في البداية وجب التنويه بأن المقال خالٍ من أنواع المقارنات بين الإنتاجات القديمة لفيلم: (A Star Is Born) وبين فيلمنا الحالي، وإنما مجرد رأي عن العمل الفني الذي ضرب السينما العالمية خلال الأسابيع القليلة الماضية، وجذب اهتمام العديد.

حظيت السنوات الأخيرة بالعديد من الأفلام التى تدور حول الموسيقى عامة وحياة الموسيقيين خاصة. فنجد أنها امتلأت بأعمال مثل (La La Land) و(The Greatest Showman)، وحتى الفيلم الحائز على الأوسكار لأفضل فيلم رسوم متحركة العام الماضي (Coco)، ولكن من اللحظة الأولى التي عرض بها إعلان فيلمنا (A Star Is Born) حتى وجد العديد أن هذا الفيلم به لمسة أخرى مختلفة، وأنه يخرج عن مألوف ما يمكن أن تأخذه نمطية الأفلام من ذلك النوع، فلماذا؟

برادلي كوبر هو الإجابة

بجانب وجوده كممثل رئيس بالفيلم، فهو أيضًا مخرجه وكاتبه بالمشاركة مع إيريك روث وويل فيتير. للحظة الأولى انتابنى شعور بأن وجود برادلي كوبر على كرسي المخرج ومكتب الكاتب وأمام عدسة الكاميرا قد لا ينتج عنه إلا التضخيم من حجم شخصيته بالفيلم وإهمال باقى عناصره، أو الفوضى العارمة في تفاصيل العمل، ولكن ما قدمه برادلي كوبر على كل المستويات ومقدرته على توزيع مجهوده في الثلاث جهات نتج عنه واحد من أثقل الأعمال الفنية في 2018 أو في العقد الأخير على الأقل.

فنجد فى الجانب الإخراجي اختياره لزوايا تصوير تجعل المشاهديين دائمًا في وضع جمهور بحفلة موسيقية يشاهدون علاقة آلي وجاكسون كعرض موسيقى من الخارج. واستغلاله كافة العناصر من ألوان وإضاءة وتعبيرات الممثلين لإنتاج كادرات تضع المشاهد بمشاعر واحاسيس الشخصيات من الداخل. كون ذلك النوع من الدمج بين ما أراد برادلي أن يختبره المشاهد أثناء مشاهدته للفيلم المتعة الحقيقية طول فترة المشاهدة، وعلى الرغم من أنه لا يمكننا أن نجزم بأن إخراج الفيلم من الممكن أن يندرج تحت بند (العظيم)، ولكنه من المؤكد يضع برادلي كوبر في قائمة المخرجيين ذوي المهارات الإخراجية الخاصة.

أما عن الكتابة فالفيلم فى الأساس مأخوذ من نسخة قصة الفيلم عام 1937، ولكن بمشاهدة نسخة هذا العام نجد أن النص لا يحتوي على أي نوع من أنواع كلاشيهات الأبيض والأسود، ويتضمن في محتواه فلسفة عن مفهوم الشهرة في وقتنا الحالي وآثارها، وينعكس ذلك بشدة على شخصية برادلى بالفيلم. أضف إلى ذلك بناء الشخصيات القوى والاهتمام بالتفاصيل بشكل طبيعي ومريح لعقل كل المشاهدين الذي جعل كتابة الفيلم واحدة من عناصره الأقوى.

وأخيرًا: الأداء التمثيلى لبرادلي كوبر. ولنكتفي بقول: إن كل ما قدمه برادلي كوبر سابقًا لم يظهر قدراته التمثيلية الحقيقية كما ظهرت في ذلك الفيلم؛ فأداؤه المذهل جعل الاندماج مع شخصيته سهل بشكل مبهر للغاية. فكثير من الأوقات كنت أقوم بتحليل شخصية جاكسون لا بتحليل تمثيل برادلي لشخصية جاكسون. حيث أثقلت موهبته الفيلم بشكل كبير، وكانت أكثر مميزات الفيلم أهمية وقوة.

هل ليدي جاجا مشروع ممثلة كبيرة؟

شاركت ليدي جاجا في عدة أعمال فنية سينمائية أو تليفزيونية قليلة، ولم تكن جميع أدوارها ذات طابع متميز. أكثر الأدوار المميزة لها كان دورها في مسلسل (American Horror Stories: Hotel) الذى حصدت منه جائزة جولدن جلوب عن أحسن ممثلة فى مسلسل دراما قصير، ولكن تلك المرة أظهرت جاجا جانبًا مختلفًا تمامًا عن شخصيتها التي تعودت تصديرها على شاشات التلفزيون كمغنية أو حتى في أعمالها السينمائية والتليفزيونية السابقة التي امتازت بشخصية جريئة ذات طابع جنونى وخارجة عن أي نمط أو مألوف رأته العين من قبل. فنجد في شخصية آلي هو عكس كل ما يمكن أن يتخيله الجمهور من شخصية ليدي جاجا؛ فهي فتاة طموحة رقيقة ذات شخصية، وأسلوب هادئ، وموهبة فريدة، فهل نجحت جاجا في تقديم الشخصية بشكل جيد؟

بدون أي مقدمات نعم. برعت جاجا في أن تقدم شخصية آلي، بل لم يبد أنها واجهت أي صعوبة في تقمص الشخصية أادائها، حتى أنه في بعض الأحيان أصابني شعور بأن جاجا لا تمثل نصًا مكتوبًا، بل واقعها وصراعها في أن تثبت نفسها كفنانة أو نجمة تستحق بعض الاهتمام من الناس طوال تاريخها الفني. ربما لم يبد للكثير من النقاد أن شخصية آلي ذات تكوين فني صعب، وأن ذلك الدور لا يؤهل جاجا للجوائز الكبرى كجائزة الأوسكار، ولكن ما أثبتته جاجا من خلال تلك الشخصية وضعها بكل تأكيد على سلم أن تحقق نفسها كممثلة كبيرة.

ماذا عن سام إليوت؟

من وسط كل الممثلين الثانويين لا يمكن أن يكتمل المقال بدون ذكر سام إليوت، فبالرغم من أنه لم يحظ بالكثير من الوقت على الشاشة، إلا أن مشاهده كانت الأكثر متعة بالنسبة لي طوال الفيلم. فإتقانه لدوره وتقديمه المطلوب بشكل محترف جعلني متسائلًا: هل حقًا كنت أنتظر من ممثل مبدع مثله أقل من ذلك؟ ولم لم يحصل على وقت أكثر على الشاشة؟

الموسيقى

موسيقى الفيلم كانت عامل الجذب الأول للمشاهدين. فوجود أغنية (The Shallow) في الإعلان الأول للفيلم جعل المعظم بحالة حماس لألبوم الموسيقى التصويرية للفيلم أكثر. ومع وجود مغنية ذات قدرات غنائية مذهلة كليدي جاجا، أخذها الكثير كضمان لجودة الإنتاجات الغنائية بالفيلم، ولكن ما حققته الموسيقى داخل طبقات الفيلم أنها استطاعت إكمال كل ما احتاجه المشاهد للدخول لعالم الفيلم والغوص بداخل ثغرات الشخصيات. فوجود موسيقى معظم وقت عرض الفيلم جعل الحالة العامة للقصة تتحول من فيلم سينمائى لأغنية طويلة، وأظن أن ذلك النوع من التحول كان مقصودًا من القائمين على العمل. فالفلسفة العامة التى يحاول إيصاله الفيلم بأن كل القصص وكل مراحل الحياة يقابلها موسيقى وتقابلها أغنية.

ومع ذلك احتوى ألبوم الموسيقى التصويرية للفيلم بالعديد من الإنتاجات تمتاز بجودة فنية وغنائية عالية جدًا. وتجعله من أقوى المرشحيين للفوز بجائزة الأوسكار عن أفضل موسيقى تصويرية، بالإضافة إلى أن المبهر أكثر من ذلك هو قدرات برادلي كوبر الغنائية التي فاقت توقعاتي الشخصية.

في النهاية فيلم A Star Is Born هو أكثر الأفلام – من وجهة نظرى لهذا العام – التي حققت التوازن بين تقديم عمل فني يقترب إلى الكمال بالاهتمام بالتفاصيل الفنية على أتم وجه من إخراج، كتابة وأداء تمثيلي، وبين ما يمكن أن يضيف لأي نوع من المشاهدين تجربة مشاهدة ممتعة مليئة بالمشاعر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

art, Lady Gaga, سينما, فن
عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!