غطت غيمة ملبدة بالحزن سماء المدينة بعدما توارت الشمس عن الأنظار، خف وهج السماء اللامع واختبأ ضوء الحياة عن الأرض في كل زاوية من زوايا المدينة، كان الموت يكشر عن أنيابه ويقتات أجساد قاطنيها ويسرق براءة أطفالها الذين لم يكس أجسادهم الهشة سوى قطعة قماش بالية، وبيدهم فتات الخبز الجافة ودمية يبدو عليها البؤس، فليس لها سوى ملامح باهتة فقد باتت أصوات الأطفال ترتجف من فرط الموت، حكايا هنا وهناك، دمار وبكاء على الأطلال وبقايا إنسان في المكان، فهم أرواح تخلو من الحياة, وهم أشبه بدمى متحركة على مسرح الحياة نأتي لمشاهدة أدوراهم ونرحل دون عودة، ننسج بأقلامنا قصصهم فتبقى بين السطور معاناتهم, ونصور أوجاعهم لِتخلّد الصور آلامهم وأحزانهم, هنا في المكان خيام فوق الركام وأكواخ خشبية لا تجدي نفعا.

ليس مشهدا من رواية أو قصة من وحي الخيال، لكنه مشهد واقعي لن يفارق مخيلتي أبدا, إنه مشهد من قصة لمدينة في قطاع غزة، تقع على الحدود الشمالية، لا تختلف كثيرا عن باقي مدن القطاع حينما وقعت عليها لعنة الحرب دون أن ترحم إنسانيتها.

عندما كنت في زيارة لهذه المدينة، لتصوير فيلم وثائقي يحاكي أحداث القهر والظلم والرعب التي عايشتها المدينة جراء الحرب الأخيرة على القطاع وفي أزقة المدينة التي باتت متشابهة, فجميعها ذات قواسم مشتركة فهي لم تعد واضحة الملامح, مدمرة ومحطمة، وأحجارها ملطخة بالدماء, فذلك اللون الأحمر القاتم يخط ويرسم قصص الأبرياء.

شاهدت امرأة عجوزا في الستينات من عمرها، تكسو ملامح وجهها تجاعيد تحدث بين ثناياها عن تاريخ كفاح ونضال، كانت تجمع الحطب، لتشعل النيران أمام خيمتها المتأرجحة بفعل الرياح على أنقاض منزلها المدمر، علها تجد ما فقدته من الدفء الذي رحل مع رحيل عائلتها.

وهناك شاب لا يبعد عنها كثيرا حدثني بصوت مختنق، تخرج منه الآهات الممزوجة بغصة ألم وحزن على ما فقده في الحرب فلقد خسر منزله وأسرته، حيث كان يحاول ترميم كوخ خشبي صغير، حتى يحتمي به من برد الشتاء.

وهنا زوجة شابة، بعيون باكية ونظرة تملؤها الحسرة والألم حدثتني عن صغيرتها التي لم تبلغ من عمرها سوى أيام, فلقد رحلت الصغيرة التي لم تحتمل قسوة البرد, فلقد دُمر المنزل بالكامل ولم تعد خيمة من أقمشة بالية بمقدورها أن تحمي جسد الصغيرة من البرد.

وما بين خطوة وأخرى قصص لا تختلف عن بعضها، الناس هنا يتحول شكلهم إلى صور تعرفها الحجارة والمآذن، والوجدان النقي المتحفز للشهادة، يتحولون إلى طائر فينيق، إلى أسطورة خالدة, إلى شقائق نعمان تتزين سفوح التلال بتيجانها الحمراء والأحياء, هنا تتحول وجوههم إلى روايات ستذكرها الأجيال وهي مبتسمة رافعة رؤوسها لتصل عنان السماء.

أدركت حينها أن فيلما وثائقيا واحدا غير كاف ليحاكي معاناتهم, فهم يحتاجون لآلاف الأفلام الوثائقية التي تجسد وتوثق آلامهم وأوجاعهم بل وآلاف المجلدات لتخط حكاياهم التي باتت تحت الأنقاض.

وما بين خيبات الأمل وطول الانتظار تنتهي حرب تلو الأخرى ولم ينته الوجع والحزن والألم, فلا همجية الحرب ترحمهم ولا برد الشتاء كان بهم رحيما.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد