روى البخارى في الأدب المفرد والترمذى وابن ماجة وغيرهم: من أصبح منكم آمنًا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا.

محمد بن عبد الله – صلى الله عليه وسلم – رسول الإسلام، وأمه امرأة من قريش كانت تأكل القديد، والقديد: هو الجلد الجاف، أوقد يكون أحيانًا اللحم الجاف يسمى قديدًا، من شدة الجوع، أنهم لا يجدون غيره.

ففى هذه الأيام الكالحة، والتي ضاقت فيها سبل العيش؛ حتى أضحت أضيق من صدر الكافر، لا يستطيع أكثر من خمسين بالمائة من فصيلة الحيوان الأرقى – الإنسان – توفير المتطلبات الأساسية لأدنى حيوان في السلم الحيواني: الأكل، الشرب، الزوجة.

تذهب بعض الآراء أن السبب وراء شقاء الحيوان الأرقى، هوالتطور والعلوم والمعرفة، منذ أن تعلم الإنسان وأدرك رغد العيش، وسبل تنوع اللذة، وهو يسعى وراء الكماليات، متاع الحياة الدنيا، وهو قد فتح على نفسه سد يأجوج ومأجوج الإفساد في الأرض.

أيام أجدادنا فى عصور ما قبل المجتمع والمدينة، قبل أن يتعلم الانسان ويعرف سبل اللذة ومترادفاتها، مقتصرًا على متطلباته الأساسية، لم يكن الإنسان بحاجة إلى أن يقتل، أو يسرق، أو ينهب، ولم يكن بحاجة إلى حكومة أو رئيس، ومن شاء فلينظر إلى أي مجتمع بدائي في أدغال إفريقيا، ويقارن بين نسبة الجريمة في مجتمع المدينة، مجتمع الهوس بالكماليات، والجري وراء اللذة، ومجتمع الاقتصار على المتطلبات الأساسية، مجتمع الإنسان البدائي المتوحش.

بل إن مجتمع الغابة وحياة الحيوانات أكثر رحمة من مجتمعنا اليوم، فالذئب لا يقتل الذئب، ولا يحبسه، ولا يتحفظ على أمواله؛ فلا يقتل، ولا يخون، ولايسرق، ولايبطش، إلا الباحث عن الكماليات، والمهووس بترف العيش، وتنوع اللذة؛ فالذئب لايقتل الذئب لأنه يريد أن يغير سيارته بسيارة أحدث، أو يريد أن يملك فيلا في الساحل غير فيلته التي في الإسكندرية، أو يذهب ليصطاف في إسبانيا؛ فقد مل من شواطىء مصر، أو يدخل ابنه جرموزا مدارس ليسيه الحرية هليوبوليس، أو لكى تذهب السنداوة زوجته لتقوم بإجراء عملية تجميل في مركز تجميل هامبورج في ألمانيا.

فلم يكن ابن العصر العباسى، عصر الترف، والعصر الذهبي للحضارة الإسلامية، ويا ليت الإسلام لم ير حضارة، ولم ير ذهبًا، وظل على تقشف الرسول – صلى الله عليه وسلم – وصحبه ـ رضوان الله عليهم.

فلم يكن الأحيمر الأسدي ابن العصر العباسىي مغاليًا عندما وصف عصره وحال الناس فيه قائلًا: عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذا عوى وصوت إنسان فكدت أطير

وحالنا الآن ليس أحسن حالًا من الأحيمر الأسدي، بل واقعنا أكثر مرارة وأشد بؤسًا.

إن حشدًا كثيرًا من الناس يهلك أو يتعذب لحاجته إلى الزائد عند هؤلاء، فإذا كان هناك حفنة من المقتدرين والأغنياء تعتلي العظمة والثروة على حين أن الجمهور يزحف في الظلمة وفي البؤس، فما ذلك، إلا لأن أولئك لا يلذ لهم طعام ما يتمتعون به، إلا بمقدار حرمان الفقراء إياه، وأنهم – وهم على حالهم باقون – يكفون عن سعادتهم لو كف الشعب عن بؤسه.

جان جاك روسو.. خطاب في أصل التفاوت

فمن المقطوع به أن شقاءنا سببه ما يطلبوه من رفاهية وكماليات، فلا تتحقق رفاهيتم إلا بسلبنا احتياجتنا الأساسية.

فالرجل الذي كان يملك آلاف الرقاب من الناس، وأموالهم، وذراريهم، مات ودرعه مرهون عند يهودى، يجوع فيربط على بطنه حصاة تأخيرًا لنداء الجوع – صلى الله عليه وسلم – عمر بن الخطاب – رضي الله عنه ـ- يفتح الممالك العظيمة، وتأتي إليه الغنائم؛ فيوزعها على الناس وثوبه مرقع، وتقرقر بطنه من أكل الخبز المغموس بالزيت، فيخاطبها قائلًا: قرقري أو لا تقرقري؛ فلن تذوقي اللحم حتى يشبع أبناء المسلمين.

موقف النبي وعمر لم يكن زهدًا في متاع الدنيا فقط، كما أفهمنا علماء السلاطين، ولكن موقف نبي الإسلام، وموقف عمر صاحب أكبر قدر من الفهم المقاصدي للإسلام بعد نبي الإسلام: لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب. رواه أحمد، والذى أجل حد السرقة عندما جاع الناس في عام الرمادة، غير مستند إلى نص ظاهر صريح، والذي عطل سهم عطاء المؤلفة قلوبهم، مع وجود نص ظاهر صريح يوجبه، ولكن عمر كان يستند إلى ما هو أقوى من النص، وهو الفقه المقاصدي للدين.

نعم لم يكن موقف النبي – صلى الله عليه وسلم ـ- وعمر  – رضي الله عنه – زهدًا فقط من متاع الدنيا، ولكن ليضربا مثلًا، وينبها الناس، والولاة، أن المتاع الذي يتمتع بهما الوالى، أو القيم على أمر الناس، وغيرهم من أهل البطانة، وذوى الحظوة، في الكثير من أحواله لن يتحقق، إلا إذا سلبت من احتياجات أساسية لشخص آخر قد غلب على أمره، وقد دفع من احتياجات أولية له جزية غير مستحقة لولى جائر، أو ضرائب غير عادلة لرئيس مستبد.

ووفقًا لقاعدة التتابع النوعي في أمر المعاصي، وارتكاب النواهى، يحذر النبى – صلى الله عليه وسلم – وعلى نهجه يسير عمر رضى الله عنه، من أن يرفل الولاة والناس في النعيم، فلن يبشمن من حالة النعيم أبدًا، كنار جهنم تنادي هل من مزيد، وإن لم تتوافر لهم من زوائد الناس، سينتزعونها من احتياجاتهم الأساسية، من أقواتهم وأقوات أبنائهم، ثم يحدث الإجحاف، والبطش، وقد فُتح باب المظالم، وما عليك إلا أن تكر السبحة وتستغنى عن العد، فالشهوة ملولة، فمن طلب اللذة ومترادفاتها تمحل لذلك ولا بد، فيزين الذميم، فتكون البدعة، ويقمع المخالف له ويعاديه، فتكون الضلالة.

والله ما الفقر أخشى عليكم، وإنما أخشى أن تفتح عليكم الدنيا فتنافسوها كما تنافسها من قبلكم فتهلككم كما أهلكتهم. رواه الهيثمى

لذلك كان الخليفة عمر – رضى الله عنه – لا ينفك يكرر على ولاته ويشدد عليهم ألا يرهقوا الناس في أمر الجزية.

أخرج ابن عساكر، والواقدي عن عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي رضي الله عنهما قال: لما قدمنا مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه الجابية، إِذا هو بشيخ من أهل الذمة يستطعم، فسأل عنه فقال: هذا رجل من أهل الذمة كبر وضعف – فوضع عنه عمر رضي الله عنه الجزية التي في رقبته، وقال: كلّفتموه الجزية حتى إذا ضعف تركتموه يستطعم؟ فأجرى عليه من بيت المال عشرة دراهم، وكان له عيال.

ويضرب لنا عمر بن الخطاب مثلًا آخر، وما أكثر من أمثال عمر التى يظهر لنا فيها كم كان هذا الرجل ملهمًا.

روى البخارى ومسلم عن عائشة عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ:« قَدْ كَانَ يَكُونُ فِي الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ مُحَدّثُونَ، فَإِنْ يَكُنْ فِي أُمَّتِي مِنْهُمْ أَحَدٌ، فَإِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ مِنْهُمْ» قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: تَفْسِيرُ مُحَدَّثُونَ: مُلْهَمُونَ.

لننظر ما فعله عمر مع ابنه عبد الله رضى الله عنهما.

أخرج البيهقى وابن عساكر فى تاريخه قال سعيد : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ أَبِى يَعْفُورٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : اشْتَرَيْتُ إِبِلاً وَارْتَجَعْتُهَ ا إِلَى الْحِمَى فَلَمَّا سَمِنَتْ قَدِمْتُ بِهَا قَالَ : فَدَخَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ السُّوقَ فَرَأَى إِبِلاً سِمَانًا فَقَالَ : لِمَنْ هَذِهِ الإِبِلُ؟ قِيلَ : لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ فَجَعَلَ يَقُولُ : يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بَخٍ بَخٍ ابْنَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ فَجِئْتُهُ أَسْعَى فَقُلْتُ : مَا لَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ : مَا هَذِهِ الإِبِلُ؟ قَالَ قُلْتُ : إِبِلٌ أَنْضَاءٌ اشْتَرَيْتُهَا وَبَعَثْتُ بِهَا إِلَى الْحِمَى أَبْتَغِى مَا يَبْتَغِى الْمُسْلِمُونَ قَالَ فَقَالَ : ارْعُوا إِبِلَ ابْنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ اسْقُوا إِبِلَ ابْنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ اغْدُ عَلَى رَأْسِ مَالِكَ وَاجْعَلْ بَاقِيَهُ فِى بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ.

وهذا المثال يوضح لنا كيف كان عمر فاهما لمقاصد الدين مع فهمه لنفسيات الناس، وأنه إن اغتنى هو وأهله في زمن خلافته، لن يسلم هو وأهله من كلام الناس، وإن كان حلالا،فإن سلم من كلام الصالح، فلن تسلم ذمة عمر، وأهل عمر من كلام الطالح،فعمر هذا الملهم قد فطن لحمكة لوك الحكيم قبل أن يعرفها، حيث لا توجد ملكية لا توجد شتيمة.

وأبو بكر لم يكن أقل من عمر ـ رضى الله عنهما ـ في فهمه لمقاصد الدين، والحساسية الشديدة من الانغماس في نعيم العيش، عن عائشة أن أبا بكر حين حضره الموت قال : إني لا أعلم عند آل أبي بكر غير هذه اللقمة، وغير هذا الغلام الصيقل، كان يعمل سيوف المسلمين ويخدمنا، فإذا مت فادفعيه إلى عمر ، فلما دفعته إلى عمر قال: رحم الله أبا بكر لقد أتعب من بعده.

وكذلك كان الإمام على كرم الله تعالى وجهه، والخزائن مملوءة بين يديه، يخاطب الناس ذات يوم قائلًا: من يشترى مي سيفي هذا؟ ولو وجدت رداء أستتر به ما بعته.

نعم لقد كان الصحابة لديهم حساسية شديدة من ذلك، فترك الملذات، والاقتصاد فى المعيشة خير كله، وكان لبعضهم موقف شديد الوضوح من التفاوت الطبقى، واتساع الهوة بين الناس، فكان لا يرضيهم أن يأكل بعض الناس الثريد، ويحلوا بالفالوذج، وموائدهم تتصدع من كثرة الطعام، وغيرهم في مخمصة، وشظف من العيش، وضنك لا ينتهى، يمضغون الحزن واليأس ليل نهار، ومنهم من يغلي الحصى على النار؛ لكى يخدع صغاره فيناموا، يروى عن أبي ذر الغفارى ـ رضى الله عنه ـ أنه قال: عجبت لمن لا يجد القوت في بيته كيف لا يخرج على الناس شاهرًا سيفه، وإن كان البعض يضعف هذا الأثر فإليك ماروى البخارى عن زيد بن وهب قال: مررت بالربَذَة، فإذا أنا بأبي ذر رضي الله عنه، فقلت له: ما أنزلك منزلك هذا؟ قال: كنت بالشام، فاختلفت أنا ومعاوية في (والذين يكنزون الذهب والفضة و اينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم)، فقال معاوية: نزلت في أهل الكتاب، فقلت: نزلت فينا وفيهم، فكان بيني وبينه في ذاك، وكتب إلى عثمان رضي الله عنه يشكوني، فكتب إلي عثمان: أن أقدم المدينة فقدمتها، فكثر علي الناس حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك، فذكرت ذاك لعثمان. فقال لي: إن شئت تنحيت، فكنت قريبًا، «فذاك الذي أنزلني هذا المنزل، ولو أمروا علي حبشيًا لسمعت وأطعت.

فأبو ذر صاحب القلب الصادق كما وصف النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ روى ابن ماجة عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : ما أقلت الغبراء، ولا أظلت الخضراء،من رجل أصدق لهجة من أبي ذر، يرى أبو ذر أن استئثار فئة من الناس بالذهب والفضة، مخالف لمقاصد هذا الدين، بينما يرى معاوية غير ذلك، معاوية الذي لم يكتف بانقلاب سياسي وعسكري، اغتال به الخلافة، وغير مجرى نهر الإسلام، فاغتاله نهر الإسلام مستنقع، بل سعى حثيثًا وأحدث انقلابًا في الأفكار، ما زلنا نعانى من تبعاته إلى الآن، وشيئًا فشيئًا أصبح الصبر على الحاكم الظالم الجائر، ركن من أركان الإسلام، وطاعته مقدمة على طاعة الله والرسول، وانظر كيف حول العلماء الضمير للقبول بالاستبداد الذي كان من باب الضرورة إلى واجب، فأضحى الإسلام بعدهم كماء صاف يسكنه تمساح فحبس نفعه، والأشر من المصيبة سوء الخلف.

والمقام لا يتسع لذكر ما كان عليه الصحابة من ورع وتقوى، خاصة فيما يتعلق بأموال الناس، وننبه أيضًا على ما قاله الإمام تاج الدين السبكى في معيد النعم ومبيد النقم: نحن لا نطالب الناس بهذا الكلام، فإنهم لن يصلوا إلى هذا المقام، ولكن نذكرهم لعلهم يرجعون.

فالإسلام، إسلام النبى وصحبه، الذين فهموا هذا الدين حق فهمه، يعلمون علم يقين لا شية فيه، أن قميص الظلم والبطش قريب جدًا من النفوس الغارقة في الملذات، وأقدامها هاوية في وحل الرغبات، والتي لا تنفك عن كنز الذهب والفضة، ولا تنفك تحوم حول المغلوبين على أمرهم من الناس، كبرغوث اشتهى مواصلة امتصاص دم طازج، وستحيط بالناس كأفعى البحر التى تقبض على الفريسة بمقابض كثيرة وتمتص دماءه بأفواه عديدة، ولذلك ما انفك النبي وصحبه يحذرون من هذا المصير، فهم يعلمون أن هذ الأمة ستفسد عندما تخرج من مرحلتها الجنينية، عندما ترى القصور الشواهق، والجوار الحسان، وتترك الجمل، وتركب البرذون، وهو بغل صغير جميل في مشيته خيلاء وتبختر، ترفل الأمة في الملذات، فتبدأ رحلتها في كل ما هو أسود، فتظهر المظالم، ويغتال الإسلام من تحته، والغنى الفاحش يجعل باقي الناس في قلوبها حذة، وفي صدورها تغلي مراجل الحقد، والغنى الفاحش، والعدل، ضرتان لا يتصالحان، وضدان لا يجتمعان، فمن استقبل أحدهم، استدبر الآخر، فلذلك حرصوا على قطع الطريق من البداية، ولله در أبي عثمان الجاحظ: ولا يكون الظلم إلا بالطمع، ولايكون الطمع إلا بالسبب، فإذا انقطع السبب انقطع الطمع.

ولا يظن ظان أن هذه الكلمات تحاول أن تبعث ماركس ولينين من قبرهما، فهدينا خير من هديهما، ولايظلم ربك أحدًا. الكهف 49، وتجربتنا أنجع من تجربتهما، وأقرب إلى الفطرة، صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون. البقرة 138.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد