هو الوحيد الذي حصل على جائزتين في مهرجان برلين السينمائي، منها جائزة أفضل سيناريو عن أفضل حكاية سياسية، وحصل الممثل الدنماركي مايكل بول فيتزكارد على جائزة أحسن ممثل عن دوره في الفيلم. ويجسد ميكل بول فيتزكارد شخصية الملك كريستيان السابع الغريب الأطوار المقسم بين شخصيتين، واحدة قاسية ومختلة عقليا والثانية متحررة وتحمل أفكارًا متقدمة سابقة لعصره، وكان مؤمنًا بأفكار التنوير، وخاض صراعات شديدة هو وطبيبه الخاص ضد طبقة الأمراء والإقطاعيين والكنيسة لفرض هذه الإصلاحات. ويركز الفيلم على قصة حقيقية حدثت في بلاط القصر الملكي الدنماركي خلال الربع الأخير من القرن الثامن عشر، وتدور حول العلاقة الغرامية التي نشأت بين ملكة الدنمارك الشابة والطبيب الألماني ستروينسي، الذي كان معالجًا ومستشارًا لزوجها الملك.

مشاهد الفيلم وقصته الإشكالية تجعله فيلما ملهما يستحق المشاهدة لعدة مرات.

فهو علاوة على الحرفية العالية والجمالية المدهشة في مشاهده، فهو أيضا تناول في سياق غير مباشر كثيرا من قضايا واقعنا ولكن بمنظور وأحداث ذلك الزمان وهو القرن الثامن عشر تشكل معينا لا ينضب من الإيحاءات الفكرية والاجتماعية التي تنصب على واقعنا اليوم.

كانت الدول الأوروبية عامة والدنمارك خاصة تمر بفترة من التحولات الفكرية والاجتماعية والدينية التي بلغت ذروتها لتصل إلى ما يقارب نقطة الغليان؛ حيث كانت كتب مفكري الثورة الفرنسية مثل فولتير وجان جاك روسو التي تدعو لتحرر الإنسان والثورة على الظلم والطغيان وكسر قوانين العبودية الظالمة والقوالب الاجتماعية والدينية الجامدة، كانت كتبهما يتم تداولها في السر وتمنع دخولها السلطات الحاكمة في الدنمارك.

الكتب كانت أول ما سألت عنه تلك الفتاة التي قدر لها أن تصبح ملكة في سن السادسة عشرة، عندما دخلت القصر الملكي لملك الدنمارك لأول مرة، حيث سألت وصيفتها عن كتبها، لتجيبها بأن هناك كتبا من كتبها الخاصة لم يسمح لها بالدخول إلى الدنمارك وخصوصا إلى قصر الملك التي صادف أن تصبح زوجته دون أن تراه.

تلك اللقطة في الفيلم تحمل دلالات عدة تتجلى لاحقا: تلك الفتاة العذبة الراقية وعلى صغر سنها كان أكثر ما يشغل فكرها هو كتبها، كتب عصر التنوير التي لم يسمح بدخولها إلى القصر المفترض أن يكون منزلها الجديد؛ ليعطيك هذا الانطباع أنها ستدخل حقبة مظلمة من حياتها بعيدا عن ذلك الفكر الذي آمنت به.

حاولت الملكة الجديدة أن تدفع إلى تطبيق فكر عصر التنوير في البلاد بعد أن وجدت حليفا يجتمع معها على نفس الغاية، وهو الطبيب ذو الفكر المتنور الذي استحوذ على ثقة الملك المطلقة ولكن الدولة العميقة التي تصر على بقاء أوضاع الاستغلال والظلم على حالها لتتمكن من حماية مصالحها، قامت بثورة مضادة على تلك الثورة الإنسانية العادلة التي تحاول الملكة الجديدة القيام بها بمعونة طبيب الملك.

تلك الأفكار عن الثورة والعدالة وحرية الإنسان التي حملتها الملكة الشابة في رأسها الصغير، والتي حاربها كل البلاط وهاجمها وجعلها تدفع ثمنها هي ومن وقف معها من قتل ونفي، كان أن أزهرت في الجيل الجديد الذي أنجبته هي وأثمرت به بذور تلك الأفكار التحررية.

تلك الفتاة الجميلة الرقيقة البريئة كنسمة من نسمات الربيع، كان عليها أن تواجه أقدارا قاسية على صعد متعددة اجتماعية وفكرية. فهي لم تتمتع بذلك الامتياز الذي يمكنها من اختيار زوجها على أساس التوافق الفكري والوجداني والروحي فهي حين تقابل الملك للمرة الأولى تتفاجأ بأن زوج المستقبل شخص مضطرب غير متوازن ولا يمتلك أيا من المقومات ليكون ملكا، والأهم من هذا كله أنه لم يجمعها به أي نوع من أنواع الحب أو الانجذاب.

حين تدخل الملكة الشابة البلاط الملكي يدهش النبلاء بجمالها ورقي ذوقها وفنها، وهي تعزف البيانو آنذاك يوبخها زوجها بشدة، فلا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون أحد أبرز من الملك ولو كانت الملكة.

تعيش الملكة الجديدة حياة وظيفية خالية من العاطفة والتوافق مهمتها فيها فقط أن تكون أم ولي العهد، إلى أن يحدث ذلك الحدث الذي يقلب حياتها رأسا على عقب.

حين يدخل طبيب الملك حياتها للمرة الأولى، فتكتشف أن في مكتبته وراء الصفوف الأولى تلك الكتب التي أحبتها ولم تستطع إدخالها إلى القصر، فتدهش من قدرته على فعل ذلك وتأخذ كتابا منها لتقرأه ويصادف أن يكون لـ(جان جاك روسو) أحد كبار مفكري الثورة الفرنسية؛ ومن هنا يبدأ الانجذاب بينهما، والشرارة كانت الكتاب: كتب الثورة على وجه التحديد.

ينتقل بنا الفيلم إلى مشهد واضح الدلالة بتأثيره على مجريات ما سيفعلانه لاحقا: فحين كانت الملكة وطبيب الملك يتنزهان في الحقول على حصانيهما: إذا بهما يريان رجلا مقتولا ومصلوبا بجوار قطعة أحد الحقول وبجانبه امرأة تنوح! ذهلت الملكة لما شاهدته، وتساءلت ما الذي فعله هذا المسكين ليفعل به هذا العقاب الشنيع؟ فأجابها الدكتور سترونسي: أن الملك وكذلك أمراء البلاد يحق لهم أن يفعلوا ما يشاؤون بعبيد الأرض عند مخالفة أي أمر أو حتى عندما يكونون في مكان لا يجب أن يكونوا فيه.

تتجلى أصداء هذا الموقف لاحقا في ما يفعله سترونسي الطبيب من إقناع للملك بأن يقف في وجه المجلس الذي كان الحاكم الفعلي للبلاد، والذي يرفض انضمام الطبيب إليه، ويقوم الملك الذي كان مختلا غير متوازن قبل قدوم الطبيب بالتحول إلى شخص شجاع قادر على اتخاذ قرارات كبيرة.

ويحل المجلس وتتركز السلطات بيده وبيد طبيبه سترونسي الذي أصبح بمثابة ملك.

في هذه المرحلة تبدأ التغييرات الكبيرة على القوانين، ويفسح المجال لحريات أكبر، لم يكن الشعب جاهزا لها بعد لأنه حديث عهد بالاستبداد، وهذا ما يدفع الأمور إلى التعقيد.

ولكن ما يسير بالقصة إلى التعقيد الأكبر هو تطور العلاقة بين الطبيب والملكة والتي ما تلبث أن تتسرب إلى العلن، ليلعب على وترها المجلس المعزول ويحاول القيام بثورة مضادة تطالب برأس الطبيب سترونسي. يشعر الطبيب والملكة بدنو النهاية فيودعها بعينيه وداعا يكون فعلا الوداع الأخير: في مشهد مؤثر لا يمكن إلا أن تشعر بمدى صدقه وألمه.

ويكون ما خشيا منه: ينجح المجلس بالضغط على الملك ليوقع مرسوم القبض على صديقه الطبيب ومعاونه وزوجته الملكة. تنجح الثورة المضادة في اعتقاله وتعذيبه ثم بالكذب على الملك؛ بإصدار قرار إعدام اتفق معهم الملك على أن يصدر العفو عنه لاحقا قبل التنفيذ.

تكتمل حلقة المؤامرة على التغيير في مشهد مأساوي تم فيه خداع الملك وتنفيذ حكم الإعدام دون أن يعرف حتى لا يقوم بالعفو عن طبيبه. وحين يتم وضع رأس الطبيب الشاب المتحرر سترونسي على المقصلة، بوجهه الوسيم الذي يقطر ألما وحزنا وكبرياء رغم هول اللحظة، تتراءى أمام عينيه صورة معشوقته الملكة، ذلك العشق المحرم للحب وللحرية الذي أودى به إلى المقصلة.

تصرخ الملكة في منفاها وتنهار بعد سماعها نبأ الإعدام، ولكنها تصر على أن تكمل الرسالة التي بدأتها هي والإنسان الوحيد الذي وجدت معها إرضاء لشغفها بالحب وبالحرية. قررت الملكة أن تكتب قصة كل ما حدث معها وما فعلته وما أرادت أن تفعله للدنمارك، وأحلامها مع الطبيب بأن تدخل بلادها الدنمارك عصر الثورات والحريات.
كتبت كل ذلك في رسالة مطولة جدا لابنها وابنتها اللذين بقيا في جوار الملك بعيدا عن أمهما. تقوم الوصيفة بإيصال تلك الرسالة إلى الأمير والأميرة اللذين أصبحا يافعين جميلين جدا، ويحملان الكثير من صفات أمهما الرائعة وأهمها الشغف بالحرية.

يجلس الأمير والأميرة على ضفاف أحد الأنهار ليقرأا قصة حلم أمهما ومعاناتها؛ ثم يقرران بعد مرور السنوات أنه قد آن الأوان لتحقيق حلم أمهما وحلم الطبيب سترونسي الذين قدما حياتهما من أجل وطن أفضل رغم ما وقعا فيه من أخطاء. تلك البذور التي غرساها في أرض الدنمارك قد أثمرت على يد أبنائهما.

يقوم الأمير الشاب ابن الملكة وبمعاونة أبيه الملك بثورة حقيقية على القوانين الجائرة التي كانت تصادر الحريات في البلاد، و تحد من حقوق الإنسان: ليدخلا الدنمارك عصر التنوير والثورات الأوروبية.

وهكذا تنتصر أحلام الشعوب بالحرية والعدل مهما طالت السنون وطالت المعاناة، ولو نجحت الثورات المضادة حقبة من الزمن، ولكن التغيير حتمي وقادم وكل ما تفعله الدولة العميقة هو محاولة تأخيره.

ويبقى هؤلاء الرواد: الأبطال الشاعريون الذين لا يهمهم أن يروا النصر بأعينهم، كل ما يهمهم أن يمضوا في طريق آمنوا به ودفعوا في سبيله أرواحهم رخيصة، علها تنير لشعوبهم طريق الحرية والعدالة و العيش الإنساني الكريم؛ وهذا هو ما تفعله حقيقة في نهاية المطاف؛ فلا شيء في هذا العالم يذهب هباء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد