صرحٌ من الحضارةِ شاهقٌ، يعتلِي منبر التّاريخِ في آنٍ وجيز. صرحٌ لم تنصدع بهِ آيةٌ، ولا انبجست به معجزة، بل كان ثمرة تشاركٍ فعّالٍ للرجالِ والنّساءِ، على حدّ سواء، شملَ كافّة المجالاتِ، فأثمرَ تمدّنًا وتحضّرًا، عكسَا أخلاقيّات الرسالة المحمّديةِ، من عدالةٍ ومساواةٍ، وفعّلا مفاهيمَ أساسيّة، كالاستخلافِ والولايةِ والقوامةِ على النّحوِ السّديدِ المُحكمِ ، ما مكّن المسلمينَ الأوائل من تشييدِ عصر ذهبيّ يثرِي التجربة الإنسانيّة ،وتأسيسِ معارفَ نفيسة المضامين، متعدّدة الاختصاصات.

وممّا لا يخفى على أحدٍ أنّ الإسهام النسائيّ الكبير في وضع حجر زاوية الحضارة الفتيّةِ، ومن بعد في ازدهارِها وتطويرِها ـ وإن لم تحفظهُ كتب التاريخِ، للأسفِ بنفسِ مقدارِ تخليدها لمآثر الرّجالِ ـ إلّا أنّهُ كان ذا أثرٍ بالغِ الأهميّة؛ إذ تنعدمُ بدونهِ إمكانيةُ بلوغ ذاكَ البناء الاجتماعيّ والحضاريّ للأمّة ما بلغهُ. فقد كانت نساءُ ذاك العهدِ على وعيٍ تامّ أوّلا بالمسئوليّةِ الملقاةِ على عاتقهنّ، وبالوديعةِ الإلهيةِ التي حملنهَا، ما أنتجَ فِي نفوسِهنّ التزامًا روحيًّا بإغناءِ الحياةِ، وتركِ بصمتهِنّ في دورةِ التاريخِ البشريّ.

فضلاً عن التعاونِ المتبادلِ الذي قرنهنّ بأشقّائهنّ من الرّجالِ في تدبيرِ شئونِ الأمّةِ، والعملِ على فائدةِ الصّالحِ العامّ، والتدخّلِ بشكلٍ متساوٍ في صُنع القرارِ السياسيّ وإدارة الحراكِ الاجتماعيِّ؛ إذ يتجلّى لنا، بسفورٍ، عبرَ استقراء تاريخِ النهوضِ الأوّلِ، تأديتُها لكافّة الأدوارِ الحيويّة، إبّانَ قيام الدولةِ الإسلاميةِ في عهد رسولِ الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بجدارةٍ، وسيرُها جنبًا إلى جنبٍ مع الرجلِ في علاقةٍ تقوم بشكلٍ أساسيٍّ على التكامل ِالحقيقيِّ، لا على المفاضلةِ الواهنةِ أو الصراعِ الوهميّ ،وآيةُ ذلك ما سطّرهُ لنا التاريخُ بوضوحٍ من تلقّي المرأة الدعوةَ في البدء، وإسهامها في بثّهَا، ثمّ مشاركتها في الهجرةِ، و تلقّيها البيعة، وجهادها في ساحاتِ الوغَى، وحُضورها في الحلقاتِ التعليميّةِ، أينَ كانت تُمنح المكانةَ التي تليقُ بها، كعنصر بنّاءٍ، وكركيزةٍ للنهضة، والرقيِّ، ما جعلَ إضافاتها غزيرةً، خاصّة في بثّ العلومِ الإسلاميّة، التي لعبت فيها دورًا فريدًا في تاريخِ البشريّة؛ إِذْ تحدّثت الدكتورة المغربيّة «أسماء المرابط» في مقالٍ لها عن دراسةٍ مُعاصرة تُعنى بالعصورِ الأولى للوحيِ تثبتُ إسهامَ ما يزيدُ عن ثمانية آلاف امرأة في حفظِ المعرفة الدينيةِ الإسلاميةِ، و تطويرهنّ لكل العلوم الشرعيّة، على غرار الفقهِ، وعلم الحديث، والتفسير، كـ«كريمة المروزيّة» محدثة الإمام «البخاري»، و«جوهرية بنت أحمد» و«عائشة بنت عبد الهادي»، اللتين كان يحجُ إليهما الطلبة من أقاصِي الأرض؛ لقراءة الحديثِ عليهما. كما قالت إن الدراسةَ التاريخية لعمليةِ تدوينِ الحديث بينت أن أهم جامعي الحديث في القرون الأولى حصلُوا على الإجازات في الحديث عن النساءِ المحدثات. علمًا أن كل جامعٍ كبير كان تحت سلطةٍ أكاديمية مباشرة للنساء العالمات التي كان لهنّ مجالسهنّ العامة؛ حيث يعلّمنَ ويعطينَ دروسًا في الحديث للطلبة الذين يحصلون على إجازاتهم مباشرة من النساء.

غير أنّ تلك الفترة المجيدة، لم تدم طويلًا؛ إذ استحال دورها للأسفِ من ركيزةٍ متينةٍ لحضارةٍ هائلةٍ، إلى لبِنةٍ صغيرةٍ في مجتمعٍ عليلٍ

فلئن كان تقهقر الحضارة «العربية الإسلامية»، وأفولُ نجمها يُردُّ إلى عللٍ كثيرةٍ، فإن إحداها بلا ريبٍ «توضيعُ» دور المرأة، وحصرُ قدراتها الفائقة، ضمن بوتقةٍ ضيّقةٍ، ومن ثمّ إبعادها عن مجالاتِ المعرفةِ، وإزاحتها عن دوائر العلمِ؛ بسببِ أعرافٍ تتعارض تمامًا مع مبادئ التحريرِ القرآني.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

ركيزةٍ
عرض التعليقات
تحميل المزيد