في العيد يفصل بين الفلسطيني وحنينه إلى البحر فجوةٌ «سلكيَّة» وهي عبارة عن جدار يعزل الأراضي الفلسطينية المحتلة والضفة الغربية، نوعٌ فيزيائي من التقسيم لا يخلو من لغةٍ إحلاليةٍ قمعيَّة تُقصي لا مكانيًّا فحسب، وإنما لغويًّا أيضًا الفلسطيني عن القاموس والخريطة. فتكون الفجوة هي نفسها الخط الأخضر، وتكون زيارتنا لأراضينا هي نفسها زيارتنا لعرب إسرائيل، ونكون نحن أنفسنا المصابون بالحنين، أولادٌ لاجئون، جئنا من مخيّماتٍ إلى بحرٍ ليس لنا.

ما لك وللغة الإحلالية؟ أحدِّثك عن هدف التسلل خاصَّتي إلى الداخل الفلسطيني، بطاقتي الرابحة التي حفظتها في جيبي خوفًا عليها فتمزقت حين نسيتها داخل القميص بعد وضعه في الغسَّالة. أحدثك عن التراب الذي ملأ بنطالي وساعات انتظاري لـ«باصٍ» عربي ينقلني إلى عكا لأنني لا أعرف الطريق. ولأن الشرطة أغلقت الفجوات ونشرت قواتها فأصبحت ومن معي محاصرين.

بعد الساعة الواحدة ظهرًا عثر علينا باص يقوده رجل خمسيني يرتدي قميصًا مقلمًا ونظارات طبية لم يكلف نفسه عناء رفعها عن أرنبة أرنفه الضخم ليرانا بوضوح. طلب منا أن نركب بسرعة وسار بنا على شارع ستة ثم قال:

على يساركم حيفا.

هكذا ببساطة، دون مقدِّمات أصبحت حيفا على يسارنا وما كان علي إلا أن أدير وجهي لأراها. وأدرته.

سمعت أحدهم يقول: لديهم بيوت حجرية قديمة مثل بيوتنا. وكأنه من الغريب أن تشبهنا مدنٌ خرجنا منها، أن تملك منا شيئًا نملكه ولا يعجبنا. بيوتنا القديمة التي لا نطيقها هي التي تحفظ لحيفا عربيَّتها، وفلسطينيَّتها.

شعور غريب، أن تدخل فتاة مثلي إلى حيفا وهي ممنوعة أمنيًّا من زيارتها. أن تخترق الزمن والأسلاك والأسمنت.. أن تكون ليومٍ واحد فقط فتاة من غبار. لا يعلق فيها إلا الغبار ولا تترك خلفها إلا الغبار.

لم ندخل إلى حيفا، ذهبنا إلى رأس الناقورة ووقفنا بجانب اليهود في صفٍ واحد، التقت نظراتنا، وأطلقنا صغارنا على الأسفلت وأطلقوا صغارهم، يخالون أن شيئًا لم يحدث بيننا، أن قاموس اللغة الذي ذكرته آنفًا لم يُستبدَل، وأن الدماء ماء، وأن البحر تسقط باؤه فعلينا أن نكتفي بالحر والشمس بينما يأخذون الشاطئ والمدينة.

رأس الناقورة تقع على الحدود الفلسطينية اللبنانية، وهي منطقة جبلية نسيم بحرها يصير جليدًا في اللَّيل، وصخورها القريبة من الشاطئ ضخمة وعالية، إحداها تشبه الصخرة الشهيرة في بحر بيروت. أرضها مليئة بأشجار السرو وفيها مُغرٌ داخل المياه يمكنك أن ترى البحر وتسمعه أثناء سيرك بداخلها.

فلا تسألني عن الفرق بين الهرب والتهريب في لغة الفلسطيني، الأولى تكون بالإجبار والثانية بالاختيار. الأولى أن تهرب من شيء والثانية أن تهرب إلى شيء. نحن لسنا بضاعة. ولم أكن الوحيدة التي هربت إلى هذا الجمال الحزين، كنت أصطدم مرارًا بفلسطينيين مثلي يجوبون المكان، يلتقطون الصور ويتطلَّعون بفرحٍ وانتشاء إلى مكانٍ ربما سيرونه مرة أخرى بعد عشرات السنين. وإن حاولت أن أكون أكثر تفاؤلًا سأقول بعد عدة سنوات من الآن، ومتى ستُحلُّ قضيتنا؟ لا نعرف، ما نعرفه هو أنها مسألة وقتٍ فقط.. وقت مفتوح، من باب التحايل على اللغة أو إن شئت من باب الحذلقة على الزمن علَّ كفَّته ترجح لصالحنا.

أترككم عند هواء رأس الناقورة وبحرها المهيب، وأعود أنا إلى عكا لأكمل حكاية الصَدَف، والميناء الشرقية، والسمك والفتى الذي سحقه قاربٌ فجاءت شرطة الاحتلال لتتفرَّج على دمائه وهي تمتزج بمياه عكا. هناك قضيتُ ساعتين في البحر وجمعت الصدف عن الشاطئ، ثم غادرته بحثًا عن الغداء فاصطدمت بصدَفةٍ على قارعة الطريق، لا هي في البحر، ولا بين الرِّمال، فأسميتها «صدَفة اللحظة الأخيرة»، هرميَّة الشكل بيضاء السحنة في منتهى القبح، مليئة بالنتوءات إلى الحد الذي يحرق باطن قدمك إذا دُستها حافيًا. يا للمفارقة، صدفةٌ لاجئة.. وتخونني لغتي وأنا ابنتُها.

هذا يذكرني بجملةٍ سبق وقرأتها لمريد البرغوثي في كتابه رأيت رام الله:«السمكة حتى وهي في شباك الصيادين تظلُّ تحملُ رائحة البحر». وذهبتُ فعلًا إلى مطعمٍ قرب الميناء وأكلتُ سمكًا. البوري يفوز طبعًا، ولعلَّ نوعيَّة الأسماك ليست قضيةً كبرى طالما سمحتَ لنفسك بتناول السمك هناك، إذ من الخسارة أن تزور عكا دون أن تأكل شيئًا بحريًّا طازجًا، سواء كنت فلسطينيًّا أم عربيًّا أم سائحًا، فنحن في الضفة الغربية لا يصلنا أي شيء طازجًا، ولا حتى الحياة بطولها وعرضها.. لهذا نوصي بعضنا بعضًا بأطعمة قد تكون متوفرة بكثرة ومستهلكة حدَّ الملل في دولة غير دولتنا حين نزور مدن الداخل.

بعد الغداء مشيتُ قرب سور عكا، وسمعت بقصة ابن نابلس الذي سقط في المياه وشرَّحته مروحة قارب سريع من تلك القوارب التي تجوب بالسائحين في البحر قبل ساعة، فمات عن عمرٍ لن يناهز بعد الآن أكثر من 16 عامًا. أَسبقَ وفكرت في الموت هنا؟ بعد الغبار والترقُّب والسير لمسافات طويلة، والإحساس بالغثيان من الجلوس الطويل في الباص، بعد كل هذا الحنين لا يعطيك الله عمرًا لتشهد عودةً أخرى؟ حتى أعتى القلوب يستوقفها هذا الإحساس المرير بالهَجر لحظة الغروب، بالضياع، بالتشتت، نأتي هنا لنذوق الحياة فنموت.

دقَّ ناقوس الساعة التاسعة، لحظة التجمُّع في الباص لنعود إلى الضفة الغربية، وكان في طريق العودة عزائي حين رأيت بيتًا من بيوت عكا القديمة فيه عجوز وزوجها، هو يسقي الأزهار في فناء بيته وهي تتحدَّث معه من النافذة:

لماذا لم تأتِ عندنا؟

وكانت تقصد سيدة مرَّت بهما في سيارة ولم تتوقَّف. فأجابها:

ستعود بعد العاشرة.

وجدتني للمرة الأولى أستلذ بالتلصص على محادثة موجزة داخل حياةٍ في منتهى الصغر والبساطة، لعجوز وشيخ من عكا. أغبطهما على بيتهما القديم الذي يُمنع ترميمه، وعلى البحر الذي يطل عليهما ويطلَّان عليه، وعلى قريبتهما التي يُسمح لها بالعودة بعد العاشرة، وعلى الوقت الذي يملكان منه ما لا أملكه ولا يحتاجان إلى التحذلق عليه أو مناكفته.

الأجدر بي ألا أنظر إلى ما لا أملكه وأن أكتفي بما حصلت عليه من هذه الرحلة القصيرة: الصور الجميلة التي لن تأكلها الديدان في عيني، ورائحة البحر على بنطالي، والملمس الخشن المدبَّب لصدَفة اللحظة الأخيرة. وماذا عنكم، هل أترككم هنا أم أنكم ستعودون معي إلى الضفة الغربية؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد