تحاول روسيا بكل ما أوتيت من عسكرة دبلوماسية وسياسية أن تقيم حفلة رقص سياسي شعبي في صالة سوتشي الرياضية وهذه المرة للرقص السياسي إن جاز التعبير، تدعو خلالها كل من يرغب بالحضور من أصحاب الدبكة الشعبية المؤهلين فنيًّا لإعادة تدوير نظام الأسد وتقديمه بشكل مزركش على أنه البطل الذي أنقذ سوريا من براثن الإرهاب، على أن يكون التدوير مختلفًا بالشكل فقط، مع الاحتفاظ بالمضمون التسلطي الذي عرف به النظام على مدى خمسين عامًا حقبته وحقبة سابقه الأب.

الخارجية الروسية وعلى لسان المبعوث الروسي إلى مباحثات أستانا ألكسندر لافرينتيف، بعد ساعات قليلة على انفضاض الجولة الثامنة من أستانا، أعلن عن أن كل من سيحضر مؤتمر سوتشي المقبل في 29-30 يناير (كانون الثاني) المقبل، عليه أن «يتحلى بتطلعات إيجابية» وعدم وضع ما سماه «شروطًا مسبقة»، والتخلي عمليًا عن شرط مناقشة مصير الأسد في المباحثات المقبلة.

ولعل مؤتمرًا بهذه الكثافة العددية على صعيد المؤتمرين، الذين سيكون جلهم من الداخل السوري، المؤهلين والمعدين مسبقًا من قبل النظام ليكونوا معارضة داخلية تكون داعمًا ومؤسسًا لحقبته الجديدة، والذين سيحاولون بحشدهم الكبير، قطع الماء والهواء عن بعض حسني النية من المعارضة السورية، الذين سيحضرون المؤتمر ظنًا منهم أن بحضورهم حفلة «سوتشي» يقدمون خدمة جليلة للثورة السورية، وهذه الكثافة العددية هي أشبه بالتحشيد الذي كانت تعمل عليه أجهزة مخابرات الأسد، آنذاك عندما يكون هناك ثمة استحقاق للنظام يستوجب دعمه بالمصفقاتية والمهللاتية الذين ينادون بحياة القائد الملهم إلى الأبد.

هذه الدربكة الروسية التي تؤديها الدبلوماسية الروسية، استباقًا «لسوتشي»، ما هي إلا عملية التفاف رخيصة ومبتذلة على مقررات مؤتمر جنيف، التي وافقت عليها روسيا ذاتها، والمتمثلة بقرار: «لا دور للأسد في مستقبل سوريا». فضلًا عن ذلك تريد أيضًا روسيا أن تخلع قفازات جنودها الملوثة بدماء السوريين الأبرياء، وتظهر نفسها كمن يحمل بيده غصن زيتون، وباليد الثانية حمامة سلام، وأن تخلق من نفسها دولة راعية للسلام، في الوقت الذي كانت فيه وما زالت دولة شريكة في الحرب الدائرة في سوريا ومتهمة من قبل المعارضة في تصفية ما يقارب أكثر من نصف مليون سوري جراء السلاح الفتاك الذي كانت تمطره مقاتلاتها وراجماتها على رؤوس الشعب السوري.

ولأن مؤتمر «سوتشي» يسعى إلى تدوير النظام كنفاية قابلة للاستخدام من جديد، هذا الأمر استلزم الخارجية الروسية أن تعبئ وتحشد له ما استطاعت من قوة دبلوماسية، حتى وصل الأمرـ وفق ما أشيع – أن عدد الحضور سيصل إلى ألفي شخص، وهذه سابقة لم تحدث لا في العصر القديم ولا حتى المعاصر، والمؤتمر بهذا الزخم العددي أشبه ما يكون بالعرس البلدي وفق وصف الإعلامي السوري مضر حماد الأسعد الذي قال: «إن مؤتمر «سوتشي» أشبه بالزفة الشعبية أو العرس البلدي الذي يقام في الشارع، ويكون متاحًا لمن يريد حضوره دون إلزامه ببطاقة دعوة».

ويتساءل الكثير من مناوئي النظام السوري عن كيفية القبول بدولة داعمة لقوات الأسد وشريك رئيس في الحرب على سوريا مع ايران، قي قتل مئات الآلاف من السوريين، في أن تلعب دور القاتل والحكم بآن واحد، مؤكدين أن نجاح قوات الأسد في تحويل دفة الحرب المستمرة منذ أكثر من سبعة أعوام ما كان ليتم لولا «الدعم الجوي الذي تلقته من روسيا».

بقي أن نقول إن هذه الزفة الشعبية، ما هي إلا مسمار يدق في نعش المعارضة الرسمية السورية، التي يعاب عليها أنها إلى اليوم لم تتوحد، ولم تعمل، إلا وفق ما أرادته القوى المعادية للثورة السورية، وهذه التصرفات لم تجر بالتنسيق مع أنداد الثورة بقدر ما كانت تجري نتيجة الغباء السياسي، والتنافس الفصائلي، والمال السياسي الذي أدى إلى احتراب وتشاكل بعضهم مع بعض فيمن يحصل على غنيمة أكثر من غيره.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد