يعتبر الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير واحدًا من أكثر الروائيين شهرة في تاريخ الأدب العالمي. فلوبير الذي يعد من رواد التيار الواقعي في الأدب الفرنسي، صنع لاسمه شهرة واسعة بفضل أسلوبه القوي في تصوير الطبيعة البشرية بكل تجرد وواقعية. هذا الأسلوب ظهر جليًا في أشهر أعماله مدام بوفاري، سالامبو، والتربية العاطفية.
إن فلوبير، موضوع هذا المقال، ليس فقط فلوبير الذي كتب «مدام بوفاري» وأعقبها بـ«سالامبو»، وإنما أساسًا فلوبير المستشرق الذي تجول في شوارع القاهرة، جلس على ضفاف النيل، والذي سُمي، كواحد منّا، «أبو شنب»!

حياته المبكرة

ولد جوستاف فلوبير في مدينة روان سنة 1821 لعائلة بورجوازية من الطبقة الغنية، درس القانون في مرحلة مبكرة من حياته بناءً على رغبة والده لكنه ما لبث أن تخلى عن دراسة القانون وتفرغ للأدب، خاصةً بعدما تدهورت صحته بشكل كبير بسبب مرض عصبي أثر على قدرته الحركية. آمن فلوبير في أيام شبابه بالتيار الرومانسي وتأثر به مبديًا معارضةً للقيم البورجوازية منتصرًا بذلك للقيم الكونية التي تعلي من شأن الآداب والفنون. على إثر المرض الذي اشتد عليه، كانت نصيحة والد فلوبير  لابنه الشاب حينها أن يتفرغ للأسفار الطويلة على أمل أن يتجاوز المرض وأن ينعش روحه بالغربة والاكتشاف، وذاك فعلًا ما حدث.

كان والد فلوبير طبيبًا جراحًا وكان فلوبير مقربًا منه. عندما توفي والده في يناير سنة 1846 دخل جوستاف في أزمة نفسية حادة تضاعفت بعدما توفيت أخته بعد ذلك بشهرين فقطـ؛ هذه الصدمات النفسية بالإضافة إلى تدهور حالته الصحية سيقودان فلوبير رفقة أمه إلى مدينة كرواسي التي سيقضي فيها بقية عمره حتى وفاته سنة 1880.

السفر نحو الشرق

بعد سنوات طويلة من الفضول والانتظار، سافر فلوبير في نوفمبر سنة 1849 نحو الشرق رفقة صديقه الكاتب مكسيم دو كوم في رحلة شملت مصر ولبنان وفلسطين وسوريا وتركيا.
بأحكام مسبقة نمطية، شغف لا متناهِِ، وعيون شاخصة، وصل فلوبير لميناء الإسكندرية. كان فلوبير في مهمة رسمية موفدًا من وزارة الزراعة الفرنسية بغرض تسجيل تقارير عن طرق الفلاحة وحصاد المحاصيل في مصر. لكن في الحقيقة لم يكن فلوبير مهتمًا سوى بأمر واحد ووحيد؛ تسجيل كل كبيرة وصغيرة عن هذا الشرق؛ الغريب، الغامض، المثير للإعجاب والاستغراب.

وصل فلوبير إلى مصر وهو كاتب هاوِِ في أواسط العشرينيات من عمره لم تنشر له بعد أي مؤلفات. بدأ رحلته مع صديقه مكسيم من الإسكندرية في اتجاه الجنوب مرورًا بأهرامات الجيزة. كانت تلك أول مرة يشهد فيها فلوبير الجِمال والأهرام والصحراء. كان مزهوًا بكل تلك اللحظات التي كان يختبرها لأول مرة بعدما رسمها في مخيلته سنوات طوالًا، حتى إنه لم يفوِّت فرصة تأريخ أول لقاء له مع أرض مصر إذ قال:

إنه شعور فريد وروحاني أن تلامس قدميك أخيرًا أرض مصر.

استكشاف مصر وجغرافيتها سيقود فلوبير إلى مدن عديدة أبرزها القاهرة، الإسكندرية، المنيا وأسيوط. فلوبير أعجب بالمصريين لكنه بقي دائمًا، كأغلب المستشرقين حينها، محافظًا على تلك النظرة الدونية لكل ما هو شرقي. التقى فلوبير بعدد من المسؤولين بصفته الدبلوماسية موفدًا للدولة الفرنسية، وفي إحدى الليالي عندما كان فلوبير رفقة سليمان باشا حاكم مصر، لمح سيدة فائقة الجمال أغرم بها فلوبير حد الهوس. إنها الراقصة كوتشوك هانم.

كانت كوتشوك هانم راقصة إغراء قيل إنها مملوكة لسليمان باشا، أغرم بها فلوبير ووصفها بالتدقيق في رسائله التي كان يخطها من مصر إلى أصدقائه في فرنسا. في إحدى الرسائل لصديقه الشاعر لويس بويي ادعى فلوبير أنه طارح كوتشوك هانم الغرام مرارًا وأنها كانت تستحق كل لحظة أنفقها معها، وفي سياق آخر يصف فلوبير رقصة إباحية تسمى رقصة النحلة كانت تجيدها كوتشوك هانم إذ تؤدي هذه الأخيرة دور نحلة تلسع فلوبير بكل إثارة وغواية.

صور فلوبير، مكتسبًا نظرات والده الإكلينيكية الثاقبة، واقع الحياة المصرية خلال القرن التاسع عشر بشكل دقيق، لكن ما يعاب على هذا التصوير الذي سجله فلوبير في مذكرات نشرت بعد عودته إلى فرنسا، أنه تعامل مع هذه الحياة المصرية وشخوصها من «الغَلابة» بنوع كبير من الاستعلاء والاحتقار، ربما أيقن فلوبير أن كونه رجلًا، أوروبيًا، أشقر، ثريًا ومن دولة لها ماضٍ استعماري في مصر سيعطيه السطوة الكافية لكي يقزم الآخرين ويلبسهم جلباب التخلف. يقول فلوبير
عن مصر ما يلي:

إنه بلد مضحك. بالأمس وبينما كنا في واحد من أرقى مقاهي القاهرة، كان معنا حمار ينهق ورجل يتبول في الزاوية. لم يستنكر أحد ذلك، لم يجد أحد ذلك غريبًا.

ليواصل فلوبير كلامه النمطي عن الشرق وهذه المرة عن المرأة الشرقية إذ يقول ما يلي:

المرأة الشرقية لا تعدو شيئًا سوى ماكينة جنس، فهي لا تفرق بين رجل وآخر.

استشراق فلوبير في الميزان

كتابات فلوبير وتجربته مع الشرق تطرق لها بالنقد المفكر إدوارد سعيد في كتابه الشهير «الاستشراق». سعيد أكد أن كل ما قاله فلوبير يمكن فهمه إذا ما اعتبرنا حقيقة أنه نابع من دافع أيديولوجي محض مبرزًا أن أغلب المستشرقين الغربيين وقتها كانوا عملاء نشطين في السياسات الكولونيالية لدولهم وسعوا جاهدين إلى تبرير هذه السياسات. إدوارد تطرق أيضًا للعلاقة التي جمعت فلوبير بكوتشوك هانم إذ يقول:

هي لم تتكلم عن نفسها أبدًا، لم تعبر عن مشاعرها، حضورها أو تاريخها. هو، أي فلوبير، من تحدث باسمها ومثلها.

ليطرح بعدها إداورد سعيد السؤال عن الارتباط الدائم بين الشرق والجنس في المخيلة الغربية؛ قائلًا إن هذا الربط غير المفهوم لا يستند على أي أساس أو حجة وأن ما يحز في النفس هو أن فلوبير ليس أول من يقيم هذا الربط ولا أكثر من بالغ فيه.

ختامًا، إنها مجددًا الفكرة الماركسية «لا يمكنهم تمثيل أنفسهم، يجب أن يتم تمثيلهم» التي حكمت علاقة فلوبير بالشرق. فلوبير الذي اختار عنوان روايته «مدام بوفاري» وهو على ضفاف النيل، الذي نجح في إضفاء لمسة واقعية على شخوص وثيمات رواياته بفضل ما عايشه من أحداث في الشرق ومصر خاصة، الذي زار الشرق وهو كاتب مغمور ليعود إلى فرنسا مسلحًا بمذكرات صنعت له اسمًا أدبيًا، تنكر لكل ذلك واختصر الشرق في كونه البلاد التي يفعل فيها ما يحلو له.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

Brown, Frederick. Flaubert: A biography. Harvard university press, 2007. Page 234
Said, Edward W. Orientalism. New York: Pantheon Books, 1978.Page 6.
Said, Edward W. Orientalism. New York: Pantheon Books, 1978.Page 113.
عرض التعليقات
تحميل المزيد