دعونا نتكلّم بوضوح وبدون مقدمات، لو أُتيحت الفرصة لحماس لأقامت دولة في غزّة على عجالة، لا يلزمها شيء تبعًا للتصريحات والقراءات سوى ضمانات دولية على الاقتصاد الغزّي من خلال «الكابونات» المالية الدورية، سواء من قطر أو حتى من إسرائيل رأسًا عن طريق المقاصة، ومستعدة حينها لتأطير المقاومة مع العدو تحت معادلة «سيب وأنا أسيب»!

هنا يجب أن نقول كلمة الفصل (سياسيًا): حماس ليست خائنة، وفتح أيضًا، فهذا المصطلح يجوز إطلاقه في أي مكان عدا الحقل السياسي القائم على المصالح كليًا، لكن يجب علينا أن نعترف بأنّ حماس تخوض معتركًا سياسيًا لا يليق ببرنامجها المقاوم، فهي تُهين نفسها، وتقلل من قدرها بعد أن وقعت في فخ السيطرة على الحكم، الذي جعلها تجهّز أعتى ترسانة عسكرية في تاريخ الصراع الفلسطيني؛ لتضع هذا السلاح أخيرًا باعتباره ورقة ضغط «ضعيفة جدًا» أمام الأجندات السياسية والاقتصادية التي أجبرتها على الخضوع القسري لمصر ولكل الإقليم قبل أن تفكر لمجرد التفكير بإعلان مواجهة مع إسرائيل، وهذا ما جعل حماس رسميًا تلجأ لمربع الصراع التقليدي المتمثل بمسيرات العودة واستحداثها بطابع وطني عاطفي يُلبي حِمية الشباب ليخدمها على الصعيد السياسي من خلال الاستغلال الإنساني للتعبئة التي لا حصاد لها إلا بنزف الدماء؛ باحثةً بصورةٍ تجريبية عن خلاص سياسي وإحراج إقليمي مع إسرائيل باسم الشعب لا باسم المقاومة المسلحة التي تمثلها.

أما بخصوص السلطة، فهي لا تريد المصالحة بالضرورة، السلطة تريد السيطرة على القطاع، فإن كانت مصالحة كتحصيل حاصل فأهلًا بها، وإن لم تكن فلتذهب إلى الجحيم -من وجهة نظرهم-، لكن بالنهاية تريد السلطة النتائج الميدانية التي تعزز من وجودها وبسط سيطرتها الفعلية على القطاع، والملف الشائك العالق حتى الآن هو ملف كتائب القسّام، ولا ننسى أن لدينا أجنحة عسكرية كثيرة وكبيرة بجوارها، تتلقى تمويلها من إيران مباشرة، كسرايا القدس وغيرها مِنَ الأجنحة المستحدثة. جميع هذه الأجنحة والتنظيمات ترفض تمكين السلطة عمليًا وترفض نزع سلاحها بناءً على تعليمات الممول ورغبة المستفيد، والدور المنوط بحماس الآن هو إيجاد صيغة توافقية مع الفصائل كافة من أجل تنظيم سلاح المقاومة، ووضعه مباشرة تحت أمر منظمة التحرير، وأعتقد هذا ما يجري الآن في الكواليس والغرف المشتركة كأُطروحة التنازل الأخير الرابح إن عُدِمت السُبُل، وأي خروج عن هذه الأُطروحة ستتكبد حماس ثمنها إقليميًا؛ وعندها سنرى حربًا ضروس يدفع الشعب ثمنها بفاتورة أرواحنا الأعظم من فاتورة العقوبات التي تفرضها السلطة على القطاع، وإلى حين ذلك، لا أستبعد أن يُطلقَ الجيش الإسرائيلي على هذه المعركة وسم «كلُّ مَن عليها فان».

أعتقد أنّ حماس الآن في مأزق عظيم، وحصار قطر الإقليمي لم يؤثر على قطر بقدر ما أثّر على حصار غزّة، وتلقّي حماس مؤخرًا للمساعدات القطرية قد استفزّ المصريين، ومصر جاهزة تمامًا لمصافحة الرئيس عباس ومصادقته على أي قرار عقابي سيتخذه المجلس المركزي الفلسطيني بحق غزّة نهاية الشهر الجاري، وجميع المعطيات السابقة لا تعطي الفرصة لقيام دولة في غزّة تبحث عنها الأخيرة في ظل خسارتها للجوار والإقليم أمام التمثيل الفلسطيني الشرعي الوحيد -بلا منازع- لمنظمة التحرير والسلطة الفلسطينية برام الله، ويبدو كما يُشاع في الإعلام أنّ هناك إجراءات عقابية جديدة تنوي رام الله تطبيقها قبل انعقاد المجلس، كتلك الأخبار المتعلقة بقطع الرواتب كليًا بعد أن تدرّجت نسبة صرفها منذ سنة ونصف من 70% إلى 50% لاحقًا، وجس نبض الشارع الغزّي بعد العقوبات -القائمة فعليًا- على أموال الوزارات والصحة وحصص الكهرباء وغيرها.

نقترب جميعًا من نقطة الصفر نهاية أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، وليس أمام حماس الآن إلا المبادرة بتقديم التنازل الأخير للرئيس عباس، وما على الناس إلا الاستعداد وحبس الأنفاس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد