فيلم الدراما والكوميديا السوداء، الفيلم الفلسفي صاحب الرسالة الذي يبقيك متيقظًا حائرًا طوال ساعتين، لإلا ربع. متقدم قوائم النقاد لعام 2009، بل الألفية كما كان له مكان في قائمة الـBBC لأفضل مائة فيلم في القرن الـ21 التي أعدها 177 ناقد.

مراجعة الفيلم

بماذا تبدأ فيلمك؟ هذا السؤال يؤرق كل صناع الأفلام، الأخوان «كوين» يبدآنه بهذه العبارة «تقبل ببساطة كل شيء يحدث لك». تلك الجملة التي فيها حل لغز الفيلم، بل حل لغز الحياة.

يلحقان تلك الجملة بمشهد افتتاحي عجيب، لا يختلف أبدًا عن الجملة التي سبقته، ولا عن الفيلم الذي يليه، المشهد الافتتاحي هو الأول من نوعه؛ حيث إنه خارج زمان، ومكان، وإطار، بل حتى لغة الفيلم.

المشهد العبقري الأول: باختصار، رجل يهودي كباقي أغلب شخصيات الفيلم، تتعطل عربته؛ فيساعده شخص ما يصدف أنه من أقرباء زوجته، فيدعوه إلى منزله، ويذهب ليخبر زوجته، ولكن زوجته تخبره بأن سالف الذكر قد مات منذ 3 سنوات، وأنه لابد من كونه ديبوك «شيطان!»، يدخل الرجل، فتطعنه الزوجة بسكين في صدره، ويخرج من المنزل وينتهي المشهد. ما الذي حدث للتو؟ تقبله ببساطة.

«لاري غوبنيك» بطل فيلمنا، رجل مثالي متزوج، وله ابن وبنت، له بيت، صاحب وظيفة محترمة «مدرس فيزياء» يتقنها، ليس له مشاكل مادية، بل إنه على وشك الحصول على ترقية، رجل يحترم الدين، ويمارس شعائره، ليس له مشاكل صحية أو نفسية أو زوجية، ليس له أعداء، بل حتى إنه يأوي ابن عمه العاطل إلى أجل غير مسمى بصدر رحب.

«المصائب لا تأتي فرادى»، يحاول أحد طلابه الذين رسبوا في الامتحان رشوته؛ مما سيجعله يخسر منحته؛ أبو الطالب لاحقًا يخبر المعلم أنه سيقاضيه للتشهير بابنه، وأن الحادثة ما هي إلا «تصادم ثقافي»، زوجته تطلب منه الطلاق؛ لتتزوج صديق العائلة منذ 15 عامًا، وتخبره زوجته وصديقها أن عليه أن يرحل عن المنزل؛ ليقيم في نزل؛ ليتزوجا هما فيه، وتطلب وثيقة رسمية للطلاق. ابن عمه يقامر ويرتكب اللواط «ما كان مخالفًا حينذاك»؛ مما يرغمه على تكليف محام جنائي سيكلفه الكثير من الأموال، نزاع على الملكية مع جاره؛ مما يجعله يكلف محاميًا يكلفه أموالًا أيضًا، حادث سيارة، ابنه يطلب تسجيلات موسيقية غالية دون علمه، يعلم لاري أن علاقته بولديه غير جيدة؛ حيث إنهما لا يمارسان أي نشاطات مع بعضهما البعض على خلاف جاره، لاحقًا حبيب زوجته يموت، ويجد نفسه مرغمًا على تحمل تكاليف جنازته!

الأمر لم يعد يحتمل، حتى أحلامه الليلية أمست كوابيس.

لاري لا يعلم لماذا يحدث له هذا؟ ماذا ارتكب؟ لا يوجد تفسير منطقي لذلك، إذن سنذهب إلى ما وراء المنطق، إلى الدين، سيذهب لاري ليقابل رجال الرب؛ ليعلم ما يجب عليه فعله.

يذهب لاري ليقابل الحاخام الأصغر، يخبره بأن ما عليه إلا أن يغير وجهة نظره للأشياء، وبعض الأشياء المبتذلة، ويعزي لاري ذلك إلى قلة خبرة الحاخام الصغير.

المشهد العبقري الثاني: لاحقًا يقابل لاري الحاخام الأكبر الذي يخبره بقصة مشوقةً هي الحل لمشكلته، عن طبيب أسنان يهودي وجد نقشًا عبريًا على أحد أسنان مرضاه غير اليهوديين مكتوب فيه «ساعدني»، يبحث الطبيب في التوراة و«الكابالا» و«الزوهار»، بل حتى إنه يحول الحروف العبرية لأرقام؛ ليجد رقم هاتف يتصل به، فإذ به محل بقالة يقود الطبيب في نصف الليل ساعة ونصف الساعة؛ ليجد الإجابة، ولكنه لا يجد شيئًا، فيذهب للحاخام ويسأله: ماذا افعل؟ أهي رسالة من الرب؟ أيجب علي أن أقوم أفعالي؟ أن أساعد الناس عمومًا؟… ينهي الحاخام القصة هنا فحسب. وعندما يتساءل لاري متعجبًا عن بقيتها! يخبره الحاخام «الأسنان؟ لا نعلم، رسالة من الرب؟ لا نعلم، مساعدة الآخرين؟ شيء جيد. «يتساءل لاري متعجبًا عما فعل طبيب الأسنان، يجيبه الحاخام «وماذا قد يفعل؟ بعد فترة جلس يبحث في أسنان مرضاه حتى توقف عن البحث، وأكمل حياته». «هذه الأسئلة التي تؤرقك يا لاري، إنها كوجع الأسنان، تؤلم لفترة، ثم تذهب بعيدًا»، ولكنني لا أريدها أن تذهب بعيدًا، أنا أريد إجابة»، «بالطبع كلنا نريد إجابة، ولكن الرب لا يريد منا ذلك»، «إذن، لماذا يجعلنا نتساءل!» «إنه لم يخبرني».

المشهد العبقري الثالث: يقف لاري وراء سبورة كبيرة طويلةً مليئة بالمعادلات الفيزيائية؛ ليخبر طلابه، وليجيب عن نفسه قائلًا: مبدأ عدم التأكد «الشك» يثبت أنه لا يمكننا حقًا أن نعلم ماذا يجري. يدق الجرس وينصرف الطلاب مسرعين.

المشهد العبقري الرابع: حفل «البار ميتزاه»، وهو حفل يهودي للولد إذا بلغ ثلاثة عشر عامًا، بمثابة تعميد، وقبول له بين بني إسرائيل.

ينتهي الفيلم بطبيب لاري يتصل به لضرورة حضوره عند الطبيب؛ ليخبره بنتيجة فحوصاته، وأنه لا يمكنه أن يخبره ذلك عبر الهاتف، وهو، غالبًا، أن لاري مصاب بمرض خطير، يغير لاري نتيجة الطالب الراسب لينجح، وهناك عاصفة قويةً في مدرسة ابنه، والطلاب متجهون إلى الملجأ، ولكن المعلم لا يمكنه فتح باب الملجأ.

الفيلم قصته ومغزاه عظيم، اختيار الممثلين لم يكن موفقًا من وجهة نظري، خصوصًا البطل، فلم تكن تعابير وجهه ملائمة للمواقف، وأرشح بدلًا منه «نيكولاس كيج»؛ فهو أبدع في دوره المشابه لهذا الدور في فيلم The Weather Man، و«خواكين فينيكس» مثلًا.

في مشهد البار ميتزاه يركز الأخوان كوين على وجه الولد، ويشوشان الصورة من حوله، ويحركان الكاميرا؛ ليخبرانا بارتباك الولد، و لكن هذا لم يكن ضروريًا؛ فذلك أسلوب مبتذل، كما استخدما الألون القاتمة في فيلم Inside Llewyn Davis لينقلا لنا حياته السوداوية والمتقلبة، وكانا في عوض عن ذلك.

الكوميديا جيدة جدًا، فمثلًا في نهاية الفيلم نجد عبارة «لا يهود تم إيذاؤهم أثناء عمل هذا الفيلم» على غرار ما يكتب عند إيذاء الحيوانات في الأفلام، ولاحظت أيضًا أن كثيرًا من الممثلين كانت أنوفهم كبيرة على غرار الشائعة التي تقول بأن اليهود أنوفهم كبيرة، حتى أن ابنة لاري كانت تريد عمل عملية تجميل في أنفها.

تحليل الفيلم

المشهد الافتتاحي: الرجل اليهودي الذي استقبل الشيطان، إن كان شيطانًا حقًا، هو كمثل لاري، وكمثل الناس الذين يشغلون أنفسهم بالتساؤل عن كيف، بدلًا من حل المشكلة، أما زوجته فهي كمثل طبيب الأسنان، قتلت الرجل وتخلصت من المشكلة، بدلًا من أن تجلس وتفكر.

الدين: يخبرنا الأخوان كوين أن الدين ليس وظيفته أن يقدم لنا إجابات، بل أن يبعدنا عن الأسئلة أصلًا، أن يريح عقولنا ونفوسنا، فكما قال الحاخام الأصغر للاري، كان عليه فقط أن يغير وجهة نظره إلى الأشياء، و كما أخبره الحاخام الآخر لاحقًا بقصة طبيب الأسنان، وما تلاها، أن عليه أن يبعد نفسه عن الأسئلة، وكما أخبر الحاخام الاكبر ابن لاري لاحقًا «عندما تجد أن الحقيقة أكاذيب، وكل الأمل فيك يموت، إذن ماذا؟»، ولا يكمل الحاخام الحديث، بل يتحول إلى الحديث عن فرقة موسيقيةً في إشارة إلى أنه لا توجد إجابة، استمع إلى الموسيقى، مارس هواية، و مارس شعائر الدين.. لا تتساءل كثيرًا.

أيضًا في مشهد حفل البار ميتزاه الذي وصفته بالعبقري دون توضيح، فهو عبقري؛ لأنه يرينا أن جمال الدين في شعائره التي توحدنا وتجعلنا مبتسمين وتمس أرواحنا، لا جماله في اللاهوت، والبحث عن الإجابات كما يعتقد الكثيرون.

في المشهد العبقري الثالث حيث يقف لاري وراء السبورة، ويخبر طلابه «لا يمكننا حقًا معرفة ما يحدث»، فتلك هي الإجابة.

أحيانًا كثيرة تواجهنا المشاكل، و نتساءل: ماذا فعلنا لتحدث لنا؟ ولماذا تحدث؟ وكيف تحدث؟ وماذا يجب علينا؟ فنرهق أنفسنا دون إجابة أو حل، ونضيع. فما ذنب من ماتوا في الحروب؟ وماذا كان يجب عليهم أن يفعلوا؟ لا ذنب لهم، ولا كان بأيديهم شيء. احيَ الحياة بلا تفكير كثير لآخر رمق، واستمتع! هذا ما أراد الآخوان أن يخبرانا به «تقبل ببساطة كل شيء يحدث لك».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

افلام, سينما, فن
عرض التعليقات
تحميل المزيد