في حكم القانون، يجب أن يكون جميع المواطنين والسلطات العامة متساوين من أجل تحقيق مجتمع عادل. وُلدت القوانين من أجل ضمان حقنا في المساواة والعدالة، في مواجهة إساءة استخدام أي سلطة تهدد سلامتنا، والدفاع عن حقوقنا المشروعة والمسلوبة ضد الهمجية.

ولممارسة السلطة السياسية بطريقة صحيحة، يحتاج الإنسان، بالإضافة إلى التحضير الفكري الجيد، إلى سلسلة أخرى من الشروط، من بين أمور أخرى روح العمل المصممة للصالح العام.

كتب جيمس ماديسون، رئيس الولايات المتحدة: «إذا كان الرجال ملائكة، فلن يكون من الضروري فرض ضوابط خارجية أو داخلية على الحكومة. ولكن بما أننا بشر، فقد تم إنشاء سلسلة من السلطات، لمحاولة السيطرة على التجاوزات المحتملة مثل: السلطات التنفيذية، والتشريعية، والقضائية، ومع ذلك، فإن هذه السلطات الثلاث، غالبًا ما تستمر، على المدى الطويل، وتسيطر عليها الحكومة في السلطة، وبواسطة المعارضة، الذين يسيطرون على عضوية هؤلاء القضاة، في أحزابهم السياسية».

لكن دعونا لا نخدع أنفسنا، في الواقع تبقى هذه الحقوق فقط حبر على ورق، بعيدة عن الدستور. قد جعلوا من هذه القوانين حجر أساس لبناء مجتمعٍ لسنا جميعًا متشابهين. في أزمة كورونا أزيح الغطاء ليكشف لنا عن سوء استخدام السلطة لبعض المسؤولين، الذين تصرفوا بدون مسؤولية مهنية ولا أخلاقية. الانتهاكات الرئيسة للسلطة السياسية هو اضطهاد الأفكار السياسية والثقافية والدينية، وهي نموذجية للأنظمة الشمولية والملكيات المطلقة للعصور القديمة، والتي مارست السلطة الاستبدادية، وكلفت البشرية خسائر لا تعد ولا تحصى في انتهاكات حقوق الإنسان.

الإكراه السياسي نوع آخر من تجاوزات السلطة، كما قال ماكس ويبر: الدولة هي الوحيدة التي لديها شرعية العنف الجسدي المشروع لذلك، يستخدمه في ما لا نهاية من النزاعات الاجتماعية، من تهديدات وقمع وقيود مفروضة على الحرية ومنع المواطنين من ممارسة حقوقهم كحرية التعبير والتظاهر والنقابات.

إذا كانت الهيئة العامة هي التي تحدنا فسنضيع لأننا أمام القاضي لن نكون في ظروف مادية للدفاع عن أنفسنا؛ لأن النظام القانوني يتركها في مصلحة. إذا قام ضابط شرطة مثلًا بفرض عقوبات خاطئة علينا على الطرق العامة وأردنا الطعن في الغرامة، يمكننا نسيانها، لأن كلمته تساوي أكثر من كلمتنا، بينما يجب أن تكون كلمتنا موضوع إثبات. بمجرد أن يصبح حازمًا إداريًا، يكون قابلًا للتنفيذ بالفعل وتغريمنا حتى ولو كان عن طريق الخطأ، عندما يكون المواطن، ينتهي الملف. ويمكن للخزانة الاستيلاء مباشرة على أموالنا من حساب مصرفي دون وصاية قاضٍ. أتساءل، أين هي حقوقنا الأساسية؟ إذا كانت مقيدة بشكل صارخ بسلطة عامة بعيدة كل البعد عن تقديم خدمة تحد من قدراتنا، ويبدو المواطن أشبه بالعدو من الذي يخدمه، وتضخم الدولة نفسها متناسية غرضها الأساسي، خدمة المواطن.

في الولايات المتحدة، الدولة التي يبلغ عدد سكانها أكثر من 200 مليون نسمة، يفترض أن كلمة المواطن وكلمة ضابط الشرطة صحيحة بالمثل، وأمام القاضي سيكون للبيانين نفس القوة الإثباتية، ولكن ليس في وطننا العربي.

فدمج سلطة المال وسلطة السياسة مع القوانين التي تمنح الامتيازات للسلطات العامة، تقودنا إلى الضياع، بسبب أي إساءة من قبل الإدارة، ولكن هذا ليس مفاجئًا لأن هذه القوانين تم إنشاؤها من قبل أولئك الذين استغلوها للاستفادة، لتكون السيادة السلطوية فوق السيادة الشعبية.

من الواضح أن الديكتاتوريات والأنظمة الاستبدادية قاسية وتسيء استخدام السلطة، وفي مختلف الديمقراطيات الزائفة، والديمقراطيات الناشئة، ويرجع ذلك إلى نقص التنمية في المجتمع بشكل عام، لثالوث الخير والجميل والحقيقة الكلاسيكية، (كليات الروح). كما يرجع أيضًا إلى عدم وجود تعليم حقيقي للمجتمع؛ لأنه إذا لم يتم تطوير هذه الكليات (الفضائل) في السنوات الأولى للإنسان، فإن ما يسود في وقت لاحق سيكون رذيلة. وإذا تم تثبيت الرذيلة في السلطة، فلا يبدو من الصعب التنبؤ بآثارها، أحدها دائمًا إساءة استخدام السلطة والاستبداد. قال أفلاطون: إنه يجب إعطاء السلطة فقط لأولئك الذين لا يريدونها. دعونا لا ننسى هذه الحكمة للفيلسوف، لأنه من المعروف جيدًا أن ما يريده الجهل الشرير، والجهل هو القوة كآلية نفسية للتعويض.

يضيع المواطنون بسبب إساءة استخدام السلطة العامة التي تعرف أنها في المركز المهيمن في اللعبة، وتحد من حريته وحقوقه دون تكلفة أو نتيجة. في العصور الوسطى كانت السلطة تمارس بشكل تعسفي من قبل اللوردات الإقطاعيين، والآن في القرن الحادي والعشرين، لا تزال هذه القوة التعسفية موجودة في الإدارات. كانت هناك ثورات لحقوق الإنسان، وحربان عالميتان، وإعلانات عالمية، ودستور يتم فيه الاعتراف بالمساواة، لكن ما زال وكما سبق الذكر حبر على ورق.

يوجد نوعان من السلطة:

سلطة الحب: كخدمة (محترمة، متسامحة، عقلانية) وهو سلوك ظهرت معالمه في أزمة كورونا، ففي المغرب مثلًا نجد القائدة حورية، تلك المرأة الحكيمة، التي اختارت التحدث بلغة بسيطة ليفهمها الجميع، مستعينة بسلطة الحب لكل الفئات العمرية، والتقرب من المواطن وفهمه، لتوصل له فكرتها بطريقة سلسة، فيحصل الانسجام والتفاهم بينهما، وتصل الرسالة كاملة لمتلقيها بكل حب وتقدير. و«رجل سلطة آخر قصد مجموعة من المواطنين كانوا يلعبون كرة حديدية، ليعطيهم درسًا في المواطنة والأبوة».

سلطة الخوف: كسلطة وقيادة (مسيئة، غير متسامحة، غير عقلانية). ما تداوله نشطاء على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، لشرائط فيديو، موثيقين الأحداث، لبعض أعوان ورجال السلطة القايدة غيثة.. يعنفون بعض المواطنين، بالركل، أو بإلقاء سلعهم على الأرض وإتلافها أثناء خرقهم لحالة الطوارئ أو الحجر الصحي. وهو شطط في استعمال السلطة، وانتهاك للكرامة، وتعريض للتعذيب، وكون ممثل السلطة يكون محصنًا بالقوانين، إلا أنه يتلذذ بتعنيف وسب الناس في الشارع لأتفه الأسباب، وجميع الأفراد، الذين تعرضوا للعنف من طرف بعض رجال السلطة، لم يظهروا أية مقاومة كانوا أكثر سلمًا واستسلامًا.

في الصين وإيطاليا الحجر الصحي كان أشد من المغرب. وبالرغم من ذلك لم نر هذه السلوكيات من طرف رجال السلطة هناك. فالضغط والعمل لا يجب أن يكون مبررًا لخرق القوانين. وليس من حق أفراد السلطة ضرب وجرح المخالفين. فهناك مساطر قانونية يجب تتبعها، من خالف القانون يجب اعتقاله، بلا ضرب ولا جرح ولا إهانة. فالمحكمة هي من تحدد العقوبات طبقًا لنوعية المخالفة. إن استغلال النفوذ والتسلط هو ما يهدد مصداقية القوانين وسلامة المجتمع بأسره. يجب أن يتدرب أفراد السلطة على القانون أولًا، قبل أن تمنح لهم الخدمة أو العمل فيه؛ مما يعني ذلك، يعامل المذنب معاملة إنسانية والجرم معاملة قانونية. وجدير بالذكر أن الدستور المغربي كان صارمًا في الفصل 22 أنه «لا يجوز المس بالسلامة الجسدية أو المعنوية لأي شخص، في أي ظرف، ومن قبل أية جهة كانت خاصة أو عامة».

لا يجوز لأحد أن يعامل الغير تحت أي ذريعة معاملة قاسية أو لا إنسانية أو مهينة أو حاطة بالكرامة الإنسانية. ممارسة التعذيب بكافة أشكاله، جريمة يعاقب عليها القانون.

أي نوع من السلطة تسود في مجتمعنا؟ في الضوء يبدو أن سلطة الخوف هي الأكثر انتشارًا، والغرض منها هو السيطرة والقيادة، من الأسرة، المدرسة، المؤسسات إلى بعض المسؤلين في الدولة. وفي هذا الصدد، قالت المعلمة ماريا مونتيسوري: إذا لم تكن هناك سلطة، فإن الأطفال ليس لديهم اتجاه؛ ولكن ما هي السلطة التي كانت تقصدها؟ كل معلم حقيقي يعرف: سلطة المحبة، إذًا الأطفال والمراهقون يعترفون بهذه السلطة فقط، ويتمردون ضد سلطة الخوف، باعتبارها غير عقلانية وغير متسامحة. دعونا نرى بعض خصائص هذين النوعين من السلطة:

سلطة الحب: تمارس مع الشعور بالمسؤولية والاعتبار تجاه الآخرين.

– تتميز بالشجاعة والاحترام لكل إنسان، إنها تحررية، تضامنية، أخوية، بدون تسلسل هرمي.

– إنها تأتي من الإنسانية والاعتراف بحقوق الإنسان.

– تولد احترام الذات وحب الحياة.

– تبدأ في الظهور في المجتمعات الكبيرة، حيث يتساوى الجميع في الحقوق والواجبات.

سلطة الخوف: يتميز بسوء استغلال السلطة وازدراء الدونية وعدم احترام الآخر.

– إنها استعباد واستبداد، وتتمحور حول الذات الفردية والتسلسل الهرمي.

– تولد عقائد الذنب والدونية، والمخاوف، والصراعات، وازدراء الحياة.

– إنه نموذج للمجتمعات التي تسود فيها الدونية والطبقية، دون حقوق إلا بالواجبات؛ لكنها وجدت أيضًا في المجتمع الحديث كسلطة ديماغوجية تحت ستار حامي.

جائحة كورونا كطبق من دهب لبعض الهيئات السلطوية، التي عملت إلى غلق الفضاء العام من خلال إشاعة حالة من الخوف والرُّعب والترهيب، لتفكيك المجتمع وعزلة، وفرض تقنيات المراقبة والتحكم والسيطرة. عملية ليست وسيله من أجل غاية، بل هي جوهر الاستبداد نفسه، والهدف السياسيّ الأعلى منها هو جعل أفراد مجتمع ما في حالة دائمة من الخوف والامتثال للسلطة الواحدة المُطلَقة.

محنة كورونا، فرصة لإعادة الثقة بين ممثلي السلطة، والشعب. والعمل على أن يفهم كل منا الرسالة، العدو واحد، جائحة خلفت آثارًا نفسية واجتماعية واقتصادية، فعوضًا عن استخدام العنف بإمكانهم أن يلجأوا إلى الحوار البناء. أليس من أخلاقيات المهنة احترام كرامة الإنسان؟

تحية إجلال وتقدير لكل الساهرين على سلامة الشعب من (أطباء وممرضين، والنظافة، ورجال السلطة والوقاية المدنية والأمن)، والذين كان وجودهم إنسانيًا وأخلاقيًا أكثر منه ترهيبًا أو تعسفيًا. هؤلاء هم الأبطال الحقيقيون ومطلوب منا أن نساعدهم بشيء واحد احترام حالة الطوارئ. إن الثقافة فرديّة بينما الحضارة جماعيّة. ولا يمكن لدولة أن تَثْبُت دون ثقافة تتغيّر، ولا يمكن لثقافة أن تتغيّر دون أن تتحرّك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد