أهدتني أستاذتي في الجامعة يومًا نصيحة جوهرية بعد أن ارتكبت جريمة بحثية مستخدمة مراجع مغلوطة وبعض الكتب المشكوك بأمرها؛ وذلك أثناء فترة دراستي للماجستير، هي نصيحة ما زال صداها يتردد إلى مسامعي حتى يومنا هذا.

منذ ذلك الوقت وبعد مضي سنوات على تخرجي تغيرت نظرتي لا شُعُورِيًا إلى الكتب والروايات أيضًا؛ ليس كباحثة فقط، بل كقارئة عادية لأي مضمون يصل إلى يدي وتقع عليه عيناي الشواقتان دائمًا للمعرفة. ولا بد لنا في كثير من الأحيان أن نتقمص شخصية «رينيه ديكارت» ولو لدقائق في كل مرة ابتغينا فيه بناء أساس معرفي جديد، فهو الذي استخدم الشك أساسًا للحياة حين قال: كلما شككت ازددت تفكيرًا فازددت يقينًا بوجودي. أنا أشك إذًا أنا موجود.

«أتمنى جوفاني أن يقبّلني» بهذه العبارات استهلت الكاتبة الأمريكية إليزابيث غيلبرت روايتها الشهيرة، والتي أنتجت كفيلم سينمائي فيما بعد «طعام صلاة حب». جوفاني هو ذلك الشاب الإيطالي الوسيم الذي كان أستاذ اللغة الإيطالية الخاص بالكاتبة أثناء فترة مكوثها في إيطاليا، والذي يصغرها بـ10 سنوات. لكن تلك القبلة التي تمنتها غيلبرت لم تحصل عليها، بالرغم من إعجابها بجوفاني الشاب اليافع ولقائهما المتكرر.

«جوفاني» لم يكن وحده من أعجبت به الكاتبة، فمسلسل إعجابها بشبان ورجال طويل في هذه الرواية مما يطرح أسئلة حول سلوكياتها ومدى صحتها النفسية؟ لكن «غيلبرت» وروايتها الشهيرة، والتي لا يمكن إنكار ما تحمله من جمال وإتقان في الكتابة، تعد من الكتب الأكثر تأثيرًا في حياة المرأة وتتصدر اليوم قائمة الكتب التي ينصح بقراءتها. فهل تعد الرواية رائدة ومؤثرة فعلًا إلى هذا الحد؟ وهل ينبغي لامرأة كغيلبرت أن تكون مثالًا للفتاة أو المرأة العربية؟ لنرى ولنحكم بأنفسنا ما يحمل الكتاب من أفكار بين سطوره الساحرة.

بداية علينا سرد الرواية وتحليلها قبل توجيه النقد لأجل إضفاء الموضوعية والمصداقية النقدية. تبدأ الرواية بقصة كاتبة أمريكية ناجحة، تعيش ترف مادي مع زوجها، بالرغم من ذلك يحيط بها الحزن وعدم الرضا عن حياتها، تصف حالها بالتعيسة المكتئبة، وتصور نفسها في صفحات الرواية على أرض الحمام تبكي بصمت أو تصرخ في أحلامها. تبادر الكاتبة بالطلاق الذي أنهكها نفسيًا ومعنويًا لا بل كلفها الكثير؛ ما يعادل نصف ثروتها. أثناء تلك المشاحنات الطويلة. تقيم علاقة عاطفية، فتجد لها خليلًا تمضي معه أيامها، لكن سرعان ما تفشل في هذه العلاقة أيضًا.

لتدخل بعدهها في صراع نفسي خانق يرافقه تأنيب الضمير بعد أن دمرت حياتها وحياة شريكها، يوصلها الى التفكير بالانتحار، فتتراجع بعدها وتقرر البحث عن ذاتها بعيدًا عن الناس والمجتمع لتبدأ رحلة في التوازن النفسي.
«إيطاليا، الهند، وإندونيسيا» بلدان ذات تنوع ثقافي وحضاري، اختارتهم الكاتبة لتخوض رحلتها الشهيرة للبحث عن الذات وإشباع اختلاجات النفس والروح. وتعيد ببساطة المتعة والبهجة لحياتها.

البداية مع إيطاليا والتي تمثل اللذة حيث بحثت الكاتبة عن المتعة وكل ما ترغب. فتعلمت اللغة الإيطالية التي أحبتها مع جوفاني الوسيم، تذوقت الكثير من الأطباق الإيطالية وارتادت المطاعم والحفلات والأماكن السياحية والفنية. بعد أشهر سافرت إلى الهند لتعيش في معتزل تعبدي بعيد عن صخب الناس، لأجل التأمل وإصقال الروح وتهذيب النفس، فعملت داخل المعتزل وساعدت المتعبدين، ودربت نفسها على الصمت والصبر الطويل. تمثل الهند الزهد والحاجات الروحية التي احتاجتها الكاتبة.

وأخيرًا إندونيسيا للبحث عن التوازن بين اللّذة والزهد، فتقربت الكاتبة من عراف في جزيرة بالي، وأضحت صديقته وتعلمت منه الكثير، كذلك وجدت رفيقة أخرى طبيبة أعشاب، مطلقة، فقيرة، تبحث عن منزل، فجمعت لها التبرعات وعاونتها على شرائه. لكن الحدث الأبرز لقاؤها بحب حياتها الرجل البرازيلي المطلق والذي يكبرها بـ20 عامًا تقريبًا.
تحليل الرواية: الكتاب فيه تداخلات كبيرة، فيمكن اعتباره كتاب لعشاق السفر لأنه يحتوي على أدب السفر، ويعتبر كتاب سيرة ذاتية لأن الكاتبة تروي مرحلة عن حياتها، كذلك تُعدّ رواية لأنها تربط أحداثًا وشخصيات، ولا تخلو من السرد التاريخي، وشرح لكل مكان زارته الكاتبة، بداية من الرومان في إيطاليا حتى الحروب الأهلية البالينية. وهو مقسم على ثلاث مراحل خالية من الملل وأي نوع من التكرار.

يناقش الكتاب موضوع الحب، الوحدة، الارتباط، الحزن، الخوف والسفر وهذه مشاعر تصيب كل البشر وليس النساء فقط. تملك الكاتبة قدرة على نقل القارئ بكل سهولة إلى عالمها ورحلاتها، حتى من الممكن أن ينتابك شوق لكي تسافر معها في رحلتها التالية. الرواية لإنصافها فيها نوع من الخفة والسلاسة والانسيابية في ربط الأحداث والتنقل من مشهد لآخر. تحدثت فيها الكاتبة مرة مع نفسها ومرة مع القارئ، كذلك تضمنت حوارات جذابة، ولم تخلُ من الشعر والوصف المفصل.

في نقد الرواية تمتلك الكاتبة انسيابية عجيبة في الكتابة تشدك إليها تدخل إلى عالمها، ثم بطريقة ماكرة تدفعك لكي تتعاطف معها، تواسيها بينك وبين نفسك، تساندها بكل قراراتها، بل أكثر ربما تتمنى أن تكون مكانها، خاصة أن الكاتبة تملك ما لا تملكه أغلب فتيات الوطن العربي من مال وفير وشهرة وملكة الكتابة، الجرأة التي تصل إلى الوقاحة أحيانًا وحرية التنقل.
وهنا سنفسر في نقاط أبرز الملاحظات والنقد الموجه للكاتبة وأفكارها من وجهة نظري.

أولًا: في بداية الرواية تتحدث الكاتبة عن أحداث طلاقها الأليم والمضني فتتعاطف معها وتبكي لبكائها، ولكن عذرًا لما تطلب الطلاق من رجل لم يظهر لها أي سوء باعترافها شخصيًا؟ هل يمكن تدمير حياتنا بهذه السهولة؟ لماذا لم تبحث عن خطط بديلة لإنقاذ زواجها وعدم التخلي عن شريك حياتها؟ إذًا يمكن اعتباره طلاقًا من أجل الملل!
الزواج يا عزيزتي رابط مقدس ولا يجوز التعامل معه بهذا الاستهتار الكبير والأنانية. خاصة أنها رفضت إنجاب أطفال من زوجها. هي أفكار جريئة بعيدة لا تتناسب مع مجتمعنا العربي المحب للأسرة والمقدر لخصوصية العائلة والشريك.

ثانيًا: تجد الكاتبة خليلًا محبًا لها لتعيش معه فترة أثناء حرب طلاقها من زوجها، فكيف لامرأة تعاني من أزمات ومشاكل طلاق واكتئاب لتذهب مباشرة إلى أحضان رجل آخر بهذه السهولة؟ فما مدى الحرية والقيم التي تتحلى بها جيلبرت؟
ثالثًا: وهنا لا داعي أن أتحدث عن جيوفاني الشاب الإيطالي الوسيم الذي خذلها ولم يقبلها، ولكن لا بد من ذكر العراف البالي الذي رغبت بالسكن معه في جزيرة بالي، ولكنه أيضًا لم يعرض عليها ذلك لوجود زوجة معه في المنزل. فكيف لها أن تتمنى هذا وتذكره في روايتها كأنه أمر عادي؟

رابعًا: حب حياتها الذي التقته في إندونيسيا الرجل البرازيلي الغريب الذي يكبرها بما يقارب العشرين عامًا، شقت حياة عاطفية معه دون قيود، ثم رفضت فكرة الزواج والإنجاب منه بحجة معاناتها السابقة في طلاقها غير المنطقي أصلًا؟ والعجيب أنها تركته في بالي وعادت إلى الولايات المتحدة، واعدة أن تلتقي به لاحقًا؟ فأيّ حب هذا؟
خامسًا: لا بد لنا هنا أن نشير إلى حياة التأمل والتعبد في المعتزل الهندي والذي على ما يبدو لم تتعلم منه الكاتبة، كون العبادة والصلاة تكبح نفوسنا الجامحة وتهذبها وتعلمنا أن لا نلحق ملذاتنا ونعبد رغباتنا. فباعتقادها الأشهُر التي أمضتها في المعتزل كافية لصقل روحها! ولكن الروح أعظم من هذا بكثير، ونحن نحتاج إلى الصلاة والتعبد باستمرار. فالعبادة هي أكبر من مجرد بضعة أشهُر، بل هي ممارسة دورية ودائمة ونحتاج إلى الله في كل خطواتنا.

إذًا هناك أفكار ومفاهيم مسمومة بالجملة دستها الكاتبة الأمريكية في روايتها دون أن تشعر بالحرج منها، لما لديها من قدرة كبيرة على استعطافك واستمالتك لتجعلك جندي من جنودها الأوفياء. ويبقى السؤال: هل هذه الأفكار تصح في مجتمعاتنا العربية؟ وهل فعلًا يجب الترويج للرواية وتشجيع المرأة العربية على قراءتها.
الكاتبة في الحقيقة عرّت نفسها في هذه الرواية من أجل كسب الناس وإرادات عالية وشهرة وصلت إليها وزادها الفلم من ذلك، ولكن هل الكتابة التي تروج لأفكار شاذة بعيدة عن أخلاقيات المجتمع، أو المنافية للدين، هي الطريق الأسهل إلى الشهرة؟

يصف الكثير الكتاب بالقوي لأن الكاتبة استطاعت بحسبهم أن تثبت من خلال روايتها أن الأنثى باستطاعتها أن تداوي جراحها بالكتابة وبإنتاج رواية تحمل من الإيجابية والقوة الكثير بعيدًا عن البكاء على الحالة التي وصلت إليها. ولكن هل هذه قوة فعلًا؟ أن نعيش دون قواعد سلوكية وقيم اجتماعية؟ ومن هي التي تملك المال الكافي لكل هذه الرحلات والمطاعم والبيوت؟
الكاتبة لا تمثل إِلَّا نفسها ولا تصلح من وجهة نظري أن تكون مؤثرة أو حتى مثلًا أعلى يحتذى به فمشكلتها الكبرى هي الأنانية، وأزماتها التي واجهتها بالرواية هي من صنيعتها، ولا يوجد قضية جوهرية حاربت لأجلها فعلًا.

علينا أن نعرف ماذا نقرأ؟ ولمن نقرأ؟ وماذا يجول بين سطور الكتاب؟ ولا ننسى كنساء عربيات من نحن! وكيف نشأنا! المرأة الحقيقية يا عزيزتي «غيلبرت» هي المضحية صانعة الرجال بانية المجتمع، لا تتخلى عن عائلتها يومًا كما لأحلامها، المرأة الحقيقية هي التي تواجه بشجاعة جميع مشاكلها دون التملص والهروب والبحث في المجهول، المرأة هي رمز للعطاء والحب والقوة وهي التي إن لفت العالم أجمع تُبقي على نفسها وكرامتها. لا هي سلعة ولا الرجل هوايتها!

وأبقي القارئ هنا مع قول للكاتبة من روايتها (طعام، صلاة، حب) ليكون محل تفكير وتحليل لدى قارئ المقال وهو يحكم بنفسه.
«توأم الروح الحقيقي هو أهم شخص تلتقين به على الأرجح، يمزق جدرانك، ويهزك حتى تستفيقي. ولكن أن تعيشي مع توأم روحك إلى الأبد، كلا! هذا مؤلم جدًا فتوائم الروح يدخلون حياتك ليكشفوا لك طبقة أخرى من ذاتك، ثم يرحلون وشكرًا لله على ذلك، غير أن مشكلتك أنك لا تسمحي لتوأم روحك بالرحيل».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد