لا ترى الإدارة الأمريكية في الوقت الحالي، أن فكرة إنشاء مناطق آمنة في سوريا متاحة التطبيق، حيث عدة مسؤولين في الإدارة الأمريكية أبدوا عدم استجابتهم لتطبيق ذلك، مع أن ساحة الصراع في سوريا باتت على ما يبدو بحاجة ملحة لإنشاء مناطق مثل هذه، تؤمن حياة المدنيين وتوفر وصول المساعدات الإنسانية هذا من طرف.

من طرف آخر تتطلع تركيا حليف واشنطن إلى إمكانية إقناع إدارة أوباما بالمنطقة الآمنة، لكن الأخيرة ترى أن إستراتيجية أمريكا المتبعة حاليًا في سوريا لا تتيح لها ذلك، لكن بذات الوقت قد يقلل ذلك من الثقة بين أمريكا وحلفائها. ويبدو أن الإدارة الأمريكية تتخوف من أن مثل هذه المناطق يمكن أن تستغل لحساب طرف من أطراف الصراع دون الآخر، كما أن حمايتها قد يتطلب تدخلًا بريًا، أو فرض حظر جوي، وتلك الخيارات ليست مدرجة حاليًا بحسابات إدارة أوباما بالتعامل مع الأزمة السورية.

لكن إذا نظرنا عن كثب في علاقة واشنطن مع حلفائها الأتراك والسعوديين، نستطيع ملاحظة بعض النقاط التي يمكن أن تستند إليها الإدارة الأمريكية في تعزيز ثقة حلفائها خصوصًا تركيا، وأيضًا إنشاء منطقة آمنة بدون التعارض مع إستراتيجيتها الحالية.

في وقت سابق شكلت السعودية التحالف الإسلامي لمكافحة الإرهاب ودخلت تركيا في هذا الحلف، وأعلن الأمير محمد بن سلمان أن التحالف الإسلامي سينسق عمله مع «الدول المهمة في العالم والمنظمات الدولية»، وعقب ذلك إعلان المملكة استعدادها لنشر قوات برية على الأرض في سوريا لمكافحة التطرف، لكن هذا التدخل سيكون مقيدًا بقرار يصدر عن التحالف الدولي بقيادة واشنطن يحدد ماهية وتوقيت إدخال تلك القوات. وقد رحبت الولايات المتحدة بالخطوة السعودية، وقامت الأخيرة بإقامة مناورات رعد الشمال العسكرية على أراضيها بمشاركة عدة دول ومنها تركيا. وهذا ما قد يوضح أن السعودية إذا اتجهت نحو الدخول بقواتها إلى سوريا، فإنها لن تتدخل بشكل منفرد إنما تحت مظلة التحالف الإسلامي وأيضًا التحالف الدولي. ويعود التوجه السياسي السعودي السابق إلى سعيها نحو إعادة صياغة العلاقات العربية والإسلامية مع المخاطر التي تهدد المنطقة، وعلى رأسها – بالنسبة للمملكة – خطر التمدد الإيراني وكذلك الإرهاب، حيث إن تدخل القوات البرية السعودية في سوريا، سيتيح لها تقويض النفوذ الإيراني هناك، وكذلك الحد من تمدد الإرهابيين على الأرض، وسوف يتيح لها دورًا فاعلًا بشكل أكبر وغير مباشر في دعم المعارضة السورية، إذا ما تم نشر القوات البرية السعودية في مناطق تواجد المعارضة السورية المسلحة.

وبالنسبة لأنقرة فإن مطلب إنشاء المنطقة الآمنة كان من أولياتها في سياستها تجاه الأزمة السورية، لكنها لاقت ترددًا واضحًا من قبل الولايات المتحدة إزاء تحقيق ذلك، واضطرت أنقرة إلى أن تعلن عن نيتها في إنشاء منطقة آمنة بدون مشاركة التحالف الدولي أو الناتو في إقامتها، لكنها لم تحقق الأهداف التي كانت ترجوها منها، وواجهت العقبات خصوصًا بعد تمدد القوات الكردية في الشمال السوري بمساندة الطيران الروسي في المنطقة التي أعلنتها تركيا على أنها ستكون منطقة آمنة. ولا تزال الحكومة التركية تشعر أن الأخطار المحدقة بأمنها القومي في تصاعد، خصوصًا من احتمال تمدد القوات الكردية لتستطيع أن تصل مناطق إدارتها الذاتية بين غرب نهر الفرات ومدينة عفرين في الشمال السوري، في حين يشكل خطر تنظيم الدولة الإسلامية أيضًا قلقًا لدى تركيا، ومع تزايد هذا القلق قد تتدنى ثقة الحكومة التركية بحليفتها الولايات المتحدة.

بالعودة إلى علاقة واشنطن بحلفائها، ومدى ثقتهم بها، تستطيع أمريكا تعزيزها، إذا أبدت استعدادها عبر التحالف الدولي، دعم التدخل السعودي البري لكن ليس بشكل منفرد، إنما بمشاركة قوات تركية وقوات دولية أخرى تتبع للتحالف الإسلامي وفي المناطق التي تتبع للمعارضة السورية؛ بغية التصدي لتنامي نفوذ تنظيم الدولة الإسلامية تحديدًا. فإن ذلك سيحقق النقاط التالية وفق الإستراتيجية الأمريكية الحالية:

1- سيسمح التدخل البري لتلك القوات، بمواجهة تنظيم الدولة بشكل مباشر وأكثر فعالية، دون أن تزج الولايات المتحدة بقواتها، وسوف يتيح ذلك لواشنطن إدارة عمل القوات البرية من خلال التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب والذي تقوده أساسًا.

2- إن تدخل أي قوات برية في سوريا، سيحقق عمليًا على الأرض مناطق آمنة، وذلك بشرط أن يتم تنسيق إدخالها مع روسيا بحيث لا يتم استهداف نقاط وجود القوات، وأن تتوصل واشنطن لضمانات من قبل موسكو تقضي بأن لا يحاول النظام السوري شن أي عمليات برية أو جوية في تلك المناطق التي ستكون مكانًا لوجود القوات البرية. كما أن الاتفاق الذي تم بين واشنطن وموسكو في بداية الغارات التي تشنها الأخيرة في سوريا، والذي اقتضى عدم حدوث أي تعارض بين عمليات التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب والعمليات الروسية، قد يمهد للولايات المتحدة الاتفاق مع موسكو على عدم اعتراض عمل القوات البرية التي ستدخل بغطاء من التحالف الدولي. إذا تحقق ذلك ستكون نقاط وجود القوات البرية مناطق آمنة للسكان بحيث لن يطالها القصف أو العمليات العسكرية من قبل النظام السوري. أما الأكراد فإن أمريكا تعتبرهم شركاء على الأرض في الحرب على الإرهاب، بالتالي فلن يحدث تضارب في مهمة القوات البرية مع القوات الكردية.

3- تستطيع الولايات المتحدة، تحقيق مطالب الحكومة التركية، حيث إذا تم تدخل قوات برية في الشمال السوري، فإن ذلك سيمنع القوات الكردية من احتمال وصل مناطق إدارتهم الذاتية، وسيحد أيضًا من حدوث أي اختراق جوي من قبل الطائرات الروسية للأجواء التركية، ما يمنع تكرار حادثة إسقاط الطائرة الروسية، التي أدت إلى توتر العلاقات بين البلدين. كما أن الحكومة التركية أعلنت عن جاهزيتها لإدخال جيشها إلى الأراضي السورية في وقت سابق، أي أن المشاركة التركية مع القوات السعودية وغيرها في سوريا لن يكون إلا ضمن اعتبارات أنقرة في حماية أمنها القومي، وبهذا تكون الولايات المتحدة قد أبدت استجابة عملية للمطالب التركية وهو ما يعزز الثقة المتبادلة في العلاقات بين البلدين.

4- سوف يكون قرار إدخال القوات البرية ومنها السعودية إلى سوريا، عامل طمأنة لعلاقات المملكة بواشنطن، حيث إن ذلك سيتيح للأولى تقويض النفوذ الإيراني وحزب الله في سوريا –كما تم ذكره– وسيتيح للرياض لعب دور أكثر فعالية في القضايا التي تخص الشرق الأوسط عربيًا وإسلاميًا. من جانب آخر سيضفي التدخل السعودي في سوريا، نوعًا من الحماية لمناطق وجود قوات المعارضة، وهو ما تسعى إليه الرياض في موقفها الداعم للمعارضة على حساب النظام السوري.

بالمحصلة فإن الحرب على الإرهاب وخصوصًا بشكلها الذي يأخذ شكل حرب العصابات، فيعتمد وفق ما ذكره وزير الخارجية الأمريكي الأسبق «هنري كيسنجر» في كتابه «الدبلوماسية من الحرب الباردة إلى يومنا هذا»، يعتمد على إستراتيجية «إقامة أمن كامل لكفاية من السكان، بحيث لا تتناظر مكاسب العصابات مع البقية، مع إنشاء قاعدة سياسية محكمة». وهذا سيتحقق لواشنطن إذا استطاعت إنشاء مناطق آمنة للسكان – بالشكل الذي ذكرناه – إضافة لدفع العملية السياسية في سوريا، وتحفيز أطراف الصراع السوري لإنشاء حكومة تقود البلاد.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سوريا, واشنطن
عرض التعليقات
تحميل المزيد