في خضم التحليلات عن الشأن التركي، والتي لا شك ستصيب كثيرًا من المتابعين بالتشوش لغزارتها وكثرتها، فكرنا في أن نضع خريطة عامة وصورة مختصرة تكون كالتمهيد لكل ما سواها من التحليلات، فالله المستعان.

أولًا: جذور تاريخية

  1. دخل جنس الترك في الإسلام مع فتوحات قتيبة بن مسلم الباهلي في العصر الأموي.
  2. بزغ نجم الأتراك في التاريخ الإسلامي منذ التحول السياسي الذي صنعه الخليفة العباسي الثامن المعتصم بالله، إذ استكثر من اتخاذ الجند الأتراك بعدما شعر بأن ولاء العسكر الفارسي ليس خالصًا له.
  3. حمل القادة الأتراك عبء الجهاد وحققوا بطولات كبيرة، لكن لم تمض فترة طويلة إلا وسيطروا على الحكم وصار الخليفة في حكم الأسير التابع لهم فيما يُعرف بدولة الترك أو العصر العباسي الثاني.
  4. ولكن ضعف الخلافة العام ووقوعها تحت سيطرة «البويهيين» (عسكريون شيعة، سيطروا على العراق وفارس وطبرستان) لم ينته إلا بوجود دولة سنية قوية تركية أيضًا هي دولة السلاجقة.
  5. حققت دولة السلاجقة إنجازات تاريخية عظيمة للمسلمين، أبرزها معركة ملاذ كرد في أواسط القرن الخامس الهجري، حيث استطاعت ولأول مرة أسر الإمبراطور البيزنطي، وحكمت مساحة هائلة تمتد من وسط آسيا وحتى أواسط الأناضول، وتشمل فارس والعراق والشام.
  6. لما ضعفت الدولة السلجوقية انقسمت إلى أربعة أجزاء، كانت دولة سلاجقة الروم التي تعيش في الأناضول هي الأطول عمرًا، وهي التي حققت إنجازات مهمة في التصدي للحملة الصليبية الأولى، ثم هي التي ولدت فيما بعد أقوى دول الترك قاطبة: الدولة العثمانية.
  7. عند أواخر دولة سلاجقة الروم أعطى سلطانها لجد العثمانيين ولاية على مشارف الدولة البيزنطية، فقام هذا الأخير بواجب الجهاد خير قيام حتى لمع نجمه، وما أن اشتد ساعده حتى كانت دولة سلاجقة الروم تتهاوى، فورث قوتها وسيطر على أراضيها وبدأ وسلالته جهادهم الكبير الذي حقق حلم المسلمين المتأخر ثمانية قرون (فتح القسطنطينية)، ثم انساحت الدولة العثمانية تفتح الشرق الأوروبي حتى توقفت أمام أسوار فيينا، وتولت حماية المسلمين في أربع جهات: شرقًا ضد أوروبا، وشمالًا ضد الروس، وجنوبًا عند خليج العرب وعدن والهند ضد الإسبان والبرتغال (الذين بدؤوا الالتفاف على العالم الإسلامي في عصر ما يعرف بالكشوف الجغرافية)، وغربًا في البحر المتوسط ضد مطامع أوروبا في الشمال الأفريقي.
  8. وسقطت الدولة العثمانية الكبيرة بعد خمسة قرون وإنجازات ضخمة، وبعد مؤامرات كثيرة كان ختامها الحرب العالمية الأولى، وتصعيد طبقة عسكرية علمانية نفذت في تركيا أكثر عمليات التحول إلى الغرب شراسة وعنفًا على يد مصطفى كمال أتاتورك الذي ألغى الخلافة واحتفظ بحدود تركيا الحالية ونزع الإسلام عن نظامها السياسي والاجتماعي.

وخلاصة هذا التاريخ أن الأتراك قوم لم ينقلهم من البداوة إلى الحضارة إلا الإسلام، ولا يعرفون فكرة ولا انتماء حقيقيًا غيره، وهو انتماء عميق لم يستطع حتى أتاتورك محوه من النفوس بل صار جزءًا من الهوية الذاتية للتركي وإن لم يكن يصلي أو يصوم أو يشرب الخمر، وشعارات الدولة العثمانية وكثير من عاداتها حاضرة بقوة حتى الآن. فالإسلام هو روح الأتراك وهويتهم العميقة التي تتجدد عند كل لحظة.

ثانيًا: تاريخ تركيا المعاصر

  1. بدأ الصراع في تركيا المعاصرة منذ ألغى أتاتورك الخلافة وانسحب بحدود السلطنة إلى حدود تركيا الحديثة ونفذ الحملة الشرسة لإخراج الإسلام من حياة الأتراك، وفي سبيل هذا سُفِكت دماء عشرات الآلاف من البشر، ومنذ تلك اللحظة اختفت تركيا من ساحة القوى الدولية واتخذت موقف السياسة المعتزلة المنكفئة على أحوالها الداخلية.
  2. لكن موقع تركيا العجيب لا يسمح لمثل تركيا أن تكون معتزلة على الحقيقة، فتركيا تقع على:

– مضيق البسفور الذي هو المنفذ الوحيد للبحر الأسود إلى العالم، أي أن روسيا العظيمة الحجم لا تستطيع الوصول إلى المياه الدافئة (البحر المتوسط) إلا عبر البسفور، كما أن أحدًا لا يستطيع غزو روسيا أو الوصول إلى ساحاتها العظيمة من طريق البحر إلا من البسفور. والبسفور يتلوه مضيق جوليبالي أيضًا (والذي كان مركز الأسطول البحري العثماني)، وهما معًا الطريق الذي لا بد أن تسلكه السفن ذهابًا وإيابًا من وإلى أوروبا.

– ملتقى البحار الأربعة: الأسود والمتوسط ومرمرة وإيجة، مما جعل إسطنبول تتمتع بحياة جغرافية طبيعية تجعلها المدينة الأنسب لتكون عاصمة العالم.

– ملتقى الصراع بين المشاريع الحضارية الكبرى، وبدا هذا في وقوع تركيا كخط النار الأول بين المعسكر الشرقي بقيادة الاتحاد السوفيتي والمعسكر الغربي بقيادة الأمريكان.

لكل هذا – وغيره مما لا مجال لذكره الآن – لم تستطع تركيا أن تنعزل، بل صارت جزءًا من المعسكر الغربي والمخلب الأول له أمام الاتحاد السوفيتي، فدُعِمت دائمًا غربيًا لتكون نموذجًا للبلد التابع للغرب، وذلك من خلال إدخالها إلى الناتو وربطها بالاتفاقيات العسكرية والأمنية لكن بغير إدخالها إلى الاتحاد الأوروبي أو السوق الأوروبية المشتركة. ومنذ سقط الاتحاد السوفيتي أهمل الغرب تركيا إهمالًا كاملًا في هذه الملفات.

  1. ما نفذه مصطفى كمال أتاتورك بتأسيس دولة قومية علمانية أنتج كثيرًا من المشكلات الجوهرية في بنية الدولة؛ الأولى مع الإسلاميين، والثانية مع غير المحسوبين على القومية التركية كالأكراد والعلويين والجيوب الباقية من الأعراق الأخرى التي حفلت بها الدولة العثمانية. هذا فضلًا عما ينتجه أي نظام عسكري من فساد واستبداد يصنع توترات عرقية ودينية واجتماعية، حتى وُصِف الشعب التركي بأنه «الأمة الغاضبة» كما هو عنوان دراسة الباحث التركي كيريم أوكتم.
  2. كان الحل الأتاتوركي هو القهر والقمع بلا حدود، لكن ما أن ضعفت قبضة الأتاتوركية في مطلع الخمسينيات وصارت تركيا نقطة صراع بين الشرق والغرب حتى صُنِع لتركيا نظام جديد: ديمقراطية وتعددية حزبية مظهرًا من مظاهر تبعيتها للنظام الغربي لكن تحت هيمنة عسكرية تمنع وصول الإسلاميين أو تنقلب عليهم إذا وصلوا، وحيث إن الإسلام هو روح تركيا فقد عرفت تركيا بأنها بلد انقلاب كل عشر سنوات، إذ وقع فيها انقلاب 1960، ثم 1971، ثم 1980 (وهو الأكثر دموية) ثم صار يتأخر قليلًا فجاء 1997 (بعد 17 سنة) ثم محاولة الانقلاب الأخيرة بعد 19 سنة (2016م). وفي كل انقلاب يعود الجيش لثكناته بعد ترتيب شأن السياسة بما يجعلها تحت الهيمنة العلمانية العسكرية.
  3. وأما بالنسبة للمحسوبين على غير العرق التركي فقد كان الحل نفسه: القمع والقهر وتنفيذ المذابح والقصف التي تصل إلى مسمى حروب الإبادة، ولذلك ظلت المشكلة الكردية مشكلة مزمنة، إذ العقلية التركية القومية العلمانية لا تعترف مجرد اعتراف بكون أولئك يمثلون أقلية لها حقوق، ثم إن وجودهم في أطراف البلاد ساعد على مزيد من مظالمهم بارتكاب المذابح أو بحرمان هذه المناطق من التعليم والصناعات ووسائل الحياة، بما جعل الانقسام العرقي معبرًا أيضًا عن انقسام طبقي، فشاعت فيهم الحِرَف والمهن البسيطة، كما ترسخت لديهم قوة غضب مكتومة تبحث دائمًا عن الانفجار.

ويقال الكلام ذاته وإن كان أخف وطأة على الصراع السني العلوي، ففي تركيا أقلية علوية كبيرة، ووصف الصراع بالسني العلوي أو وصفه بالمذهبية فيه تجوز كبير، لأن الطرف «السني» ليس إلا علمانيًّا، لكن الهوية الموروثة هي ما تجعله يسمى بالسني الحنفي.

فخلاصة التاريخ الحديث: أن تركيا تحولت إلى ساحة ملتهبة بين الاتجاهات الحضارية الإسلام والعلمانية، وداخل العلمانية بين الاشتراكية والرأسمالية، وسياسيًّا بين العسكر والديمقراطية، وعرقيًّا بين الأتراك والأكراد ومعهم بقية الطوائف، واجتماعيًّا بين طبقة الحكم المتنفذة والكائنة حول العسكر والنخبة المدنية العلمانية وبين الجماهير القروية البسيطة المتدينة. (وذلك أن سائر التصنيع في المرحلة الأتاتوركية وما بعدها تركز في المناطق المدنية كأنقرة وإسطنبول).

ثالثًا: المحيط التركي

كان الخطأ التاريخي للدولة العثمانية أنها لم تتعرب وظلت لغتها التركية، وقد انتبه مفكروها لهذا الخطأ في مرحلة غروب الدولة وكيف أنهم لم يستطيعوا كسب ولاء الشعوب المفتوحة في أوروبا الشرقية كما فعل العرب، وكانت نداءات المصلحين في اللحظات الأخيرة هي ضرورة تعرب الدولة العثمانية لكن كان الانهيار أسرع.

ومن آثار هذا أن المحيط التركي كله كان معاديًا لتركيا، بعض ذلك موروث من العثمانيين وبعضه من فترة القومية الأتاتوركية، فجورجيا وأرمينيا وروسيا وبلغاريا واليونان تحتفظ بعلاقات عدائية مع تركيا الحديثة منذ زمن العثمانيين، فلما جاءت حقبة الدولة القومية زادت على ذلك عداوة العراق وسوريا (اللتيْن نشأت فيهما دولة قومية عربية تعادي الأتراك كذلك)، وأما إيران فهي تجمع العداوتين: العداوة القديمة منذ العهد الصفوي وهي العداوة التي زادت بتمكن المذهب الشيعي ورسوخه، والعداوة الحديثة القومية التي ترفع شعار القومية الفارسية أمام القومية التركية.

ولهذا فإن صانع السياسة التركي العلمانية لا يجد أمامه أي عمق إستراتيجي لتركيا، ومن هنا قامت نظرية أحمد داود أوغلو على «تصفير المشاكل» ومحاولة تجاوز العداوات القائمة بإنشاء شبكات من المصالح الاقتصادية وما أمكن من العلاقات الثقافية لا سيما وقد جاء في المرحلة التي أهمل فيها الغرب تركيا تمامًا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.

ليس هذا فحسب، بل إن المحيط التركي زاخر بالملفات الساخنة المستعدة للانفجار، فعند الحدود التركية تتركز مشكلات الأقليات والطوائف والعرقيات التي لطالما اضطُهِدت وأهينت في العصر الأتاتوركي، وأبرزهم الأكراد والعلويون، مما يجعل البيئة السياسية بيئة خصبة لصناعة المشكلات، إذ تستطيع الأطراف الدولية بقليل من المال والسلاح وربما بعض الدعم السياسي خلق مشكلة عويصة لصانع السياسة التركي. وقد حاول حزب العدالة والتنمية أن يخفف من هذه المشكلات ونجح في هذا كثيرًا، إلا أن وجود أزمات تاريخية عميقة جعل من السهل تجدد هذه النزاعات والمشكلات بمجرد وصول المال الإماراتي والسلاح الروسي وبعض الدعم السياسي الغربي للحركات الانفصالية الكردية.

لهذا كله فإن صورة الأوضاع التركية هي من أصعب وأعقد ما يمكن أن يقابل صانع السياسة، لا سيما إن كان إسلاميًّا تحدوه أشواق العثمانيين فيقابله واقعه الضعيف أمام القوى الكبرى، تحدوه أشواق أن يتفرغ للتأسيس والنهضة ولا يسمح له الموقع الجغرافي وما يفرضه من تحديات سياسية لا بعزلة ولا تفرغ، ينحو إلى الانسجام الداخلي فتقابله التوترات والأزمات العرقية والمذهبية والفكرية وتراث أتاتورك العلماني القومي، يريد أن يتخذ لنفسه قاعدة جماهيرية من الإسلاميين لكن بغير أو برغم وجود قوة العسكر العلماني المتأهب، يحاول صناعة عمق إستراتيجي له لكن يصطدم بحدود معادية وعندها بيئة متوترة.

ولهذا كله نقول: إن المعركة في تركيا قد بدأت ولم تنته، وإن كانت تركيا الآن في وضع جديد تمامًا، فهذا هو أول انقلاب فاشل على سلطة مدنية، وهذه هي أول سلطة مدنية استطاعت أن تمتلك من القوة ما تؤسس به لعهد جديد.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
s