طريق «السبايا»، هو مشروع كشفت عنه العتبة الحسينية في العراق قالت إنه يهدف لتقصي آثار مسير ركب «سبايا» آل البيت من منطقة «آسكي موصل إلى نصيبين» بعد واقعة الطف التي حدثت في كربلاء في العاشر من شهر محرم سنة 61 للهجرة، الموافق 12  أكتوبر (تشرين الأول) 680 للميلاد والتي استشهد فيها الحسين بن علي بن أبي طالب وبعض أهله وأصحابه على يد جماعة من الجيش الأموي الذين اعترضوا طريق الحسين ومن معه أثناء توجههم إلى الكوفة.

بحوث عدة تتبعت المدن التي يمر بها هذا الطريق وذكرت بعضًا منها، وهي مسجد الحنانة، وموقعه شمال شرق النجف، ومحافظة صلاح الدين، والموصل، ونصيبين، وهي مدينة في تركيا يفصلها عن مدينة قامشلي السورية خط الحدود فقط، وأيضا منطقة بالس – المسكنة وهي أولى بلدات الشام للطريق باتجاه الغرب، ومن ثم جبل جوشن وهو مرتفع صخري يقع غرب حلب، بعدها حماة، فحمص وبعلبك، وصولًا إلى دمشق وعسقلان.

يسأل البعض عن تصادف مرور هذا الطريق بمدنٍ ومحافظات كانت قد شهدت عمليات مقاومة شرسة ضد قوات الاحتلال الأمريكي للعراق، فضلًا عن مدن غرب سوريا التي كانت مركزًا لانطلاق شرارة الثورة ضد نظام حكم الأسد، لتغدو العديد من أقضيتها وبلداتها شبه خربات وبقايا أنقاض، بعد أن أصبحت ساحة لأكثر معارك العصر الحديث وحشية، كما هو الحال في الموصل وحلب، حيث تُظهر خرائط متداولة طبيعة مسار طريق «السبايا» وهو على شكل هلال أو حذوة حصان تطوق أبرز مناطق تمركز أهل السنة والجماعة غربي العراق وشرقي سوريا، والتي تعرضت وما زالت لعمليات تطهير طائفي ممنهجة واعتقالات عشوائية ضد سكانها تحت ذريعة مكافحة الإرهاب كما توثق ذلك منظمة «هيومن رايتس ووتش».

مراكز بحثية وحقوقية ومنها «مرصد أفاد» أكد أن خطة المشروع تتضمن بناء وتشييد مقامات ومزارات على طول طريق «السبايا» سيتولى الوقف الشيعي رسميًّا إدارتها، وبالتالي ستصادر عشرات آلاف الدونمات من الأراضي وفقًا لذلك لصالح المشروع «الديني المقدس»، تليها مرحلة توطين لمكونٍ مذهبي يحيط بهذه المزارات سيتطلب وجودًا وانتشارًا عسكريًّا مكثفًا لحمايتهم كما يجري الآن في مدينة سامراء التي تسيطر عليها ميليشيا السرايا التابعة لمقتدى الصدر بذريعة حماية مرقد العسكريين.

الكشف عن مشروع طريق «السبايا» جاء بالتزامن مع محاولات تمرير ما بات يطلق عليه باتفاق الوقفين السني والشيعي المثير للجدل، والذي جرى وفق توافق سياسي يبيح الاستيلاء على مساجد وعقارات تابعة للوقف السني، بحسب هيئات دينية كعلماء الأمة وهيئة علماء المسلمين في العراق، وهو ما اعتبر استمرارًا لعمليات التغيير الديموغرافي التي تهدف لإضعاف مناطق بعينها تقع ضمن الخط الذي تطمح إيران تأمين مساره، بدءًا من طهران وصولًا إلى شاطئ البحر المتوسط عند حليفها التقليدي حزب الله اللبناني، كما إن سيطرة الفصائل الولائية المرتبطة بالحشد الشعبي في العراق على المدن التي سيمر بها طريق «السبايا» عبر نفوذهم العسكري ومكاتبهم الاقتصادية كما هو الحال في نواحي بلد والكحيل وتلعفر وسنجار، كانت أسبابًا للتكهن بشأن إمكانية وقوف إيران خلف هذا المشروع الذي سيدر في النهاية عليها ملايين الدولارات من خلال السياحة الدينية، فضلًا عن الدفع باتجاه إطلاق يد فرقها التبشيرية العقائدية، ومحاولة خلق حاجزٍ بين أكثر قوتين سنيتين في المنطقة، وهما المملكة العربية السعودية وتركيا، ولعل ما كشفه تقرير وكالة رويترز الاستقصائي الذي نشر أواخر عام 2020 بشأن محاولات إيران تعزيز نفوذها في العراق عبر تطوير المزارات الشيعية لهو دليل على تلك المساعي الحثيثة لاستباق الزمن وانتهاز الفرصة في ظل وجود نظام سياسي هش في بغداد، حيث أكد التقرير أن قيادات في الحرس الثوري الإيراني هي من تشرف على تلك المشروعات، وأن الجناح الهندسي لشركة الـ«كوثر» المرتبطة بالمرشد الإيراني، علي خامنئي، هي من تنفذ، وهو ما دفع الخزانة الأمريكية لفرض عقوبات على هذه الشركة بعد أن استشعرت واشنطن حقيقة النوايا التي تقف خلفها أعمال المؤسسة في العراق عبر ما بات يعرف بالتحرك بالقوة الناعمة التي تنتهجها طهران.

محافظات العراق وسوريا التي يمكن تسميتها بالمنكوبة بسبب ما تعانيه من آثار الحرب المدمرة، لن يأتي طريق «السبايا» بالخير والإعمار، بل على العكس فإنه سيزيد من حجم التوترات وسيهدد السلم الأهلي والتوافق الاجتماعي بين طوائف ومكونات المجتمع على المدى البعيد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد