«قولوا لأمي متزعليش
وحياتي عندك متعيطيش
قولوا لها معلش يا أمي
أموت أموت وبلادنا تعيش
وأمانة تبوسولي إيديها
وتسلمولي على بلادي».

فتاة صغيرة عمرها الآن 10 سنوات، جاءت بعد سنوات طويلة عجاف، في ليلة شتوية من ليالي يناير (كانون الثاني) الطويلة، كانت غضة مشرقة نضرة، ملأت قلوب من حولها بالبهجة والبِشر والآمال، اختطفتها أيادي الغدر بعد أيام قصار مرت مثل الحلم الجميل، الذي تصحو منه ملتاعًا تتساءل هل كان ذلك حلمًا أم حقيقة، هل حدث ذلك حقًّا؟ إذًا فلِم ولى سريعًا؟ لماذا انتبهت من نومي على كابوس مزعج؟ أين الوجوه الباسمة التي رأيتها؟ أين ملائكة السماء التي كانت ترفرف حولنا؟
أين الفتاة الصغيرة التي تحل ذكرى ميلادها وهي ما زالت غائبة؟ كل من ذهب ليبحث عنها لم يعد، إن الخاطفين يحاولون محو ذكراها من القلوب والعقول، يحاولون أن يقنعونا بأنها لم تولد أصلًا، وبخبث وبخسة يلمزونها ويطعنون في نسبها، ولم يكن أبدًا أبوها امرأ سوء، ولم تكن أمها بغيًّا، بل هم وآباؤهم.

استطاع الخاطفون خداع العالم وخداع قطاع عريض من الناس، دبروا مكائدهم وضيقوا الخناق على كل الأصوات التي تحاول أن تجد مخرجًا، أو تمسك طرفًا يوصلها إلى الخاطفين، استخدم المجرمون كل الوسائل لتفريق الجموع، وتشتيت الأفكار، وتشويه القضية، اتهامات من كل لون، وادعاءات ما زالوا يستخدمونها حتى تلك اللحظة، لهدم كل ما يتصل بالفتاة المخطوفة، وتفريغ قضيتها من مضمونها وقدسيتها، سيطروا على كل الوسائل الإعلامية، ومنعوا أي ذكر لقضية الفتاة، وأياديهم في كل الوسائل الإعلامية يسبون أهلها ليل نهار، ويمجدون الخاطفين ويصفونهم بالأبطال، الذين سرقوا ميراثها ويسرقون، ويفرضون الإتاوات على الناس حتى ضاقت بهم ذرعًا، ولكنهم لا يقدرون على التفوه بكلمة؛ فصبيان العصابة يقفون بالمرصاد للجميع، ويحذرون من مصير أسوأ ينتظر من يحاول أن يتمرد، وما حال الجيران عنهم ببعيد، الجيران من الشرق والغرب الذين اشتبكوا مع الخاطفين فأذاقوهم الويلات؛ لذلك طأطأ الجميع رؤوسهم وانخرطوا في دوامة الحياة الذليلة، وهم يحلمون بطيف الفتاة الحزينة، ويتحسرون على أيامها القصيرة، لقد استولى الخاطفون مرة أخرى على تلك البقعة الحزينة من الأرض وثبتوا أقدامهم، وأجبروا الجميع على دفع الإتاوات، والإقرار بشرعيتهم وشريعتهم الإجرامية.

وعلى الرغم من كل هذا فإن أكثر ما يخشاه الخاطفون هي الفتاة نفسها، فهي قادرة على هز عروشهم وزعزعة استقرارهم، إنها تقض مضاجعهم، يرتعدون من ذكر اسمها، يخشون أن يولد أمثالها من شدة ظلمهم وجورهم وفُجرهم، ولذلك يزدادون ظلمًا وفُجرًا، ويزدادون جبنًا وضِعة وخسة، يبيعون الغالي والرخيص من أجل القضاء عليها وعلى أمثالها تمامًا، يبيعون أرواحهم للشيطان كي يحفظ لهم أماكنهم وكراسيهم، وإن ذهبوا للجحيم إلى الأبد؛ فهم في حجيم مقيم دومًا، يساندهم في جبروتهم جميع الجبناء والمتملقين، الذين لا يفهمون سوى لغة المصلحة، والمال المدنس بالذل، والانحناء، والنفاق الفج، تلك الطغمة الفاسدة من عديمي الكرامة ومن المنتفعين، الذين يتهمون الشرفاء بالخيانة كي لا يشعروا بخيانتهم وخستهم، الذين يهاجمون من يدافع عن شرفه لأنهم بلا شرف.

«في جسمي نار ورصاص وحديد

علمك في إيدي واسمي شهيد

بأودع الدنيا وشايفك 

يا مصر حلوة ولابسة جديد

وبأعلى صوت فيا بأنادي

هموت وأنا بحب بلادي».

أما الشهداء الذين ضحوا من أجل الفتاة المخطوفة، ينظرون من السماء إلى تلك الأرض، يأسفون على أهلها وما أصابهم، لم يكن هذا ما تمنوه وما حلموا به، ربما سمعوا ما يقال عنهم ولكن لا بأس، فإنهم الفائزون بإذن الله، ينعمون بما آتاهم الله من فضله فرحين، لقد أدوا ما عليهم في معركة الدنيا، وذهبوا إلى دار الحق ينتظرون يوم القصاص، ينتظرون محكمة الآخرة، حين ينتصر العدل لهم، ويعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

«طايرين ملايكة حواليا طير

لحظة فراقك يا حبيبتي غير

همشي معاهم وهسيبك 

وأشوف يا مصر وشك بخير».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد