منذ نحو ثلاثين عامًا يا صديقي كانت بلادنا أكثر استقرارًا وانتظامًا مما هي عليه الآن؛ وكنا في مدينة شبه جنوبية نحيا في ظل أهل وعائلة كبيرة، وكانت مستوجبات الآلام أقل حدة وأرق نفيرًا؛ وكنتُ أطالع صفحة وجهك النبيل الذي كنتُ أطالع فيه بقايا من لمسات أبي في الحياة بعد رحيله؛ كنتُ أطالع محياك الرقيق آناء الليل وأطراف النهار؛ نتقاسم الأوقات مثلما نمضغ اللقمة في فكين ويبلعها لسان واحد في جوفين؛ ورغم ذلك اشتكيتُ أنك تبدو وحيدًا بعيدًا عني بخاصة حينما أستسلم للنوم في غرفتي بمفردي، ورغم ذلك كنتُ أستشعر أنفاسًا معي تقاسمني هواءها.

ودارت الأيام دورة.. قل اثنتين أو ثلاثة أو أكثر، فصارت لنا بيوتًا منفصلة؛ وأهلًا أشد التصاقًا، وفي المقابل فقدنا أناسًا كان محيطنا الاجتماعي، وبلادنا عبر أحداث ومفارقات أقرب للمقاومة؛ ولكنك كما أني لا نكاد نصدق مجريات الأحداث وانفلاتها على هذا النحو المحير؛ فمن محاولات ضبط بوصلة الحياة إلى انفلات البوصلة دفعة واحدة وانفجارها في وجوهنا؛ ولسنا بالذي يعرف كيفية انفجارها على النحو الدقيق الآن؛ أهي ولا بد كانت منفجرة؟ كما يُجمع أكثر المحيطين بنا، أم أننا زدنا جزئياتها وحبيباتها تفاعلًا حتى عرفت طريقها لمسام أعلى أجسادنا.

وفي التيه والعراء صار كلانا، أيا صديق، الآن يقف، نراجع حساباتنا مرات؛ وندقق فيما حولنا غير مصدقين أننا صرنا إلى هذا المآل والنحو والاتجاه رغم سابق حرصنا وحساباتنا؛ كنا نميل إلى أولئك الذين يعدون العدة ويحسبونها جيدًا لكي لا يصطدموا بالآخرين؛ ففوجئنا بأننا في قلب الصدام يقوم أحدنا من منامه فيسأل نفسه:

ـ أهؤلاء فعلوا ذلك؟!

ثم يعاود النوم المتقطع إلى ما شاء الله تعالى.

قلب كان يفتقدك قبل المتاهة، أيا حبيب، أزداد افتقادًا لك لما ترنح فمال إلى ناصية من نواصي الذكريات يقتات منها؛ فيما واصلت كفاحك نحو النور على نحو أكثر عملية.

أجلس مساءً وصباحًا أغزل خيوط النور مناديًا الغد كي يقترب، فيما تروح يمينك تدعوه، وكلانا يعرف ويفهم جيدًا أن نداءاتنا ليست بالتي تقربه؛ وإنما علينا النداء وعلى الله أن يسمع الغد والأمس، الحاضر والمقبل أصواتنا لعل نعمه تزداد اقترابًا.

كنا وما زلنا نراهن على الخير في قلوب الآخرين، ولم نكن نعرف أو نعلم أن الآنية المملوءة بالخير قد يحجب غطاءها عنا بعض ضوئها وكثيرًا من ردائها وألقها؛ وأن أغطية الآنية قد تكون جرعة من مخاوف أو بعض من قبضة حاكم ظالم، تجعلنا في واد والذين أردنا تحريرهم في واد آخر، ويطول علينا، أيا رفيق المسير، ويتجاوز درب الآلام حدوده حتى لنبقى نسائل أنفسنا:

ـ أهذا هو الطريق بالفعل؟

وأولئك الذين تقزم بعضهم في متاهات خاصة نفعية.. أهم الرفاق؟

والذين ابتعدوا عنا خطوات بحجم بلاد أهولاء كانوا بالفعل حراسًا وأكثر من أصدقاء؟

عندما يأتي الطوفان تجد أشخاصًا أكثر شراسة من المجرمين، هؤلاء كانوا أقرب إلينا من الدرب ثم استهوتهم لعاعة وقطرة ضئيلة من خير تحت الأقدام فباعوا ما كان في الأمس يقدسون؛ هؤلاء ينتفخون حتى ليسيؤوا إلى كثير من الفضلاء ظلوا كما عهدناهم.

صديقي ما أردتُ قوله الآن لك أننا في قلب الظلمة نحب دائمًا ضوء الشمعة ولو كان قليلًا، شريطة ألا نفتقد الضوء مهما حدث، وفي خضم ما حدث وجدتني أفتقد الضوء أحيانًا بافتقادك إلى جواري يا حبيب.

صارت الحياة متاهة لكلينا، أيا رقيق، وصرنا نبحث عن لحظة وهدة وراحة في متاهة متنامية الأطراف، واجدك في قلب الطريق تحاول ولا تتجاوز ركنك وثغرك مدافعًا، ما استطعت عنه.

تذكر، أيا قريب، أني إلى جوارك؛ إن لم استطع أن أكون الأقرب إليك في ركنك فإنما ذاك لمسارات في الحياة اقتضت وسلمت بأن يستلم كل منا طريقًا؛ ولكن في جوف الطريق وفي قلبه نحن نعرف أننا على لقاء دائم بمحبة ورغبة وإخاء.

صديقي لا نريد التخفف من تبعات الحياة بقربنا من بعضينا، فلا سبيل إلى ذلك مهما حيينا، ولكننا نريد أن نكون ظلًا لبعضنا في الطريق، أملًا في أن يستقيم بنا الطريق ويمتد حتى ليسمح لأحلامنا بأن تطل من خلف رؤوسنا.

صديقي لا عيب فيك ولا لبس ولا تقصير؛ ولكني أردتك دائمًا الأقرب وأشعر أن الأحداث الآن تأثيرها أقرب على أخيك لذلك فكرتُ في تنبيهك إلى الاحتفاظ بمسافة القرب في خصم المشاغل والآلام والاحزان والأفراح المنتظرة.

هنأت بك الأيام وبدورك في الحياة وهنأ بك صديقك وتمنى لو استطاع مقاربة خطوك على الدرب.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات