هل منيت الثورة بالهزيمة؟ سؤال بات يظهر في عيون الناس، وإن لم تنطقه الألسنة، ويظهر بدلًا منه سؤال: لماذا لا تصطف كل القوى الثورية؟ وهذا سؤال يجرنا إلى منطقة رخوة من الاجتهادات الفكرية، التي غالبا ما تخص محبي التنظير، ولا تخص السواد الأعظم من المؤمنين بالثورة، القابضين على جمر حراكها.

وأنا هنا لا أسعى لتخوين أي أحد، سواء من الداخل أو الخارج، ولا أسعى إلى الانحياز إلى فصيل دون فصيل، ولن أبدأ في طرح الأسئلة، من قبيل: هل يستوعب الفصيل الثوري الأكبر باقي فصائل الثوار معه؟ وكثير من هذه الأسئلة، التي لا نخرج منها بشيء يفيدنا، وكأننا لم نتعلم خلال الخمس سنوات الماضية من عمر الثورة، أن الفصيل الأكبر لن ينجح بدون باقي الفصائل، وأن الفصائل كلها لن تنجح، إلا بالالتحام بباقي الشعب، وهذا ما حدث في 25 يناير، وظلت الثورة المضادة، في فترة حكم المجلس العسكري، تعمل على الاحتراب الداخلي بين قوى الثورة، وفي فترة حكم الرئيس «مرسي» عملت على أن يكره الشعب كله الثورة، وكل ما يمت لها بصلة، وجعلت المصريين يخرجون من هذا كله بسؤال، ما الذي جنيناه من الثورة الأولى لنقوم بثورة أخرى، وانشغلنا نحن بالرد على هذا السؤال بالإجابات الضخمة، من قبيل: أننا كنا وقت حكم الثورة نعيش بحرية ، ومصر تتمتع بسيادة على أرضها، وتمتلك استقلالية اتخاذ القرار، وهذا أمور لا تهم كثيرًا من سواد الشعب المصري، حيث إنه لا توجد خصومة بينه وبين النظام، ويرد عليك البعض بسخرية: إنه ليس ضيفًا دائمًا على شاشات الفضائيات، فلا يحتاج لحرية الرأي. ويرد عليك آخر: بأنه لا يعمل وزير خارجية؛ لتشغله مسألة استقلالية اتخاذ القرار، وغير هذا من المناقشات، التي تأخذ فكرة الثورة من صراع  الشعب مع مغتصبي السلطة، إلى تحقيق «التغيير والحرية والعدالة الاجتماعية»، (شعارات اليوم الأول في ثورة يناير المباركة)، إلى صراع الشعب مع فصائل الثورة؛ لأنهم يمنعون عنه العيش والحرية والكرامة الإنسانية (الشعارات التي تم تزيفها في نهاية ثورة يناير؛ لتجعل الثوار يبدون، وكأنهم مجموعة من الجائعين)، ويقول لك كل ما فعلته الثورة هي أنها جعلت ناس يركبون، بدلًا من أُناس آخرين، ونحن لم  يصلنا شيء من (هبرة) الحكم، ولسان حاله، لو أن الثورة من أولياء الله الصالحين،  فلتشملنا ببعض كراماتهما، والآن أرى رأي العين، أنهم نجحوا في خفض سقف الأماني والأحلام، عند سواد الشعب المصري، ليقتصر على فكرة (العيش)، أحد الشعارات المزيفة في ثورة يناير، وصار الرد الجاهز لكل من تحدثه عن الثورة، أن يقول لك «ولم الخروج في مظاهرات؟ ألا تأخذ الخبز وإسطوانات الغاز ونصيبك من سلع التموين بكل كرامة!»، وكأنه صارت الكرامة هي فقط، أن يتفضلوا عليك بالحصول على أساسيات الحياة، ولأني أحد فقراء هذا الوطن، أقول «إن علينا جميعا أن نبدأ من هنا! (وأقصد بالجميع هنا، كل طبقات الثورة، من إعلام، وتنظيمات سياسية،  سواء في الداخل أو الخارج، وائتلافات، وبالأخص التيار الاسلامي)؛ لنوضح لسواد هذا الشعب وفقرائه، أن ما حاز عليه من امتيازات من نتاج الثورة، كثير، أهمه: امتياز المعرفة؛ فلقد صار لكل فرد الحق في معرفة مقدار ما استهلكه من الخبز في خلال الشهر، وكم وزن الرغيف؟ وصارت السيدات تراجع بائع الخبز في حصصهن، وما تبقى منها خلال الشهر، وما يتبع ذلك من تحويل إلى مواد تموينية، يجب علينا أن نوضح لسواد هذا الشعب، حقيقة أنه أصبح يشتري خبزه بمنتهى الكرامة من أي مكان، ويستطيع أن يضع عينه في عين صاحب المخبز بمنتهى الكرامة، ألم تكن الكرامة أحد شعارات الثورة، يجب علينا أن نوضح للناس أن الانقلاب يعتدي على حريتهم في باقي نواحي الحياة، كيف أنهم يسرقون حقهم في المياه والكهرباء والطرق والتعليم، يجب أن نصل لكل تفاصيل الحياة اليومية ونناقشها، حتى تتحول الثورة إلى فعل يومي يمارسه الناس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد