ربما تعارف أكثرنا على أن الحديث عن الأخلاق مجرد حديث تذكرة أو ترسيخ عبرة أو موعظة فحسب. فليس عندنا اكتشافات جديدة في عالم الأخلاق، لأن القواعد الأخلاقية جاهزة ومعروفة ومنجزة سلفا، وما علينا سوى تحويلها إلى واقع عملي ليس إلا، وهذا هو منطلق الكثيرين حسب ما أتصور.

هل تسمح لي أن أسأل سؤالًا بسيطًا: هل تؤمن بمرونة النظام الأخلاقي أم لا؟ وهل سمعت يومًا أن هناك كذبًا أبيض؟ وكذبا آخر أسود؟ هل كنت أحد المعارضين؟ واذا كان الأمر كذلك فلماذا لا نقبل أن يكون للكذب ألوان؟ لماذا نعتبر الكذب كله لونًا واحدًا؟ وهل الكذب هو الكذب دائمًا؟ وهل الصدق هو الصدق دائمًا؟ هل تتحول وبنفس المقاييس وبنفس الأحجام؟ أم أن لها مقاييس وألوان وأحجام مختلفة ومتعددة؟ هل أخلاقنا كائنات جامدة؟ أم أن الأخلاق كائن متحول؟ هل يمكن أن يدخل الزمان بما يحمل من شخوص ومكونات مادية ومعنوية ضمن المعادلة الأخلاقية بقوة تندفع بالأخلاق الاجتماعية والدينية بعيدًا عن حرفية النصوص وسطحية الفهم لتسبر بذلك أغوار عالم من الآفاق الجديدة.

البعض يكذب أحيانا إذا استدعي الأمر الكذب، وبشكل مباشر دون غضاضة، لكن البعض الآخر يكذب بطرق فنية أي أنه يلجأ للتورية أو لسواها بمسميات أخرى، وأتصور أن النتيجة واحدة، فما الداعي لكل هذا العناء إذن إذا كانت النتيجة واحدة، فما الداعي لكل هذا العناء؟ والحديث هنا ليس ضد التورية أو سواها لكن لماذا يجرم البعض الكذب بشكل مطلق دون النظر للظروف المحيطة، هناك آخرون قد يضطرهم حرصهم على التقيد بالصدق لفضح الحقائق والتسبب لنفسهم والآخرين بالضرر، فهل يمكن أن نقبل أن يضحي البعض بالمصالح العامة بحجة الوقوع في الكذب وحفاظًا على قوالب شكلية بعيدًا عن النظر للمضمون؟ هل يعقل أن تكون القواعد الأخلاقية بهذا الجمود. هل الأخلاق كائنات جامدة حقا؟!

ما هو الضابط في الأخلاق إذن؟ هل هي تلك النصوص والعبارات الدينية المجتزأة من سياقها الزماني؟ أم أنها تلك النصوص الأخلاقية بشرط أن تستبطن روحًا حية تجعل الأخلاق تتحول وتتطور تبعًا لظروفها وروحها الخلاقة تلك؟ وما قيمة القصص الأخلاقية المتواترة في كتب التاريخ في ضوء ما سبق؟ والي أي حد يجب أن تلقي بظلالها على عقولنا وسلوكنا الاجتماعي؟

أسئلة كثيرة تملأ رأسي وتجعل قلمي موجوعًا، ويزداد ذلك كلما تجولت في الشوارع والمواصلات العامة والخاصة وطرقات الجامعات والمدارس وشاهدت أفلام السينما بأقزامها المشوهة يبثوا سمومًا وينشروا الفاحشة عن قصد أو جهل وتابعت بدقة سلوك وتوجه قيادات السلطة الحاكمة التي يحميها الفساد والانحلال الأخلاقي ونشر الرذيلة وتحلل الانتماء الوطني. وجلست بين شباب الوطن نتناقش في أمورنا العامة وكوارث لقطتها العين والأذن حولها إلى أسئلة تبحث عن جواب واحد، هل الأخلاق كائن متحول؟ أم ماذا؟

وليست الدعوى هنا لتمييع الأخلاق طبعًا، كما قد يتصور البعض، بل لتفعيل تلك الأخلاق وفق رؤية واعية، فالأخلاق بلا شك صمام للأمن الاجتماعي وباعث انسجام وحياة. فلماذا لا تتحول الأخلاق إذن إلى فن وذوق ومنطق وعلم؟ لماذا التمسك بالفهم الحرفي رغم كل المفاسد الأخلاقية التي تفرزها سطحية الفهم والتي حولت الدعوة للتمسك بالأخلاق الحميدة في التعامل إلى عكس ذلك تماما؟

إن نظرة سريعة في التاريخ يمكن أن تكشف تحولات خطيرة في عالم الأخلاق فرضتها ظروف زمانية، فقديمًا كان من مكارم الأخلاق ومحاسن الصفات التي يتم التباهي بها بين الناس أن نتملك مجموعة من الرقيق فنمن عليهم بعتق رقابهم من العبودية المباحة، لكن في عصرنا هذا وتبعًا للتطورات الفكرية والسلوكية، لن يكون هذا ممكنًا.

خلاصة القول:

إن صح ما سبق – فإنه يجب أن نغير نظرتنا للأخلاق، لأن الأخلاق ينبغي أن تعتبر مهارات حياتية تعبر عن فن وذوق وعلم ومنطق حي وفاعل ومتطور، لذا الواجب أن تخرج الأخلاق من قمقم حرفية النصوص والقصص التاريخية التي لا تلامس الواقع ملامسة عملية، ليست في مجتمعاتنا صحوة أخلاقية معاصرة نتعامل مع الأخلاق تعاملها مع أي علم أو فن إنساني له أدواته ومباحثه العقلية البعيدة عن القولبة الجاهزة لتصل بأخلاقنا إلى الخلق العظيم الذي أراده الله سبحانه.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد