بعدما أثبت الشعب الجزائري أنه روح واحدة نابضة باسم الوطن، وأنه شعب لا يكل ولا يمل حتى يستعيد سيادته وشخصيته، هو مُصرٌّ على ألا يركع أو يخضع حتى يتولد عن هذا المخاض دولة مدنية ديمقراطية، يكون فيها هو البطل والقائد الأول، رغم عمل جهات مجهولة على إجهاض ثورته من خلال عدة محاولات، كالدعوة إلى حصر حراكه باسم واحد يقوده، فإنه تفوّق مجددًا في امتحانه، وصهرت كل الإيديولوجيات والتوجهات، وأصبحت كل مطالبه دفينة تحت شعار واحد «يتنحاو قاع» ليعلو صداه كل جمعة منذ الـ22 من شهر فبراير (شباط) الفارط، لندخل بعدها في منعرج جد حاسم، يستلزم فيه من الشعب المواصلة في الكفاح دون خضوع أو رجوع، وذلك بعد استدعاء قائد الأركان نائب وزير الدفاع الوطني القايد صالح للهيئة الناخبة في سبتمبر (أيلول)، ومحاولة فرض الانتخابات فرضًا في قوله «أحب من أحب وكره من كره».

وهنا يكون قد أجبر الشعب الجزائري على سلطة الأمر الواقع، وبالتالي فرض هذه الرئاسيات بالقوة وعلى حسب المقاس، وذلك بالذهاب إليها على وجه السرعة وبالوجوه نفسها بحجة سد الفراغ وتجاوز الانسداد، في أجواء مشحونة معتمدين على سياسة التخويف والتخوين في موجة من التضييق على الحريات الفردية، وحملات قمع واعتقال واسعة وممنهجة، طالت مناضلي الحراك الشعبي يندى لها الجبين، وعلى الأرجح أنه لن يسلم منها حتى الناشطون في مواقع التواصل الاجتماعي، أو الإعلام، وحتى أبناء الشعب الذين يعترضون بطريقة سلمية وحضارية جميلة، في مشهد إفراغ الشارع من جل رموزه تحت مبدأ فرق تسد، مما آل به الأمر إلى وقوع الشعب في الخطاب العنصري المملوء بكل أشكال العنف والصراع الصبياني، جعل من الذين جمعتهم طينة فبراير ينقسمون في مفترق طرق تشعبت شوارعه إلى فيالق ذات آراء متباينة، وضعتنا في موقف حرج، مخيرين بين معاداة الانتخابات في صورتها الحالية، بحجة أنه من غير الأصح التوجه إلى الصندوق في الوقت الراهن، إلى غاية سقوط بقايا رموز النظام السابق كاملة.

كما أنه لا يصح إجراؤها دون ضمانات كافية تفرز لنا رئيسًا يعبر عن الإرادة الشعبية، ويعيد للسلطة هيبتها ومكانتها عند الشعب، وبهذا تصبح في نظرهم «زوّافًا» أو «مبرعًا»، أو مطبلًا لفرنسا أو عميلًا لها؛ لأنك ضد الانتخابات، وبالتالي أنت ضد قائد الأركان، وهو ما يجعلهم يرون أنك ضد المؤسسة العسكرية، أما الفيلق الثاني هو من يتمسك بالانتخابات بحجة الخوف على الوطن وإنقاذه من الضياع بمن يتربصون به داخل الرقعة الجغرافية وخارجها، وهو بالتالي يصبح مهللًا أو «شيات» وآخر «رونجاس»، وفي الغالب يعدونهم ممن يُكِنّون الولاء لنائب وزير الدفاع، وبالتالي هم يرافقون المؤسسة العسكرية، أما الكتلة الثالثة هي من تمسك العصا من الوسط بمعنى الحياد والوقوف في منتصف الطريق، وبهذه المحطات الثلاثة يكتمل مشهد الانقسام والانفصال الذي سعى له الكثير، لكن في حقيقة الامر فإنه لا يمكن في قضايا الحق والباطل أن تمسك العصا من الوسط؛ لأن القوة تكون في الطرفين، ختر لك طرفًا ترتاح له يدك، ولكنه من غير الصائب لشخص عاقل أن يكون ضد الانتخابات مبدأ؛ فهذا شيء محتوم ولا بد منه، ولكن من باب الحكمة أيضًا ألا تكون مع انتخابات تسعى فيها السلطة الحاكمة على استخدامها وسيلة لإعادة إنتاج الرداءة والفساد، ونشر كل شرور النظام السابق من خلال بذور ضارة لا تصلح لتكون سيدة المرحلة القادمة، إن المعركة معركة الشعب؛ فالوطنية ليست حكرًا على أحد، صحيح أنه لا بد لنا من انتخابات نزيهة، لكن في بيئة خصبة، بعيدًا عن كل هذا التصعيد، والضغط، والغليان، والحدة، والاحتقان، تعيد للشعب سيادته، وتنهي كل أنواع الوصاية.

إن المر في كل هذه الكلمات أن الحراك قد سُرق، والأمّر من ذلك أننا جميعًا نعي جيدًا ذلك، لقد سرق غد ليس لنا، كما سُرقَ منا يومنا هذا، أيها الشعب العظيم عليك أن تنتصر لوطنك، لا بد لك من الصمود والالتزام بنص الحراك الشعبي بسلميته ووحدته، هيا نؤسس لمسار العقل والحكمة وتغليب مصلحة الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، فقد ضيعنا أعوامًا وأعوامًا في معارك هامشية، كان دومًا نتاجها تنصيب دمية من صنع السلطة الفعلية.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد