كنت مرة أتأمل علبة بيتزا شعارها أحمر، كانت بيتزا محلية ، ليست مثل ماك وبيتزا هت ، وغيرها من الشعارات المعروفة، فلفت انتباهي أنه مبتكر لكن لونه أحمر وتساءلت هل هم اختاروا هذا اللون تبعًا لفلسفة التسويق، وهو أن اللون الأحمر هو لون ناري ينبه العين ويجعلك تلتفت إليه حتى لو كنت مخدرا بأفكارك وتركيزك أثناء القيادة؟

 

ما فكرت فيه أن هذه النظرية في يوم من الأيام ستثبت خطأها لأنني من كثرة ما شاهدت من شعارات في الشارع بذات اللون أصبحت أمل من النظر إليها، ولم يعد يجذبني فعلًا سوى إعلانات باللون الأبيض والأسود، أو أي تدرج غريب في الألوان، إذن تلك الفلسفة خاطئة، أو حينما نفذها كل الناس أتت بنتائج عكسية، وبالتالي فالدراسات الإنسانية بطبيعة الحال تؤدي إلى تغير السلوك الإنساني نفسه، وبالتالي ظهور ردود أفعال جديدة، تشعر وكأن الأمر دوامة لا نهاية لها من عجيب وإبداع خلق الله في الإنسان.

 

لذلك حينما تنظر للمواقع الاجتماعية تجد أنهم يطورون الموقع دائمًا من دراسة تفاعلات المشاركين واستجابتهم، أريد هنا ملاحظة بعض المؤثرات النفسية في المواقع الاجتماعية الأكثر إدمانـًا، لعل إدراك طبيعة ما يحدث يساعدنا في التحكم بما نفعله وإيجاد السعادة الحقيقية.

الغنوة التي لم يصفق لها أحد

 

سنبدأ بـ Facebook  بالطبع ، كل يوم تتعرض لخفقات جديدة من الإعجاب، المتابعون ورغبات الصداقة تنهال عليك، أصبحت تدرك ذكاء ملاحظاتك وإنجازاتك وكأنك تكتشفها لأول مرة، في دراسة عن Facebook على مدار ١٧ يومًا٬ وجدوا أن ٧١% من ٣ بليون مستخدم تقريبًا يكتبون تحديثـًا أو تعليقـًا ثم لا يرسلونه، وحينما فسروا ذلك وجدوا أن الشخص يراقب تعليقاته بشكل زائد حينما يكون الجمهور الذي يتحدث معه كبير العدد، كما وجدوا أن (المتابع الخفي) وهو الذى لا يشارك كثيرًا ، ولكنه يتابع صفحات أصدقائه باستمرار يكون أكثر عرضة للاكتئاب والشعور بالوحدة؛ لأنه لا يخبر الآخرين بإنجازاته كما يفعلون.

مصدر الدراسة : https://blog.bufferapp.com/psychology-of-facebook

 

ظاهرة تغيير الصورة الشخصية مثيرة للاهتمام، أعتقد أن الناس لم تعد تشارك بالصور لمجرد التعرف عليها٬ بل كي تحكى قصصًا متتالية من حياتها، آخر بلد زارها، والشهادة التي حصل عليها، وحفل الزواج وصور الطفل الجديد،

 

الغريبة أن هذه الصور بالذات كنا نفتحها ونحن صغار في ألبوم الصور الخاص بالعائلة، والذي لا يطلع عليه سوى المقربين فقط، لأنها شديدة الخصوصية وغالية على قلوبنا، لأننا نشعر بسعادة وحنين غامر ونحن جالسين وحدنا نتذكر قصة كل صورة، بمعنى آخر كان يهمنا حقـًا أن نرى أنفسنا بأعيننا لا بأعين الآخرين ونرى ذلك كافيًا جدًا.

الغنوة التي لم يصفق لها أحد

 

ننتقل إلى موقع  LinkedIn ، يملك الموقع ميزة خاصة أنه يخبرك بمن زار ملفك ويعطيك إحصائيات محددة عن عددهم والشركات التي يعملون بها، هو يساعدك بشكل ما لتعرف أي قطاع من أصحاب العمل يبحث عنك، وتلك النقطة النفسية يلعب عليها كثيرًا كي يحفزك للانتقال من الاشتراك المجاني على الموقع إلى الاشتراك المدفوع،

 

الإنسان عنده فضول شديد لمعرفة من يهتم به، وذلك ليس فقط للأفكار المثالية عن العمل٬ فأنت ترى تطبيق (اعرف من زار بروفايلك) وقد جربه كثير  جدًّا من مستخدمي Facebook (مع أن إدارة الموقع نبهت أنه ليس هناك وسيلة لمعرفة ذلك لأسباب تقنية).

رابط الإجابة عن هذا السؤال:

https://www.facebook.com/help/community/question/?id=373235039443614

 

هناك اهتمام شديد بصقل الألقاب والتفنن فيها على (LinkedIn)، أحيانـًا أجد بعض الناس يكتبون ألقابًا مركبة وغريبة لدرجة أنني أضطر للدخول على ملفاتهم لفهم ماذا يفعلون بالتحديد، أجد ألقابًا مثل (Sales Ninja) أو (Brand Evangelist) في حين أن طبيعة عملهم مندوب مبيعات أو مدير تسويق، قرأت دراسة تقول إن رؤساء العمل يبحثون عن كلمات محددة مباشرة في محرك البحث مثل (salesman) تعبر ببساطة عما يحتاجونه؛ لذلك لا أحد منهم ينبهر بالألقاب الغريبة،

 

وربما يكون لها تأثير سلبي، هنري جولدبيك يعمل في منظمة للتوظيف يقول: إنه لاحظ أن سبعة من المتقدمين للوظيفة يضعون لقب “ninja”  في ملفاتهم، ولا واحد منهم تم تحديد مقابلة عمل معه.

https://www.linkedin.com/pulse/20140714175706-27654892-your-wackadoo-job-title-guarantees-your-resume-won-t-get-found

ويحضرني في هذا قصة لـ(بطوط) أنه كان يشكو دائمًا من إحساسه بقلة قيمته كـ(عامل في مصنع السمن) فقرر الانتقال لعمل آخر ذي لقب لامع، فوجد نفسه في النهاية (مساعدًا لملمع شارات العاملين) في وكالة إخبارية، وقد قال جملة ظريفة جدًّا (كنت في الماضي شيئًا، الآن أصبحت عدمًا)،

 

المهم أنه بدأ يقنع نفسه أنه طالما لا مفر فسيحاول أن يقوم بتلك المهنة بأفضل طريقة ممكنة،  وأخذ يتفنن في طرق التلميع حتى أصبحت شاراته معروفة بشدة بريقها، وقد قاده ذلك الإتقان إلى القبض على مؤسسة إجرامية تريد إسقاط عمدة المدينة، الذكي في تلك القصة أن عنصر اللقب هنا لم يكن له أي دور في معادلة النجاح.

 

الفكرة في تلك المواقع أنك نقطة بالداخل بالفعل، النقطة ترى نفسها مركزية في حين لو اختفت تمامًا ما تأثر هذا المكان كثيرًا، ربما تأثر لو اختفى شريحة كبيرة من النقاط كمثل رسم يختفى منه النقاط البنية لشجرة كاملة مثلاً، لكن وجودك في هذا المكان كوجودك في الحياة، لن يدرك أهميته أحد بقدر نفسك، وعليه لست بحاجة أن تبذل كل هذا الجهد والوقت والعمر كي تعرض للناس كل هذا، ولا أن تخبرهم بسعادتك ونجاحك وتجاربك في الحياة إلا من باب نفع الغير ومساعدته أن يؤمن بالأمل والعدل في الحياة فيسعى هو الآخر، هذا الاستعراض للذات الذي نتفنن فيه لا يجلب سوى المزيد من الإحساس بالتعاسة وقلة الثقة؛ لأنك تضع ذاتك للحكم والمقارنة وهو الطريق الأسوأ لإدراكها.

 

أكثر شيء يضايقني وأصبحت لا أفعله إطلاقـًا أن أجد مطربًا في ذروة إنشاده وطربه يقوم الناس بالتهليل والتصفيق الحاد لدرجة تغطي مقاطع صوته الأخيرة، لا يكاد يبدأ مقطعًا رائعًا إلا ويدفنه التصفيق، والغريب أنني أجده يستمتع بهذا ويطرب أكثر،

 

أتخيل ماذا سيحدث لو أننا التزمنا الصمت جميعًا حتى يشك في وجودنا أو حتى ينساه، نجرب أن نرتشف الغنوة حتى آخر قطرة، ثم حينما ينتهى نترك دقيقة فاصلة ليسمع صوته هو ويشعر بما أبدعه، إنني لا أتمنى أن نكف عن التصفيق بل نتأخر فيه كي نسمح لأذنه أن تفرق ما بين صخبنا وما بين دقات قلبه،

 

ربما أهتم بتلك النقطة كثيرًا لأنه حينما أتأمل كبار السن في النادي والشارع وفي زيارات الأقارب٬ وأجدهم يجلسون وسط دائرة كبيرة من الشباب والنساء يكونون أقل الناس لفتـًا للانتباه، ربما لا يحدثهم أحد إلا من باب الواجب واحترام وجوده كإنسان، أفكر كيف سنشعر حينها وهل سيقتلنا الإحساس بانعدام قيمتنا أم سنستمتع بالحياة ونشكر الله عز وجل أن خلقنا ومنحنا هذا العمر؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد