رانيا مصطفى

91

رانيا مصطفىرانيا مصطفى

91

منذ عامين كتبت مقالًا بعنوان (ترى هل كانت يناير ثورة؟). في المقال فندت لم شككت في أمرها منذ بداية التظاهرات التي ما كان يعجز نظام مبارك عن القضاء عليها، مرورًا بأحداث الثورة ذاتها وما فيها من كر وفر حيث كان بوسع الجيش فض ميدانها أكثر من مرة ولكنه لم يفعل، ثم قتل المتظاهرين غير المبرر بعد آخر خطاب لمبارك؛ إلى أن تنحى وفوض الجيش.

كان رأيي وما زال أن ثورة يناير على عظمها ما كانت إلا انقلاب جيش على رئيسه مستخدمًا غطاءً شعبيًا كما فعل من قبل مع ملكه فاروق. أراد فصيل معتبر من الجيش بمعاونة عربية وأجنبية أن ينهي مرحلة قديمة في تاريخه وتاريخ مصر كلها. فالقيادة المصرية قبل الثورة غير مناسبة للمرحلة المقبلة بالمنطقة، هذه القيادة ستمثل عائقًا وعقبة كؤودًا في وجه طوفان التغيير نحو شرق أوسط جديد أعلنت عنه كونداليزا رايس وزيرة خارجية أمريكا عام 2006 في تل أبيب، جاء هذا الإعلان تأكيدًا لخريطة طريق عسكرية أنجلو-أمريكية-إسرائيلية تعمل على خلق قوس من عدم الاستقرار والفوضى والعنف، ينطلق من لبنان إلى فلسطين وسوريا والعراق والخليج العربي وإيران وحتى حدود أفغانستان التي تحتلها قوات حلف شمال الأطلسي. وبالطبع لا يمكن أن تنفذ خطة كهذه دون وضع حجر خيانة في مصر يمكن الاعتماد عليه فيما هو آت.

نتجاهل دائمًا حقائق تظهر خوفًا من «التخوين»، كلقاء بعض قيادات حركة 6 أبريل (شرارة الثورة) بوزيرة الخارجية الأمريكية وشكرها لمعاونة بلادها لهم في تأسيس حركتهم 2004 – 2005 ثم يعاتبها على خذلانها لهم بعد أن بدأت الأمور تتحرك وقد زج بعضهم إلى السجون فعللت ذلك أنهم كانوا يحاولون منح المصريين حقوقًا تساعدهم على انتزاع حريتهم وأعطت مثالًا أن 50% من المساعدات الأمريكية تم منحها لتعزيز الديمقراطية لمجموعات ليست مسجلة لدى الحكومة المصرية واعتبرت أن ذلك كان صفعة على وجه الحكومة المصرية.

يمكن أن نتحرر قليلًا من مفهوم التخوين، وننظر للأمر من زاوية حسن النوايا، على أفضل تقدير، فهؤلاء الشباب الأبريليون هم نتاج غراس الغزو الغربي لعقولنا وبيوتنا، فصارت دول الغرب قبلتهم التي يرون فيها منتهى الآمال، وربما ظنوا أنها قد ترعى حلمًا حقيقيًا بالحرية، ولخفة قراءاتهم في تاريخ بلادهم أو لقراءاتهم لمن يخط بيد خبيثة، تخلوا عن نظرية المؤامرة الغربية وحصروها في بني جلدتهم ممن أسموهم «إسلاميون». إن الحقيقة أن هؤلاء الشباب أشعلوا جذوة الاحتجاج في يناير، ولم يحلموا أن تتحول إلى ثورة، فشعاراتهم كانت (عيش – حرية – عدالة اجتماعية)، ثم انضم إليهم الإخوان المسلمون ومن ثم قطاع عريض من الشعب بعد موقعة الجمل المفتعلة. ولكن ما لا يمكن تجاهله هو أن مصر بفضل تلك الثورة دخلت في قوس فوضى الشرق الأوسط الجديد.

من يعُد بالتاريخ إلى الوراء يفهم أن الثورات لا تخرج عن كونها صراعات بين قوى عظمى على المستعمرات، فبعد نهاية الحرب العالمية الثانية تراجعت القارة الأوروبية كقوة استعمارية حل محلها قطبان جديدان هما الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي، وظهرت حركات التحرر في العالم والتي كانت الولايات المتحدة بؤرتها، ثم ظهرت بصمات أصابع الاتحاد السوفيتي في حركات الاستقلال التي بدأت في مصر على يد جمال عبد الناصر وانتشرت في المنطقة بأسرها. ليتنازع القطبان في معركة مستمرة بين جذب وشد.

مثال على ذلك ثورة أوكرانيا 2014، التي تم فيها تعزيز الحركات التحررية هناك لتقوم بثورة وبالفعل وقف الناس بالميدان واعتصموا، وما كان الأمر إلا عملية ضغط من قبل أوروبا العجوز على الدب الروسي ليتراجع، ومثال آخر ليس ببعيد، احتجاجات إيران؛ تم فيها تعزيز الحركات التحررية التي استغلت حجة الظروف الاقتصادية لتشعل تظاهرات أملًا في ثورة، وما كان الأمر إلا محاولة أمريكية لتقويض ذراع روسيا في المنطقة.

إن خروج شعوب العالم الإسلامي في ثورات من أجل عدل وحرية ومساواة لوهم صدرته دول العالم الأول التي قامت على ثورات دموية لا تصلح أن تستنسخ لدى الشعوب المسلمة وهي تعلم ذلك حق العلم، ليتحول الأمر إلى صراع وفوضى وملعب ممهد تعيث فيه هذه الدول فسادًا لتحصل على مغانم ما كانت لتحصل عليها في الأوضاع الطبيعية.

هكذا هي الثورات، وهكذا هي السياسة، أدرك أن هذا الاتجاه في الفكر يمثل صدمة لدى أنصار الثورة، ولهم كل العذر؛ فمن نزلوا الشوارع ليواجهوا الرصاص بصدور عارية غير عابئين بجبروت الظالمين يحق لهم أن يرفضوا تلك الفكرة، ولكن إن ظللنا هكذا نرفض مواجهة أسوأ مخاوفنا فلن نصل إلى أي مكان!

أذكر أنني شاهدت برنامجًا وثائقيًا على قناة الجزيرة، يتحدث عن أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وأثناء الحوار، طرح المذيع على الضيوف فكرة أن يكون الجيش والحكومة الأمريكية هم من قاموا بتلك التفجيرات. فقال أحدهم إنه لا يستطيع أن يتصور أن يكون أمر كهذا حقيقة، ولسان حاله يقول إن كان ذلك حقيقيًا فالموت أفضل.

أعلم أن التخلي عن أفكار سلمنا بها إلى أن صارت معتقدات لأمر مخيف، مرعب، يزلزل الروح. أن يكون جيشك الذي تركن إليه ليحميك خائنك! قاتلك! أن تفاجأ أن الأقاصيص حول الشرف والبطولة والمهابة التي تباهى بها محض وهم! أن حربًا عظيمة كأكتوبر هللت لها وجبرت بها ما انسحق فيك كانت خطة! وأنك وأبطالها وشهداءها غرر بكم! فكنتم أداة لتحقيق سلام زائف أفضى لتطبيع وبالتالي لخيانات مكشوفة يتوقح مرتكبوها وينادون بها ويفخرون! أن تقوم وصناديد وأطهار بثورة جبارة سلمية في أجمل صورها ثم يرعبك ما اختفى خلفها من قبح وقيح ليخرج لك من وراء شاشة عرضها اللامعة مسوخ، مصاصو دماء لا يشبعون!

ما يدفعني اليوم لإعادة الكلام عن هذه النقطة، أن هؤلاء الذين ينعتون من يتمسكون بشرعية الرئيس المختطف المنتخب بالجنون، ويؤكدون أن الحل هو العودة إلى مربع يناير، لا يريدون أن يواجهوا أنفسهم بحقيقة أن يناير لن تعود لأنها جزء من مخطط قد انتهى، لا يريدون أن يعترفوا أن انقلابًا أتوا به استطاع محوها وتشويهها بحيث لم يعد لها أثر على أرض الواقع، وإن أنصفوا لتمسكوا ببقاياها متمثلة في رئيس هو ما بقي من مكتسباتها، ولكن لسان حالهم يقول نموت وتموت مصر ولا أن ينصب رجل محسوب على الإسلاميين رئيسًا.

إن أهم خطوة في طريق علاج المرض أن تقف على تشخيص سليم له. وإلا فستدور في دائرة مفرغة لن تفضي بك إلا لمزيد من الحيرة والقرارات الخاطئة وربما الموت. بلى، دفعونا نحو ثورة وخرجنا، وكان التغيير، وللأسى والأسف دفعونا بذات الأدوات لانقلاب شوه وجه مصر وأظهر أسوأ ما فيها ومن فيها، ولكن تظل يناير كأكتوبر ذكرى غالية، نحتت في القلوب عميقًا سطورًا من عزة وكرامة لن تنمحي، تمخضت بعد ألم عن أول نظام شرعي، أبرزت رجالًا ثبتوا وقالوا كلمة الحق، ومن بعدها جاءت رابعة لتجلي وجهها وتمحو ما علق بها من شوائب الخيانة، فتحت العيون على معان لم تدر بالخلد يومًا، وأيقظتنا من سبات طويل. إن الثورة الحقيقية وإن فضوها في ميدان التحرير أو أحرقوها في ميدان رابعة، فستظل مشكاتها تضيء ميادين العقول والقلوب، رحم الله من شاركوا فيها أحياءً وأمواتًا، من خرجوا إليها لا يبتغون إلا فضلًا من الله ورضوانًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

  • خطط اعادة رسم الشرق الأوسط

  • كونداليزا رايس ترد على سؤال عضو بحركة

تعليقات الفيسبوك