها سوف تستمر في اكتساحها للعالم الغربي الذي يعاني من هلاك القيم القديمة البالية.

يجب التنويه هنا أن اسم نيتشه ارتبط بالعدمية، ولكنه في الحقيقة كان يمقتها لأنه اعتبرها فلسفة فقيرة ضعيفة غير شجاعة وأنها حتمًا مؤدية إلى الفناء.

أما الأصولية فيعرّفها لنا قاموس أكسفورد على أنها حركة دينية تلتزم مبادئ التفسير الحرفي للنص الديني. هي بالفعل بدأت هكذا في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين في الولايات المتحدة عندما طرقت الليبرالية باب المسيحية البروتستانتية بكل ما تحمله من تشجيع لإعمال العقل في الحكم على النص الديني، هنا شعر رجال الدين بالخطر على دينهم، والأهم على نفوذهم، فعقدوا المؤتمرات لتعريف الـ”أصول” الدينية التي لا تستغني حياة المسيحي السليم عنها، ومن هنا جاء اسم “الأصولية” نسبة إلى الأصول التي تم الاتفاق عليها.

ولكن كما يخبرنا المؤرخ والكاتب الأمريكي جون بوشر، فمصطلح “أصولية” انطلق من هذا النطاق الضيق إلى نطاق أعم فأصبح تعريفه: “الالتزام الصارم وغير القابل للنقاش بأي مجموعة من الأفكار والمعتقدات”، وبهذا اتسع مصطلح الأصولية ليشمل جميع مجالات الحياة وأصبحت توجد الأصولية السياسية والأصولية العرقيّة وغيرهما، كما أن الأصولية لم تعد مصطلحًا مرتبطًا بحقبة زمنية محددة، فبعد تعميم التعريف، أصبح بإمكاننا إعادة النظر إلى التاريخ القديم والحديث وإيجاد فترات زمنية عديدة تميزت بصعود الأصولية.

من الجدير بالذكر هنا أن التعريفين السابقين ليسا الوحيدين لهاتين الظاهرتين الهامتين، فقد تعددت التعريفات ومعها تعددت وجهات النظر في الفهم الصحيح للعدمية والأصولية ولكني اخترت التعريفين السابقين لأنهما الأعم والأشهر وسط الفلاسفة وعلماء الاجتماع.

 

هل العدمية والأصولية متضادان؟

قد يبدو واضحًا التناقض بين العدمية والأصولية من تعريفيهما، فالعدمية من ناحية تخبرنا أن الحياة بلا قيمة أو حقيقة مطلقة بينما الأصولية فعلى النقيض تتمسك بمجموعة قيم تعليها فوق أي شيء آخر كحقيقة مطلقة مسلم بها، وهذا ما أكدته الفيلسوفة البلغارية- الفرنسية جوليا كريستيفا في كتابها: This Incredible Need to Believe.

لكن ليست هذه القصة كاملة، فالعدمية والأصولية يوجد بينهما عامل مشترك مهم للغاية وهو عامل “التخلّي عن الحياة”. فبالنسبة للعدميين الحياة بلا قيمة على أية حال فلا داعي للاهتمام بها، أما بالنسبة للأصوليين فالحياة لا قيمة لها إذا ما قورنت بعقيدة الأصولي، فهي تهون إذن من أجل القضية. وضّح عالم الاجتماع الأمريكي النمساوي الأصل بيتر لودويج برجر خطورة مثل هذا التفكير المشترك بين الاتجاهين لأنه يدعو إلى الثبوت وعدم العمل على تحسين المستقبل أو حل المشاكل الحالية. لذا فقد يبدو هذا الموقف كالحل السلبي الأسهل أمام الإنسان للتغلّب على المصاعب الحياتية.

 

هل نحن الآن نعيش في عالم عدمي أم أصولي؟

يرى كثير من الفلاسفة أننا نعيش الآن في عالم “ما بعد الحداثة” الذي يقول عنه المفكر الكبير الراحل د. عبد الوهاب المسيري، إنه عالم مادي عدمي تمامًا فكّك الإنسان وجعله مجرد شيء خالٍ من القيمة والهدف، وضرب لنا أمثالًا على هذا نذكر منها مثل الرداء، فبعد أن كان الرداء يعبر عن خصوصية الإنسان التي تفرقه عن الأشياء صار مجرد شيئًا وظيفيًا كالـ”تي شيرت” لا خصوصية له، بل من الممكن أن يحمل فوقه رمزًا لشركة ما فيصبح الإنسان وقتها مجرد لوح إعلاني. مثال آخر ذكره د. المسيري وهو المنزل الذي يراه مهمًا في تجسيد رؤية محددة للكون تؤثر على من يعيش فيه، فقد صار هذا المنزل وظيفيًا بحتًا في تصميمه دون أن يكون له أي عمق أو شخصية مما يحيد الإنسان الذي يعيش داخله ويفقده أية خصوصية.

بالإضافة إلى المثالين السابقين توجد أمثلة أخرى عديدة لا يمكننا بعدها أن ننكر سيطرة فكرة “تشيّؤ” الإنسان على عصرنا الحالي الذي أصبح فيه الإنسان مجرد قالب آخر وسط قوالب عدة أخرى تشبهه، وتساعد على انتشار هذه الفكرة وتوغلها أكثر في وجداننا منافذ الثقافة كالأدب والفن و وسائل الإعلام سواءً عن عمد أو غير عمد.

ماذا عن الأصولية؟ الحقيقة أن علامات الأصولية قد تكون أوضح من علامات العدمية، هذا لأنه على الرغم من أن الأصولية ليست مرادفة للتطرف، إلّا أنها تؤدي إليه في أغلب الأحيان، فكما يقول المحلّل النفسي د. روبرت يونج: “الإرهابي هو الأصولي الذي لجأ أخيرًا للعنف”. بناءً على وجهة النظر هذه، نجد أن كل إرهابي هو بالتأكيد أصولي، وليس كل أصولي إرهابيًا، لذا فبنظرة سريعة إلى خريطة الإرهاب الآخذة في الاتساع في العالم نستطيع استنتاج أن الأصولية هي حتمًا في ازدياد.

نلمس هذا الانتشار أيضَا عندما ننظر إلى الانتخابات الرئاسية الأمريكية وتحديدًا المرشح المثير للجدل، دونالد ترامب، فخطابه يلعب على العديد من الأصوليات في الوقت نفسه، منها الدينية والعرقية والقومية ومعنى أنه مازال متقدمًا في نتائج التصويت الأولية للحزب الجمهوري بفارق شاسع عن أقرب منافسيه، أن الأصوليين في الولايات المتحدة هم أكثر مما توقعنا.

مثال آخر بارز هو صعود النازيين الجدد في أوروبا والولايات المتحدة وهم مثال للأصولية العرقية. نرى هذا الصعود واضحًا إذا ما نظرنا إلى الزيادة غير المسبوقة في شعبية الأحزاب النازية الجديدة سواءً في ارتفاع أعداد الأعضاء أو في المكاسب الانتخابية التي يحققونها.

لذا نجد أنه من الصعب تصنيف عالمنا الآن كعالم عدمي أو عالم أصولي، فهذه التصنيفات المطلقة تخطئ في العادة. لكن ما يمكن قوله هو أننا نعيش في عالم به صعود حاد لهذين التيارين.

 

ما أسباب انتشار العدمية والأصولية؟

من السهل أن نجد أسباب انتشار العدمية والتي وضّحها لنا نيتشه كما قلنا سابقًا في كتابه “إرادة القوة”، فطبقًا له كانت العدمية هي قدر الإنسان خاصةً الغربي الذي تخلّى عن قيمه وحقائقه المطلقة القديمة بعد أن أصابها الصدأ وبعد أن وجدها بلا فائدة حقيقية.

الماكينات الاقتصادية الكبرى أيضًا ساهمت في انتشار العدمية إلى حد كبير سواءً الماكينة الرأسمالية أم الشيوعية فكلتاهما حولا الإنسان إلى ترس، ولكن في الحالة الأولى هو أصبح ترسًا في ماكينة الشركات الكبرى أما في الثانية أصبح ترسًا في ماكينة الدولة.

لا يمكن أن ننسى كذلك تأثير الاكتشافات العلمية التي ظهرت في بداية القرن العشرين مثل النظرية النسبية لأينشتين ونظريات فيزياء الكم، فالنسبية تخبرنا أن الواقع ليس مطلقًا بل هو نسبي خاص بكل مراقِب، أما فيزياء الكم فقد ذهبت إلى أبعد من ذلك بأن نفت وجود الواقع الموضوعي من الأساس وأخبرتنا أن أي واقع هو واقع شخصي بحت يبنيه المراقِب. كان من الطبيعي أن يكون لهذه النظريات عظيم الأثر، ليس على العلم فقط بل على الفلسفة أيضًا وعلى تدعيم وجهة نظر العدمية القائلة بعدم وجود الحقائق المطلقة.

ولكن إذا بحثنا عن أسباب انتشار الأصولية نجد أن المسألة ليست بالسهولة نفسها، فما الذي يدفع بأحد إلى التمسك بقيم معظمها قديمة تراثية؟ ليس هذا فحسب، بل الأصولي مقتنع في قرارة نفسه أن هذه الطرق التراثية هي السبيل لمستقبلٍ أفضل لذا فهو يريد أن يتبع نموذجها حرفيًا دون أي تغيير.

من وجهة نظري أن الأصولية تفشت في الفترات الأخيرة كرد فعل لتفشي العدمية، فالإنسان منذ بداية الحضارة وهو يبحث عن قيمته ودوره في الحياة سواءً في عبادة إله أو خدمة ملك أو الدفاع عن القبيلة، إذن فهناك حاجة ماسة إلى هذه الثوابت كي يستطيع الإنسان الاستمرار في الحياة، ولكن عندما صدمته العدمية بإذابة كل ثوابته، بات الإنسان مواجَهًا بأسوأ كوابيسه. ماذا يفعل إذن أمام هذا التيار الجارف؟ نعم، عليه أن يتمسك أكثر بهذه الثوابت، ليس هذا فحسب، بل عليه أيضًا أن يبني حولها سورًا لا تمسه أيدي العدمية المدمرة.

هذا ما حدث بالفعل، فقد احتمى الأصوليون داخل حصونهم وأصبح الخوف هو الشعور المسيطر عليهم كلما طرق شيء ما أبوابهم، فهذا الطارق قد يكون فكرة جديدة إذا سمحوا لها بالدخول قد تؤدي إلى انهيار بنيانهم العقائدي الهش في الحال.

السؤال الآن هو: كيف يمكن للعدمية والأصولية أن يكونا كليهما في طور صعودي في عالمنا الحديث؟ من الذي يدفع هذه الضريبة؟ الحقيقة أن هذه هي المحنة، فالتفسير المنطقي الوحيد هو أن أعداد العدميين والأصوليين تزداد على حساب الإنسان الوسطي المسكين، هذا الإنسان الذي لديه منظومة عقائدية يتبعها في حياته ولكنه لا يتمسك بمطلق صحتها وعلى استعداد أن يناقشها. هذا الإنسان هو من يرى المعاول تنال من منظومته بالتدريج فيصبح أمام اختيار مستحيل، إما أن يتنازل عن هذه المنظومة بالكامل ويسبح في عالم العدمية المجهول، أو يغوص داخل منظومته أكثر ويحتمي بجدار الأصولية.

 

ألا يوجد حل آخر؟

ظن نيتشه أنه وجد حلًا معقولًا للعدمية يكمن في داخلها، فقد رأى أن العدمية بعد أن تنهال بمطرقتها الفلسفية على القيم القديمة، سوف تؤدي إلى خروج الـ”سوبرمان” الذي سوف يتجاوز هذه القيم ولكن دون الاستسلام لمتاهة العدمية، بل سيعمل على إنتاج منظومة جديدة تعتنق الحياة ولا تتخلّى عنها. المشكلة في هذه النظرة أنها تبدو خيالية بعض الشيء ونموذج الـ”سوبرمان” يبدو نموذجًا مثاليًا لا يمكن تواجده في الواقع.

في رأيي أن الحل يجب أن يبدأ بالإدراك وهذا يعيدنا إلى السؤال الذي هو عنوان المقال: “هل أنت عدمي أم أصولي؟” تكمن أهمية هذا السؤال في أن الإنسان العدمي أو الأصولي لا يدرك في أغلب الأحيان أنه عدمي أو أصولي، بل هو يضع نفسه تحت تصنيفات أخرى، فعلى سبيل المثال العدمي قد يصنف نفسه على أنه “مثقف” أو “عالم” أو “متنور”، كما قد يصنف الأصولي نفسه على أنه “متدين” أو “وطني” أو “أخلاقي”، فهذه التصنيفات لا تحمل الإيحاء السلبي الذي يحمله تصنيف “عدمي” أو”أصولي”. من هنا تأتي خطورة خطوة الإدراك لأن التعريف الصحيح للمشكلة هو أول الطريق لحلها. قد يعترض البعض على هذا السؤال الذي يقسم الناس بطريقة حادة إلى قسمين فقط ولكن بناءً على ما ناقشناه في هذا المقال من الانتشار الطاغي لهذين التيارين نجد أن إنسان اليوم هو إما عدمي أو أصولي أو في طريقه للانضمام إلى إحدى الناديين.

بعد خطوة الإدراك يأتي الإحلال بأن يتم إنتاج منظومات عقائدية جديدة تحل محل القديمة وتعيد للإنسان قيمته وهويته. هذا كان اقتراح نيتشه بالفعل ولكن اختلافي معه هو أني أرى أن هذا الإحلال كي يكون واقعيًا يجب أن يحدث دون الهدم الكامل للمنظومات القديمة بل عن طريق إدخال التعديلات عليها كي تلائم العصر مع إبقائها مرنة بما يكفي لتحمّل التغيير دون أن تنهار.

ليست هذه بالمهمة السهلة كما قد يبدو للبعض بل هي مهمة بالغة الصعوبة، فأية محاولة لإجراء أية تعديلات على منظومة ما من قبل هذا الإنسان الوسطي سوف تجد مدافع الأصوليين أمامها رافضة تمامًا أي تغيير، بالإضافة إلى مدافع العدميين الذين سوف يصرّون على عدم جدوى هذه المحاولات الفارغة.

لكن لا يملك هذا الإنسان إلّا أن يستمر في محاولاته وأن يقاوم هذين التيارين العاتيين وإلّا أصبح مصيره الانقراض.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

1- كتاب "إرادة القوة" لفريدريك نيتشه.
2- كتاب "هكذا تكلم زرادشت" لفريدريك نيتشه.
3- كتاب "الحداثة وما بعد الحداثة" لد. عبد الوهاب المسيري.
4- كتاب " Between Relativism and Fundamentalism: Religious Resources for a Middle position" لبيتر لودويج برجر.
5- كتاب " This Incredible Need to Believe" لجوليا كريستيفا.
6- الإنسان والشيء
7- A History of Fundamentalism
عرض التعليقات
تحميل المزيد