كان سامى الدروبي سفيرًا لدولة الوحدة المصرية السورية  في بلجراد، عاصمة يوغوسلافيا، وعندما وقع الانفصال، تم اختياره سفيرًا لسوريا في مصر، وعند تقديم أوراق اعتماده لجمال عبد الناصر بكى وأبكى الجميع.

في 21 فبراير (شباط) 1958 أعلن وزير الداخلية المصري عبد اللطيف البغدادي نتائج الاستفتاء الذي أجرى في مصر وسوريا على قيام وحدة اندماجية بينهما، وعلى شخص رئيس تلك الدولة، وكانت النتيجة كاسحة (96 % للدولة، 98 % للرئيس)  وإن كانت متوقعة؛ لما لهدف الوحدة العربية من قبول، وكذلك زعامة عبد الناصر، والتي كانت بلا منافس، وفي اليوم التالي كان مانشيت جريدة الأهرام، وباللون الأحمر: دولة عظمى قامت في الشرق.

بعد حرب 1956 ونتائجها السياسية الكبيرة، وأهمها: بروز دور مصر وتثبيت زعامة عبد الناصر، كان هدف الوحدة العربية بأي شكل من الأشكال مسألة وقت لا أكثر، وهو ما عبرت عنه مظاهرات الشعب السوري وقتها، والتي كانت تردد: بدنا الوحدة باكر.

لكن تلك الوحدة الأولى لم تستمر سوى ما يقرب من ثلاث سنوات ونصف، حين وقع الانفصال في 28 سبتمبر (أيلول) 1961 وبعدها أصبحت الوحدة مستحيلًا رابعًا – بعد الغول والعنقاء والخل الوفي – بل أصبح  وجود الكيانات والدول العربية مهددًا، وعلى كف عفريت، وأصبحنا جميعًا – كعرب – ننتظر الفصل الثالث من خطط التقسيم منذ سقوط الخلافة العثمانية أوائل القرن العشرين.

كانت الوحدة بين مصر وسوريا تتخذ لنفسها شعار أنها: وحدة ما يغلبها غلاب، لكن الذى حدث أن الغلاب غلبها، ولم يكن ذلك نتيجة مؤامرة خارجية، بل كان ذلك الغلاب” من الداخل وبطريقة ليس أسهل منها.

كانت البداية – وبغض النظر عن الشعور الشعبي – عندما اتفق قادة أفرع الجيش السوري على أن أفضل حل لخلافاتهم السياسية هو تسليم البلد لزعامة جمال عبد الناصر، وكان هؤلاء القادة منتمين حزبيًا وعقائديًا، وكانوا يحملون خلافاتهم ورؤاهم داخل معسكرات الجيش؛ مما أضعف الدور القتالي له، حيث كان كل واحد منهم حريصًا على الاحتفاظ بوحدته العسكرية داخل العاصمة، وكانوا يقضون لياليهم مفتوحي العيون؛ تحسبًا لتحرك يقوم به أحدهم؛ ليسبق الآخرين، وكان ذلك وضعًا تنبأ به بن جوريون حين قال: إن الجيش السورى دخل لعبة السياسة، ولن يخرج منها أبدًا.

والأخطر من ذلك أنهم – بخلافاتهم وتضارب رؤاهم – فتحوا الباب واسعًا للتدخل الخارجى، وكانت الخطط في تلك الفترة جاهزة لغزو سوريا، سواء من الشيوعية الدولية، أو من حلف بغداد المتحفز لضمها إليه، أو حتى بخطط الملك سعود، أو إسرائيل.

وفي ليلة من الليالى اختار القادة المختلفون اثني عشر ضابطًا يمثلونهم، ووضعوهم في طائرة عسكرية، وطاروا للقاهرة؛ لمقابلة عبد الناصر، مطالبينه بالوحدة؛ لأن الوضع فى بلدهم أصبح مشرفًا على الانفجار.

واستمع لهم الزعيم المصري وناقشهم طويل]ا،لكنه لم يكن مقتنع]ا بما قالوه؛ فالأسباب التى يطرحونها لقيام الوحدة كانت – في نفس الوقت – أسبابًا لعدم قيامها؛ فبغض النظر عن المؤامرات الخارجية، فإنهم – بخلافاتهم – أهم أسباب الأزمة السورية، كذلك كانت هناك مسألة مهمة، وهو أن وجودهم للتفاوض معه كان بدون موافقة أو تفويض من السلطة الشرعية القانونية في دمشق، فهؤلاء الضباط لم يكلفوا أنفسهم عناء إخطار الحكومة أو رئيس الدولة: شكري القوتلي بمهمتهم، ولما لفت عبد الناصر نظرهم لذلك؛ كان ردهم: إن الحكومة لا تملك ولا تستطيع الاعتراض على مايقررونه (!!) ولم يكن ذلك مشجعًا على الإطلاق.

لكن ماحدث هو أن عبد الناصر وافق على الوحدة في النهاية، وكان له شرطان لم يتنازل عنهما: الأول، ابتعاد الضباط عن العمل السياسي، وتخليهم عن رتبهم العسكرية، والثاني هو حل الأحزاب السياسية كلها والاكتفاء بالاتحاد القومي حزبًا واحدًا وحيدًا، ولم يكن أمام قادة الجيش السورى سوى القبول حتى تمر العاصفة ويعيدوا ترتيب أمورهم.

وعلى الناحية الأخرى، فإن عبد الناصر تعامل مع سوريا والسوريين بمثل ما كان يتعامل مع الداخل المصري، ولم يحاول أن يتفهم الوضع السياسى والاقتصادى هناك، ومن هنا اختار عبد الحكيم عامر حاكما لسوريا، وهو السياسي المتواضع الخبرة، والعسكرى معدوم الكفاءة، وكذلك اختار  عبد الحميد السراج وزيرًا لداخلية الإقليم الشمالي، وهو وإن كان قوميًا متشددًا، إلا أنه كان رجل أمن شرس، ثم كانت الطامة الكبرى حين تم تطبيق القوانين الاشتراكية.

وفجأة وقع الانفصال الذي قاده عبد الكريم النحلاوي، مدير مكتب نائب رئيس الجمهورية، وحاكم سوريا المشير عبد الحكيم عامر، وانهارت الدولة العظمى بعد ثلاث سنوات ونصف لا أكثر!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد