في ما مضى وفي أيام الصبى كل شيء كان يبدو جميلًا بالنسبة لي، كانت براءة الطفولة تعتلي وجهي، كنت أرى الوجود نعمة، ولم أعلم أنه سيصبح نقمة، دائمًا كنت سعيدًا ألعب أركض ألهو ولا أبالي، أحيانًا كنت أشاهد الأفلام مع أن ظروف المعيشة كانت بسيطة، إلا أنني لم أعبأ بذلك كله، وكنت أظن أنني الوحيد في العالم الذي يملك جنة الدنيا وطبعًا كنت كذلك، كان الهدوء يعم بالمكان والسعادة تغمرني بين الحين والفينة، سكينة النفس وراحة البال الشعوران الوحيدان اللذان أعرفهما، ما لي ولشغل الكبار كانو يتحدثون عن فلسطين وأنها محتلة من قبل اليهود كم مرة وأنا صغير دعوت الله لفلسطين ودعوت على اليهود، ودومًا كنت أسمع منهم عن جبهة (SNM) وحروبها الدامية مع رئيس الدكتاتور محمد سياد بري رحمه الله رئيس الصومال سابقًا، وكيف كانت أحوال الصومال قبل سقوط الدولة المركزية الصومالية وانهيار البلد، ما زلت أذكر هذه الأبيات التي لا أعرِف صاحبها:

 

الصومال لنا لا لحبشة* عاشت ودامت أرضها للمسلمين
فلسطين لنا لا لإسرائيل* عاشت ودامت أرضها للمسلمين
الشيشان لنا لا لروسيا عاشت ودامت أرضها للمسلمين

لم تكن لدي ولا أدنى فكرة عن كل هذه الأمور وبالنسبة لي لم يكن الأمر مختلفًا عن الكلام العادي، مرة الأيام تحمل في طياتها ذكريات جميلة، في السّنِ التاسعة بدأت بمشاهدة الرسوم المتحركة في قناة سبيستون أول قناة للكرتون في العالم العربي في البداية لم أكن أهتم بالكرتون، ولكني كنت محبوبًا شغوفًا بمشاهدة أفلام البوليوودية ومسلسلات المكسيكية المدبلجة بالعربية مع أنني لم أكن أفهم عن اللغة العربية، إلا أنني كنت قادرًا على قِراءتها وكتابتها لأن مدرستي الأساسية كانت بالعربية، وبعد سنتين أصبحتُ أهتم بالكرتون فتنقلت بين القنوات، وخاصة «إم بي سي 3» و«سبيستون».

بعد ذلك تفاعلت مع لغة الضاد وليتني لم أفعل، تقول العرب الجهل نعمة، فبدأت رحلة التأمل، وكانت محطة مهمة في حياتي لأنني على ما أبدو أقبل على حياة جديدة، ومرحلة أخرى من عمري، مع أنها لم تكن مختلفة كثيرًا، إلّا أنني كنت أقرأ أحيانًا بعض الكتب مع قلة فهمي وخبرتي في هذه المرحلة عشت لا مباليًا أيضًا، أنهيت المتوسط وتخرجت في الثانوية وبعد ذلك ألتحقت بكلية الدراسات الإسلامية واللغة العربية في جامعة هرجيسا، وفي السنة الأولى كانت لدي بعض المشاكل مع نفسي، لهذا لم أكن أقرأ المقرر كثيرًا وكرهته؛ لأن جله كان ما درسته في المدرسة سابقًا، وطالعت بعضه في كتب التراث بالمجالات العلمية المختلفة في الحديث، والفقه، والأصول، والعقيدة، وكتب التراجم، والتاريخ، والسِير… إلخ.

وفي السنة الثانية تفرغت للقراءة والمطالعة ومع ذلك كانت هناك أمور ما زلت لا أفهمها في الحركات الإسلامية، وبالأخص الحركة السلفية التي تسيطر على بلدي جمهورية أرض الصومال بأكملها، وبدأت أفهم تدريجيًا في الفكر الوهابي، وما فيه من أفكار إرهابية قاتلة، وتناقضات جلية وواضحة كوضوح الشمس، أحببت فكر الحركة الدينية والسياسة «الإخوان المسلمين»، ورأيت فيها كيف تنسجم أفكارها ومبادؤها مع العقل، فأصبحت من الإخوان فكريًا لا عضوًا، وكرهت الفكر السلفي، فأصبحت لدي رؤيا دينية من منظور آخر.

وفي السنة الثالثة في السلك الجامعي بدأت الأمور تتضح شيئًا فشيئًا، وبدأ الضباب ينزاح عني، فتعلمت النقد والبحث والإنصاف، وصرت أُمَجِّد العقل، ولكني لم أقدمه على النقل، وفي آوخر السنة الثالثة وبداية العام الدراسي الرابع لم أكن أعرف ما يخبئه لي القدر، واصلت البحث، ورأيت في نفسي نوعًا من النضج العقلي، فبدأ كل شيء ينهار، وتختلط علي الأمور من جديد بعد أن تأملت كل شيء، وحاولت معرفة ما وراء الستار، فسألت نفسي ما هي حقيقة الحقيقة؟ من يحكمنا؟ ومن يسيطر علينا؟ ولماذا؟ لماذا أنا موجود أصلًا؟ لماذا أعيش؟ لماذا تريد دولتي أن تنفصل عن باقي الصومال الأزرق؟ لماذا ينصرف المجتمع الدولي بأعينه عنّا؟ ما هذه المشاحنات والأزمات السياسية في القرن الأفريقي وفي الصومال بالذات؟ ماذا بين الشباب الصوماليلاند، وبين شباب الصومال، لماذا يشتم بعضهم بعضًا بأقبح الشتائم والسباب؟ لماذا لا نتفاهم؟ أليست لغتنا واحدة وديننا واحدًا؟ ألا يمكننا أن نختلف سياسيًا وفي نفس الوقت نكون إخوة؟ اللعنة! بالله عليكم ما هذا؟ كيف نعيش؟

أسئلة لا تنتهي وليس لها أجوبة مقنعة في كل مجالات الحياة في السياسة في الأديان، وفي كل طاهرة في الحياة تقريبًا، دخلت في متاهات العقل وقضيت جل أوقاتي بين بطون الكتب، كتب الفلسفة، والمنطق، والعقيدة، والثقافة، والسياسة وأصبح لدي فهم عن الدّين خاصٌ بي ربما في بعض تفاصيله ليس في جملته، ولم أعد أرى الأشياء كسابق عهدها، لا في الفقه، ولا في الأحاديث، ولا عن فهم القرآن، ولا في كل شيء كان لديّ معرفة عنه ولو كانت قليلة.

حيث أعيش وكأن الزمن توقف، شباب بلا ثقافة، بلا مطالعة، ما قرأوا طيلة حياتهم ولا كُتيبًا واحد، أمة تائهة حائرة كسرة قناديلها فمشت في الظلام، مؤسسات دينية تدير من قبل رجال دين أصحاب لِحى كثيفة وعقول عفنة فهمهم للدّين سقيم، لديهم عين واحدة يرون بها النصوص، ويضعون بالأخرى عصابة عين سوداء كالقراصنة، ورجال العصابات في الأفلام.

حيث أعيش وكأن الزمن توقف، نعبد إلهًا اسمه القبلية، فهو ربنا الذي يرزقنا، ندعوه ونتوسل إليه، وهو الذي يشرع لنا في السياسة، وفي الدين، فما يراه هذا الإله حقًا فهو الحق، وما يراه باطلًا فهو الباطل، في هذه العقلية وتحت هذا النمط ذقنا ويلات التخلف، وتجرعنا سُمَّ الذل والهوان محليًا، وإقليميًا، وعالميًا.

حيث أعيش وكأن الزمن توقف، فكر ديني منغلق، وثقافة نجدية بدوية، أفكار ابن عبد الوهاب خرّبت البلاد والعباد حتى أكلت الأخضر واليابس، حركة الشباب المجاهدين والتي أُسَمِيها أنا الطاعون الأسود، ذبحت أبناء الشعب الصومالي وما زالت تذبح، أمثال «القاعدة»، «داعش»، «بوكوحرام»، ليست سوى نتيجة تطرُّفِ ديني.

كلمة أخيرة

يحكى أن أبا العلاء المعرّي، شاعر الفلاسفة، في قصته الأدبية الخيالية الشّهيرة دعا الله أن يعيد بصره يومًا، فأعاد الله بصره، فمشى أبو العلاء في الطرق وفي الأَحيَاء سعيدًا بعودة بصره متأملًا لكل شيء، لأول مرة في حياته رأى جيوشًا، وفرسانًا، والسيوف، والنبال، والدروع، والرماح، توقف معرّي وشاهد الجيوش، وبعد رحيل الجيش رأى المعرّي طفلًا يجلس بعيدًا يأكل من بقايا طعام، قتل الجيش أهله، كان خائفًا جدًا ترتعد فرائصه من الجوع والبرد، راقبه المعرّي جيدًا فرآه وحيدًا منكسِرًا سحقته الحياة، فاتكأ الطفل على صحيفة في وسط الحطام فنظر إلى السماء مستنجدًا بربه وقال «إلهي أنا لا أرى أهلي، ولكنك تراني».
ثم تمدد على التراب وتوسّد على خشبة وسط الركام فنام وإلى الأبد، بقي المعرّي يراقبه طوال الليل، وفي الصباح جاء رجل يمشي نحو الطفل، ومعه معطف، فحاول إيقاظه، ولكنه لم يستيقظ، فتيقن المعرِّي أن الطفل قد مات، فوقف أبو العلاء لبرهة، ثم دعا الله أن يجعله أعمى من جديد، فعاد كما كان لا يبصر، فلم يحتمل نفسه ثم بكى بكاءً شديدًا لما رآه من هول ومتاعب الدنيا، وقرأ قرءانًا من عنده فقال: «والقلب، وليال نهب، والسِّلم والحرب إنه لألم عظيم».

معك حق يا أبا العلاء، ليتني لم أولد! ليتني بقيت في العدم المطلق! ليتني كنت خارجًا عن الزمان والمكان، دعني أنشد بمقولتك الشهيرة «هذا جناه أبي علي وما جنيت على أحد»، آه يا حبيبي مع الأسف الشديد، حتمية اسمها القدر شاءت أن تضيف اسمي في قائمة المجهولين.
قال الفيلسوف الروماني إميل سيوران «الناس سقطوا في الزمن، وأمّا أنا فسقطت من الزمن»، إذا سقط إميل سيوران من الزمن فأنا لم أكن يومًا لا في الزمن، ولا في المكان.

الإنسان الصومالي صار مجهولًا منبوذًا بعد أن كان معروفًا محبوبًا؛ لأنه أصبح درويشا صعلوكا، بعضهم يعيش في المهجر غريبًا، وبعضهم يعيش في البلد خائفًا غير آمن.

وأما أنا فحكاية أخرى، من مستوى آخر، تجري في دولة لا وجود لها في الخريطة، تريد أن تنفصل عن باقي الصومال الأزرق اسمها صوماليلاند، أو جمهورية أرض الصومال، ولم تحصل في اعتراف دولي بعد، وتبحث عنه في أكثر من ربع قرنٍ، وما زالت تبحث عن ضالتها، باختصار شديد يمكنكم مناداتي بالغريب في الغربة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد