كانت الساعة الخامسة والنصف صباحًا عندما صدح صوت المنبه، فأيقظ خلاياي واحدةً تلو الأخرى، جمعت نفسي وصليت الفجر، ثم امتشقت إحدى البذل الرسمية التي اخترتها بحسٍ وطنيٍ عالٍ. هذبت شعري جزء منه يمينًا وآخره شمالًا كالقوى الوطنية، خرجت فركبت سيارتي المتواضعةَ متوجهًا إلى مبنى المقاطعة في مدينة رام الله، لم أشعر بمسافةِ الطريق بقدر ما فكرت بهذا اليوم الزاخر بالوطنيات والواجبات الرسمية.

دخلت المكتبَ، وبدَأَتْ محطات الأخبار تَتَقلَّبُ تلقائيًّا وكأنها ترفض كل العناوين التي تتقوقع في كبسولة الجرع السياسية المخدرة مؤقتًا. التفتُّ إلى الساعة، وإذا بمؤشرها الكبير يتسابق مع نفسه ليصل بعد خمس عشرة دقيقة الساعة التاسعة حيث موعدي مع اجتماعٍ وطني بامتياز يتوِّجُه سيادة الرئيس “محمود عباس”، فمنذ شهرين عُيِّنتُ مستشارًا له في الشؤون الشبابية. دخلتُ مكتبه الصغير بحجمه نسبيًا والكبير بعطائه ضمنيًا، هنا جزمت أن البدايات الواسعة تُخَلَق في أماكن ضيقة.

لحظاتٍ قصيرة جدًا حتى امتلكنا زمام المبادرة، ودخلنا لُب الموضوع حول دور الشباب في الأوضاع الراهنة، وكيف نوظف هذه الجهود والقوى بالشكل الصحيح. فالشباب الفلسطيني يمثل الركائز الميدانية للقضية الفلسطينية، وهم كطيف السماء بألوانه المختلفة. لذا فلا بد يا سيادة الرئيس أن تُمعِنوا النظر جيدًا في هيكلة المؤسسات التنظيمية، بحيث يتم إشراك من سلف ذكرهم باتخاذ القرار، فتطلعاتهم تتناسب وواقعهم الذي يحارب التطرف الاجتماعي بأبعاده السلبية بكل معنى الكلمة. نريد بنيةً تحتيةً جيدة لكل هؤلاء من أجل غزل خيوط الماضي ورجاله بالحاضر وشبابه، فالأزمة الموجودة ميدانيًا لها دواعٍ اجتماعية قبل السياسية.

بعد نقاشٍ طويلٍ بوقته الثمين توجهنا إلى جامعة النجاح كونها أكبر شريحة اجتماعية للوطن. وبدأنا بدراسةٍ سريعة في حضور عدد من الطلبة، بدأ الطلبةُ بفض ما في جعبهم للراعي والأب وقلت لهم “لا خير فيكم إن لم تقولوها ولا خير فينا إن لم نسمعها”، فكانت مداخلاتهم خجولة كخجل المواطن من وطنه، إلا أني قلت لسيادته أن الوضع بحاجة ماسة إلى نظرتكم، فكم من عقول تخرج من هنا إلى الخارج، وكأنها ستقوم بواجب وطني في بلاد ليست كهذه البلاد، لكن (مكرهٌ أخاك لا بطل)، فالفرص هنا ضئيلة، وإن وجدت فأيدي الوسائط كثيرة، فلا بد من دراسة بنود على صعيد المؤسسات والشراكة مع الخاص لتوظيف هذه العقول، والسواعد على مبدأ الكفاءة، والعطاء لمضاعفة الإنتاجية بحيث يكون ريعهم كما تعلمت في مجتمعي الفلاحي للأم فلسطين، واستراتيجية تبني المتفوق أكاديميًا وثقافيًا وشخصيًا في تمثيل فلسطين في جامعات الخارج استكمالًا للإنجازات السياسية القيمة التي تطيل من سارية العلم شيئًا فشيئًا ليعانق عنان السماء.

استمر الحديث حتى خرجنا من نطاق الأكاديميا إلى نطاق عمل الكتل الطلابية التي كتَّلت الطلاب وأثقلت هممهم فأصبح صوت الطالب الانتخابي سلعة تدخل المزاد الشخصي قبل السياسي في غرفٍ مغلقة. من الأجدى بِنَا يا سيادة الرئيس أن نُشْرِك ذوي الكفاءات والمبدعين إلى جانب الموجود في هذا المجال دون أن ننظر الى الاسم الثاني بعد اسم الشخص، فالحس الوطني الراقي، والتفكير السليم الصافي، والمبادئ الثقافية والتاريخية، بدأت تتلاشى بوجود من لا أهلية له في مواقع يَحتلُها تَعسُّفًا من مبدأ الحسب والمنظومات الاسمية الوهمية.

انتهينا الساعة الثالثة والنصف عصرًا وبدأنا التحرك. جبنا بسيارته شوارع البلدة موزعين ما لدينا من عاطفة لم تستخدم من قبل. فخاطب سيادته كثيرًا من المارة، وقبَّل أشبالًا وزهرات بحجم الوطن. سلكنا الجهة الشرقية الجنوبية للعودة، وتعانقت الجملُ من كلانا التي تبنت موضوع الشباب الذين يعملون منتصف الأسبوع في الداخل المحتل، ويوم الجمعة يخرجون مسيرات غضب نصرة للمسجد الأقصى، فلم يخطر ببالي إلا “هيكل” عندما قال (إذا تحول المقاوم إلى مقاول فاطرح السلام على المقاومة)، فلا أعرف كيف نوفّقُ بين رأس المال الاحتلالي والجسد الوطني التحرري. فالتوحد الثوري أفضل تشخيص لهذه الحالة.

لم نمكث كثيرًا حتى قلت لسيادته بأنَّا نحملُ ملفات كثيرة يجب أن تُدار بطرقٍ أكثر جدية وإنتاجية من الماضي، فالذي لا يتعلم من التاريخ محكوم عليه إعادته، ونحن نختزل من الماضي كل جميل لننطلق به نحو المستقبل المنتظر.

عّم الهدوءُ المكانَ، وكأن تعب هذا النهار حصد ما حصد من نشاطنا الدبلوماسي، بدأ سائق السيارة بتغيير تردد الراديو كتغير مواقف الدول تجاهنا، حتى لقطت أنامله الوطنية أنشودة موطني، فبدأنا نردد (هل أراك في علاك… الشباب لن يكل همه أن يستقل، أو يبيد ..) حتى أيقظني وابلٌ من أربع رصاصاتٍ في الهواء من دورية عسكرية تمر من حارتنا، فكم كان الحلم شيقًا، ومتخمًا بالعطاء، وكم كان الرئيس خير راع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد