لأول مرة في تاريخ الانقلابات، أن يأتي الانقلاب من رئيس مدني وعلى نظامه السياسي الحاكم! يُفهم أن يقوم بالانقلاب قائد كبير بالجيش أو قائد الجيش ذاته، مثل أغلب الانقلابات العسكرية في دول العالم المتخلف، أما أن يأتي الانقلاب من رأس النظام الحاكم على نظامه السياسي الحاكم، وعلى الدستور الذي أتي به للحكم، وعلى مجلس النواب والأحزاب والحكومة؛ فهذا انقلاب عجيب غريب غير مسبوق بالمرة.

ولماذا انقلب قيس سعيد، الرئيس التونسي، في مساء الأحد 25 يوليو (تموز) الماضي على نظامه الحاكم وكرس السلطات السياسية في يده؟

إن الأمر قد دُبر بليل للانقضاض على آخر ما تبقى من أنفاس الربيع العربي؛ فثورة سوريا فُخخت بالصراعات المسلحة، وثورة اليمن فُخخت بانقلاب الحوثيين في 21 سبتمبر (أيلول) 2014 وما أتبعه من الحرب الأهلية من الحوثيين ضد النظام الشرعي في عدن، وثورة ليبيا فُخخت بخليفة حفتر والعصابات المسلحة ضد حكومة طرابلس الشرعية، وثورة مصر فخخت بانقلاب السيسي الدموي في 3 يوليو 2013 ضد النظام الشرعي الحاكم، وقُتل الآلاف في مذابح النهضة ورابعة العدوية والحرس الجمهوري ورمسيس الأولى والثانية، واعتقل الآلاف وحتى رأس النظام الشرعي، محمد مرسي، قتلوه في السجن، ولم تتبقَ إلا تونس فليقضى على ثورتها بانقلاب باسم الدستور على يد رئيس الدولة المدني!

فقيس سعيد، يكره السياسة مع أن منصبه سياسي، ويكره الدستور الذي وضع في عام 2014 لأن هذا الدستور يغل يد السلطات عن التغول، ويكره الدستور مع أنه أستاذ مساعد للقانون الدستوري، ويكره البرلمان ويقول عنه إنه (سم سياسي)، ويحارب الأحزاب والمؤسسات، بالإضافة إلى أنه يدير تونس بعقلية العصور الوسطى، ويتشدق وهو يتكلم باللغة العربية، ويكتب رسالته يدويًّا للمسئولين كما كانت تكتب الرسائل للوالي في العصور الغابرة، وبعد انقلابه الغريب، جمع كل السلطات في يده؛ السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية؛ يعني هو الحاكم بأمره الآن!

وحجة انقلابه هي المادة 80 من الدستور التونسي والتي تنص على «أن لرئيس الجمهورية في حال الخطر الداهم الذي يهدد كيان الوطن وأمن البلاد واستقلالها، ويتعذر معه السير العادي لدواليب الدولة، أن يتخذ التدابير التي تحتمها الحالة الاستثنائية، وذلك بعد استشارة رئيس الحكومة ورئيس مجلس نواب الشعب وإعلام رئيس المحكمة الدستورية، ويعلن (الرئيس) عن التدابير في بيان إلى الشعب».

وما الخطر الذي هدد كيان الوطن وأمن البلاد واستقلالها؟ هل انتشار فيروس كوفيد-19 هو السبب؟ وإذا كان هو السبب فهل هذا الانقلاب سيحل المشكلة أم سيعقدها أكثر؟ وإذا كان الفساد هو السبب فهل ستحل مشكلة الفساد في الثلاثين يومًا التي أعلن عنها؟ وأنى له أن يستشير رئيس الحكومة والحكومة ذاتها قد حلها؟ وحتى رئيس الوزراء، هشام المشيشي، ضُرب في القصر الجمهوري وأخفي اختفاء قصريًّا ولا يعرف مكانه حتى الآن، وأنى له استشارة رئيس النواب وقد نزع حصانة النواب وجمد جميع اختصاصات البرلمان وغلَّق أبوابه أمام رئيسه والنواب بالدبابات؟ وهل التدابير اللازمة أن يعين حكومة جديدة ويكون هو المسؤول عنها.

إن الأمر قد دُبر بليل للانقضاض على حزب النهضة؛ وها هم البلطجية و(الشبيحة) يحرقون مقار حزب النهضة في كل مكان بربوع تونس، كما فعل بمقار حزب الحرية والعدالة في مصر بعد انقلاب السيسي في 3 يوليو 2013.

وحزب النهضة له كتلة برلمانية تمثل 52 نائبًا فقط بالبرلمان من أصل 217 عضوًا، ولا يمثل الحكومة؛ فلماذا تُحرق مقاره؟ أبسبب المهازل التي تمت في مجلس النواب بسبب المناوئين له؟ وإذا كانت الإجابة بنعم فلماذا لم تحرق هذه المقار في حينها؟ ولماذا لم تُحرق مقار الأحزاب المناوئين له والذين حولوا البرلمان إلى أم المهازل؟!

إن موقع «ميدل إيست آي» البريطاني، تحصل على وثيقة مسربة من مكتب مديرة الديوان الرئاسي نادية عكاشة، يعود تاريخها إلى 13 مايو 2021، تتحدث عن اعتقال سياسيين كبار، وتدبير انقلاب في تونس بالرجوع إلى المادة 80 من الدستور التونسي وأشارت إلى أن هذا الانقلاب عبارة عن (انقلاب دستوري) لينفرد قيس سعيد بالسلطة تمامًا.

بيد أن هناك أصابع خبيثة من دول إقليمية وراء كل تلك أعمال الشغب وحتى الانقلاب ذاته.

وحرق مقار حزب النهضة يتبعه أعمال شغب أكثر، ثم يظهر الجنرال المخلص ليقوم بانقلاب عسكري ليخلص البلاد من الفوضى، ولتكفن ثورة تونس وتدفن في مقرها الأخير، وليهنأ الكيان الصهيوني الذي سبه قيس سعيد في بداية حكمه وظننا أنه لن يهنأ له بال حتى يحرر فلسطين والقدس!

إن هذا الانقلاب (كتالوج) معلوم طُبق في كثير من البلدان لإعادة البلاد إلى حكم العملاء العسكر أو غيرهم الذين يحكمون باسم الكبار (الولايات المتحدة الأمريكية وربيبتها فرنسا وغيرها) والمتحكمين في بلادنا!

إن الانقلابات لا تأتي بخير، وسيعود أثرها السيئ على البلد كلها.

وعلى جميع الأحزاب التونسية الاتحاد لقلب هذا الانقلاب وإعادة الحياة السياسية إلى مجراها الطبيعي، وليكفوا عن التناحر، وليتحدوا لرفاهية المواطن التونسي الذي لم تتغير حياته الاجتماعية والاقتصادية إلى الأفضل والأحسن بعد الثورة التونسية.

إن الشعب التونسي العظيم الذي ضحى بأرواح شبابه وشيبانه في ثورة تونس، ثورة الحرية والكرامة، في 17 ديسمبر (كانون الأول) عام 2010، يجب أن يتيقظ ويوقف هذا الانقلاب المشئوم والذي سيجر البلاد إلى عصر حكم الفرد والديكتاتورية والمعتقلات والتخلف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد