فى البداية, هذا إهداء للبنات المقهورة في اختياراتها وفي حياتها, إهداء للبنات المجبرة أن تتنقل من طاعة أوامر أبيها دون اقتناع أو شورى إلى  طاعة أبدية دون رؤية ولا بصيرة في بيت زوجها, وأعز إهداء للبنات القليلة التي  تصمد وتقاوم وتختار وتعيش حياتها تماما كما تمنت من صغرها وتدفع ثمن تلك الخيارات نظرات وتوبيخ وقيل وقال.

تبدأ معاناة البنت فعليا بمجرد وصولها لسن الخامسة عشر, ولو حضرتك في قرية ريفية مُحافظة أكثر تبدأ معاناة البنت قبل ذلك لتنهي كل ما كانت عليه ألعابها، خروجها، صوتها العالي، كل هذا ينتهي في لحظة ويبدأ الجلّاد في الحساب لتتحول العلاقة من علاقة طفلة مرتبطة بأمها وأبيها لمجرد خادمة تنفذ وتجيب رغباتهم وتطلعاتهم فيها, أعلم تمام العلم أن هناك بيوتا عافاها الله من هذه الأمراض، ولكن أوجه رسالتي للذين يتشبث المرض بقلوبهم حتى الآن!!

فيتحول اهتمام الأم راديكاليا دون أي تدرج بعد أن كانت حياة الطفلة كلها مليئة بالعرائس اللعبة وكراسات الرسم والألوان التي تعبّر بهما عن أي حدث تمر به حتى لو كانت تسىء الرسم، فلم تجد وسيلة سوى ذاك، ومتابعة كرتون بابا وماما السحريين وتمني السفر وطواف العالم، فكل ذلك يتحول دون أي علم أو إحاطة بها إلى أوامر حتمية التنفيذ، تبدأ: (البسي جيبة وإنتي نازلة، متهزريش مع أخوكي كده عيب)، (مش عايز صوتك يعلى واحنا في الشارع، مفيش بنت محترمة من عيلة تضحك بالشكل ده في المواصلات, اعملى حاجز بينك وبين اللي يقف جانبك، لو شاب اتعرضلك في الشارع بلفظ أو فعل اتركيه واستكملى السير حتى لا يلاحظ أحد المارين ما حدث), (إياكى تحكى ما تعرضتى له لأقرب صديقاتك حتى أنا, لا تحكي لي فلا أريد أن أعرف، ما تعرضتي له احتفظي به داخل حدود نفسك ويُفضل ألا تفكرِي به حتى بداخلك لأنه لا يقدم ولا يأخر في شيء، عليكِ تقبلّ الوضع العام إنتي مش هتصلحي الكون).

فكل هذه الصياغة تأتى على هيئة أوامر مجملة دون تفصيل ولا طرح الأسباب، فليس هناك مساحة لكل ذلك فالأحرى أن تسمع البنت وتنفذ بالحرف الواحد دون أن تسأل كيف أو لماذا؟ لكن عليها تنفذ فعليك أن تتخيل فقط تخيل نفسك ليوم واحد تتعرض لكل هذه الضغوط والقيود بشكل يومي فكيف تتصرف، كيف تواجه، وكيف تنسحب وكيف تتعامل مع أصدقائك بشكل سوي؟

فوالله كل هذه الأوامر والتسلطات هيّنة جدا بالنسبة لما هو قادم. فكل هذا من الممكن أن ينتهي عندما تنتقل البنت من بيت أبيها وأمها إلى  بيت الرجل الذي يفهمها ويقدّر حقوقها وحريتها الشخصية، ويعطي لها المساحة المستحقة في القرارات والاختيارات التي  تناسبها, ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، فتصادم البنت بعد عودتها من يومها الطبيعي في الجامعة: “جهزى نفسك بقى النهارده كويس إنك حضرتي باكرا، عشان عندنا ضيوف مساء، عايزين يشوفوكي”, تتذمر البنت وتتردد بداخلها (شاب، وأمه نفسه تجوزه، فجاية معاه تعاينله البضاعة اللي هياخدها). أثناء وقت انتظار حضورهم تجلس البنت في الغرفة تتذكر مِنْ وهي قبل الكلية لما والدتها كانت بتجيب جهازها وتحضيرات العرس من قبل بسنوات دون أن    تخبرها بماذا يحدث غدا وما يخبئ لها القدر، فكانت البنت وظلت لا تفكر في الزواج بهذا السن ولا بتلك الطريقة أبدا، فظلت تعلن براءتها واستحسانها للأمور في وقتها وتمنت أن يرجع بها الزمن لتوقف أمها وتمنع شراءها لاحتياجاتها التي  لن تحتاجها الآن.

فكيف لفتاة أن تكمل حياتها مع شاب لا تعرف عنه شيئا، لا تعرف فيما يفكر، ما اهتماماته، ماذا يحب وماذا يكره وماذا يصنع بوقت فراغه، والأهم، كيف يتعامل معها، هل يقرّر وهي تنفذ، هل يحبسها بالمنزل طيلة اليوم، هل سيساعدها لاستكمال أحلامها، أم يقضي هو على بقية أحلامها، فكل هذه الاسئلة تصبح كفيلة في أن تكره البنت فكرة وسلوك الزواج كوضع اجتماعى وأسري فيما بعد. فكلامى هذا لا يعني أن كل الزيجات الخاصة بالفتيات تشترط وجود تعارف مسبق على الشاب، ولكن يكفي فقط أن تعطي لها المساحة المطلقة في القبول والرفض أن تعطي لها المساحة في اخيتار من الذي يستحق أن تستكمل معاه بقية حياتها, لا تقض على أحلامها وطموحاتها بكلمة، اليوم قدم إلينا عريس مناسب لك كامل من مجاميعه: الشقة والوظيفة والعربية والسفر للخارج، هيهنيكي ويستتك في البيت. فلم تتخيل أنت هذه الكلمة تأتي بمثابة سيف على رأس ابنتك لتقضي على بقايا روحها التي تعيش بها.

كلمتين على الهامش عن تجربة الفتاة التي  تصمد وتقاوم ولا تتخاذل في حياتها الشخصية وليس كل همها أن توقع فلان، العريس المناسب في شباكها، وتحلم أن تحصل على شهادة وتعمل وتطوف العالم وتحصل على حقوقها ومع كل هذا تحافظ على اتزان العلاقة بينها وبين أسرتها ما استطاعت إليه سبيلا، ولا تلقي بالا ولا قلبا بإسقاطات معتادة. “هنفرح بيكي إمتى, ها انتي ناوية تقضي حياتك كلها جنب بابا وماما في البيت، أخرك بيت جوزك مهما فزتي ورب الكعبة”

الشاب الذي يتعب ويجتهد ويعتمد على نفسه في اختياره لشريكة حياته ويتحمل قدرها معاه، ولا يترك نفسه ولا عقله ولا قلبه لأمه تختار له ما يناسبها هي من وجهة نظرها وقناعتها، فالذى يُرزق بفتاة تكمل معه طموحه وأحلامه وتثق به لدرجة أن تسلّم له بقية عمرها وسنينها القادمة، تستحق أن يحافظ عليها ولا يحرمها من أحلامها وما تمنت نظرا لوساوس رجولية موجودة عندنا جميعا معشر الذكور، فالغيرة وحب الامتلاك إذا لم تستطع التحكم بهما، سيدمران كل ما لك من اختيارات، فضع الفاصل بين غيرتك الشخصية وبين أحلامها، وقرر أيهما أولى أن ينتصر.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد