هل في الخيميائي الصغير كتاب حكمة عظيم أم هو خلطة سيئة للجيل الجديد؟

يمكن أن تُصنف الرواية ضمن كتابات التنمية البشرية المتوسطة أو ربما الضعيفة والتي هي عبارة عن مجموعة من العبارات الرنانة والحكم المبتورة الفاقدة لأهم ركن لها وهو الواقعية بحيث لا تعطي لك خطوات عملية للوصول الي مطلوب بل تعتمد على النصائح الجافة والمعلبة بأن عليك تحقيق حلمك والوصول إلى هدفك وأن عليك فعل كذا وأن… وأن… على غرار منشورات وسائل التواصل الاجتماعي المليئة بالعبارات القادمة من عالم فانتازيا الخيالي.

اطلعت على تعليقات الشباب العربي على الرواية وجدت الكثير منهم يبدي إعجابه بأن كاتبًا غربيًا ليس بمسلم يكتب رواية تدور معظم أحداثها في البلاد العربية وأنه تكلم عن الإسلام وعن مكة وعن شعيرة الحج بنفس متسامحة وأنه سمى امرأة الصحراء التي تعلق بها الراعى فاطمة وقال إن المسلمين يحبون هذا الاسم لأنه اسم لإحدى بنات الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم).

وأنا هنا لا أختلف معهم بأن باولو ألف روايته بنفس متسامحة مع الجميع أيا كانت ديانته أو ملته ولو كان حتى بلا دين ولا ملة، ولكن جوهر الاختلاف يتجلى في الصورة التي عرض بها ثقافة تلك البلاد فهو لم يظهر غير ثقافة الصحراء والحروب وقطاع الطرق واللصوص والعَالِم الوحيد العربي الذي ظهر في الرواية عالم في الخيمياء والزندقة الفلسفية ومقولته «إن المحرم هو ما يخرج من الفم لا ما يدخل فيه» التي قالها حين تعجب منه الراعي لأنه يشرب النبيذ وهو محرم في الإسلام فشهد بزندقته وإن كانت شخصيته وهمية بالطبع.

كتبت إحدى الصحف البلغارية: «الخيميائي كتاب ضخم ومثير يعالج قضايا خطيرة بأسلوب ذكي وبسيط»، يمكن أن نقول أن اللفظة الوحيدة الصحيحة في هذه الجملة هي «قضايا خطيرة» فكويلو تطرق في روايته إلى قضايا خطيرة مثل تفسير أسباب الوجود ومسائل القدر وحقيقة الاعتقاد وبدلاً من أن يعالج تلك القضايا زادها تعقيدًا وتيهًا وغموضًا، فهو قال بنفسه عن روايته «أردت أن أفسر أسباب الوجود فبدلًا من أن أكتب أطروحة في الموضوع قمت بمحادثة الطفل الموجود في داخلي فأردت أن أشارك قرائي الأسئلة التي لغياب الأجوبة عنها تجعل الحياة مغامرة فريدة من نوعها»، فيا ليته ما تساءل ولا أجاب، فبدلاً من أن يقدم للعالم أجوبة صحيحة عن تلك الأسئلة التي لغياب أجوبتها يعيش العالم الآن حياة البؤس والشقاء واليأس زاد الأمر تعقيدًا بطلاسم الفلاسفة من وحدة الوجود وروح العالم وحجر الفلاسفة وإكسير الحياة والإنجاز العظيم وغيرها من الطلاسم وأيضاً بخرافات المتصوفة من حلول الإله واتحاده مع جميع خلقه ففعل كالمستجير من الرمضاء بالنار، حيث يأخذ القارئ البائس التائه ليحلق به إلى الفضاء ظنًا منه أنه سيجد ضالته وينكشف الحجاب عن أسباب بؤسه وأنه قاب قوسين أو أدنى من الوصول إلى الحقيقة المطلقة ثم يتركه معلقًا في الفضاء حيث انعدام الجاذبية التي تجعله ثابتًا على أرض الواقعية والانفجارات الكونية والشهب الحارقة التي تصهر صلابة اعتقاده وربما سقط أحدهم في ثقب أسود فيفقد نفسه إلى الأبد بلارجعة.

وأصابت لوفيغارو الفرنسية حين تساءلت: هل في الخيميائي الصغير كتاب حكمة عظيم أم هو خلطة سيئة للجيل الجديد؟‏ ما عنونت مجلة باري ماتش حديثها عنها بالقول: لقد حوّل كتاب الخيميائي القراء إلى قطعان غنم!

وأخيرًا فعلى حد تقييمي أن تلك الأرقام الخيالية التى حققتها تلك الرواية السطحية والمشوهة وكم المديح الهائل المبالغ فيه والذي ليس له أدنى مبرر يعكس حالة الضياع والتيه التي وصلت إليها البشرية، كما يعكس أيضًا حاجة الإنسانية الضرورية لمن يدلها ويرشدها إلى بيان حقيقة الوجود والغاية من تلك الحياة الصاخبة والخاطفة والمخيفة حيث ينظر ذلك البائس إلى كل شيء في ذلك الكون من أجرام سماوية ومسوخ بشرية واحتياجات نفسية داخلية وكأنها تتربص به وتتآمر عليه وتريد أن تفتك به مع ضعف نفسه و عجز أقرب الناس إليه عن تقديم يد العون له، فيحتاج إلى من يدله على أن كل تلك المخلوقات بما فيها الوحوش هي مملوكة لإله واحد لا تتحرك ولا تسكن إلا بأمره ولا تخطر خاطرة ولا تهب نسمة ريح ولا ترتفع حبة رمل إلا بإذنه وحكمته وعلمه ولا تقع مصيبة ولا ترتفع حادثة إلا بقدره، فتهدأ نفسه وتسكن أناته ويستريح عقله ويستنشق الهواء بعمق فينشرح صدره بعد أن ضاق مخاطبًا كل شيء في هذا الكون أني قد تصالحت مع كل ذرة فيك وما عدت أخاف أو أقلق من أي شيء فمالكنا واحد هو المتصرف في كل شيء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد