ولأول مرة ألتقي بعالم خالد حسيني الطبيب والكاتب في آن واحد، وبروايته الثانية ألف شمس ساطعة، وببراعة لم أعهدها من كاتب أخذني من البداية بهدوء وتروٍ إلى تاريخ وحضارة أفغانستان التي لم أكن في الواقع أعلم عنها شيء، أكثر مما تبثه لنا الأخبار من أحداث.

هذه الرواية عين لرؤية جيدة على تاريخ هذه البلاد، مغلفة بقصة لامرأتين عاشوا في الجحيم، تعيشان في فترة حرب السوفييت مع (طالبان)، المرأة الأولى مريم التي عاشت مع والدتها بلا أب تنسب إليه، برغم وجوده على قيد الحياة، وزيارته لها كل فترة، إلا أنه لم يعترف بها ابنة شرعية أبدًا، عانت مريم من اليتم، والحرمان من الحنان، وكل متع الحياة التي من الطبيعي أن تعيشها طفلة بعمرها، وبرغم حبها له وتعلقها به، وعدم تصديق حديث والدتها «نانا»، فكانت بالنسبة لها الوجه الحقيقي للحياة، الوجه المؤلم، المتقلب الذي يطوي بداخله الشقاء الذي لم تفلح كل محاولاتها أن تبدده، كانت تكره مريم هذا الوجه، وحديث والدتها الذي يشوه صورة والدها بداخلها، إلا أنه بعد انتحار هذه الأم المعذبة قبل زواجها من رجل يكبرها بثلاثين عامًا، لم يسعها بيت والدها الكبير الذي كان يسع زوجاته الثلاث وأولاده الكثر الذين يعيشون عيشة رغداء، كانت مريم تريد أسرة وبيت تحتاج للإحساس بالدفء والحنان، تزوجت مريم رغم عنها لزوج قاسٍ لا يبالي إلا بذاته، ولا تحركه سوى رغباته، ولحظها العثر لم تنجب مريم ربما كان لأن لها قليلًا!

مريم كانت الشمس الأولى التي اعتقلت في بيت رجل لا تعرف الرحمة لقلبه طريق، وفي بلد تبحث عن بعض الود، إلى أن جاء القدر لها بليلى الشمس الثانية التي كانت الحياة قاسية عليها أيضًا، فرأت وفاة أهلها، ودمار بيتها، وفراق حبيبها طارق الذي أفقدته الحرب ساقًا، وشاءت الأقدار أن يرحل خارج أفغانستان في وقت أشد ما كانت تحتاجه فيه، ليلى التي أصبحت بلا مأوى، إلى أن دخلت هذا البيت، وأصبحت زوجة أخرى سجينة معذبة مع مريم، لم يفجعني قتل مريم لهذا الزوج دفاعًا عن ليلى، بل تمنيت أن يهربا سويًا ليعيشا كما رغبا، ولكني أشفقت على مريم، وتتوالى الأحداث وأنا أتحرك بداخل هذه البلاد، وأبكي وأبكي معهن، لن تصل لنهاية الرواية إلى أن تشعر بمعاناة وعذاب تلك الشموس، ورغم كل هذا الألم لن تستطيع إلا أن تتمها.

رواية إنسانية من الدرجة الأولى، بها كثير من المفاجآت، والكثير من الألم، وأكثر ما ألمني وأبكاني مشهد قتل مريم، مريم بطلة قبل أن تقتل مريم شمس ستظل سا «مريم» كانت تعرف أن الحياة على الرغم من اللحظات الجميلة لم تكن منصفة، لكنها وهي تمشي آخر عشرين خطوة في حياته، لم يسعها إلا أن تتمنى، تمنت لو رأت ليلى ثانية، وتجلس معها لتناول أكواب الشاي، وبقايا الحلوى، غمرها إحساس بالسلام النفسي، ورغم أنها كما آمنت طوال حياتها دخلت العالم من باب خاطئ، إلا أنها تغادر الآن صديقة ورفيقة وحامية وشخصًا له وزن، أي أنها نهاية شرعية لحياة كانت بدايتها غير شرعية.

انتهت الرواية وأنا أردد مع «مريم» الآية «تبارك الذي بيده الملكُ وهو على كل شيء قدير، الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملًا وهو العزيزُ الغفورُ».

وأقول مع ليلى بلسان «صائب التبريزي»:

لا يستطيع المرء أن يحصي الأقمار التي ترتعش في أسقفها

ولا ألف الشمس الساطعة التي تختبئ خلف جدرانها.

وكم شمسًا على تلك الأرض تنطفئ وتنتهي ولا يشعر بها أحد، كوني بطلة لروايتك، كوني شمسًا لا تغيب.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد