أوجه كثيرة اعتنقها أستاذ الصحافة المخضرم جمال خلال مسيرته الصحافية منذ ثمانينات القرن الماضي، ليس من نفاق يعتريه ويسكن قلبه، وإنما من مصلحة عامة وحب ووطنية عميقة تجسدت به تجاه وطنه وحكامه والأسرة المالكة فهو الصحافي القومي حينًا، والإصلاحي حينًا آخر، وهو الثوري والمعارض أيضًا صاحب قلم عالمي وصوت عال لا يمكن إسكاته، يؤمن بالحرية والديمقراطية، ويناصرها يملك فكرًا نيرًا وثاقبًا ومعارضة متوازنة جعلته إصلاحيًا حقيقيًا وديمقراطيًا أصيلًا.

عمل خاشقجي في أهم صحف المملكة كعكاظ والشرق الأوسط، ثم في صحيفة المدينة إحدى أقدم الصحف السعودية لتسعة أعوام كاملة وذلك من عام 1991 حتى عام 1999 تلك الفترة كانت كفيلة ليكسب ثقة العائلة المالكة به.

استطاع جمال خاشقجي من التقرب من العائلة الحاكمة، وعمل مستشارًا إعلاميًا لرئيس الاستخبارات السعودية تركي الفيصل، وكان أحد الإعلاميين البارزين في البلاط الملكي، ولكن انتقاد خاشقجي لابن تيمية الشيخ المفضل للوهابيين بعد التفجيرات الانتحارية التي طالت المملكة وحولت شوارع الرياض لبحار من الدماء بعد قرأته لفتواه المتضمنة لجواز قتل المسلمين إن أعاقوا أو منعوا قتل الكافرين، محملًا فكره السبب وراء التفجيرات نتيجة لاعتناق تلك التنظيمات لأفكاره؛ لم ينتظر الأمير نايف بن عبد العزيز كثيرًا حتى أطاح به من رئاسة تحرير صحيفة الوطن ليغادر الصحيفة محملًا بعدوات بقيت تتربص به حتى أزاحته مرة أخرى عن الوطن نفسها في مايو (أيار) من عام 2010، وينتهي بذلك فصل من فصول أستاذ الصحافة في العمل الصحافي ويبدأ فصل جديد.

في تلك الفترة بدا جمال رجلًا متهمًا من قبل أعدائه بأنه ليس وطنيًا بما يكفي، لكن على الضفة الأخرى أصبح ينظر إليه على أنه ملكي أكثر من الملك.

في عهد الملك عبد الله كان جمال من أشد المدافعين عن المملكة وسياساتها حيث كان مؤيدًا لصحوة الإصلاح التي أطلقها الملك في المملكة، كما وقف مدافعًا شرسًا عن الحملة العسكرية التي شنها الملك في عام 2009 على جماعة الحوثي المسلحة في مدينة صعدة شمال اليمن على حدود المملكة لتأمينها وردع ما سماه: محاولات تسلل مقاتلين حوثيين للعمق السعودي.

وفي أعقاب الربيع العربي بدا خاشقجي أقل حماسًا وعنفوانًا في الدفاع عن العائلة المالكة، لكن ولاءه المطلق بقي للدولة ولحكامها حتى في بعض أخطائها الإقليمية الفادحة.

بدأ صوت خاشقجي يعلو شيئًا فشيئًا، وبدأ نقده يزداد لكثير من المشاكل التي تعتري المملكة حيث وصف خاشقجي اقتصاد بلاده بأنه اقتصاد محتل من قبل العمالة الأجنبية لذا اقترح ترحيل نسبة كبيرة منها معتبرًا أن اقتصاد بلاده ليس باقتصاد حديث ولا هو اقتصاد خليجيًا كاقتصاد الإمارات وقطر، وإنما تاه في منتصف رحلة النهضة مسببًا معدلات بطالة عالية، بالإضافة إلى أنه اقتصاد طفيلي، ومع هذا النقد اللاذع بقي خاشقجي ملتزمًا بولائه نحو الملك والمملكة فمع وصول الملك سلمان للحكم وولي عهده محمد بدأت علاقة خاشقجي الوطيدة معهم حين تلقى مكالمة هاتفية من الملك.

سلمان يثني عليه بعدما قام خاشقجي بالدفاع عن النظام السعودي في زمن الجهاد الأفغاني في لقاء تلفزيوني.

أيد جمال عاصفة الحزم التي قام بها الملك سلمان على اليمن واعتبر أن إيران تمادت في تدخلاتها في العالم العربي وحان الوقت لكي تقوم المملكة بالتصدي لها؛ وسرعان ماانضم لركب المؤيدين لرؤية ولي العهد السعودي لعام 2030  وحملته ضد الفساد والفاسدين والقضاء على الهدر الكبير من الأموال التي تتعرض له المملكة من قبلهم.

في صيف العام الماضي بدا أن شيئًا قد تغير، فمع الحملات التي قادها ولي العهد ضد الفساد بدأت حملة شرسة من الاعتقالات بحق الكثير من النشطاء والإعلاميين وعلماء بارزين، غدا الخناق يحيط بخاشقجي من كل حدب وصوب ولا مجال بعد الآن لإبداء رأيه عندها لم يكن أمامه سوى مغادرة المملكة واللجوء إلى المنفى.

يقول جمال في مقاله المعنون: (السعودية لم تكن قمعية إلى هذا الحد.. حاليًا غير محتملة) في الواشنطن بوست وفي الثامن عشر من سبتمبر (أيلول) عام 2017: «هذه المرة اتخذت خيارًا مختلفًا. لقد تركت بيتي، وعائلتي، ووظيفتي، ورفعت صوتي، ولو فعلت خلاف ذلك، يعني أني أخون أولئك الذين يقبعون في السجن. أنا أستطيع أن أرفع صوتي عندما لا يستطيع الكثيرون ذلك. أريد أن تعرفوا أن هذا لم يكن حال السعودية على الدوام، نحن السعوديون نستحق أفضل من الذي يحدث».

بدا أن شهر العسل قد انتهى بينه وبين المملكة والأسرة الحاكمة؛ لم يتوقع أحد أن ذاك الصدام سيحصل يومًا ما.

نصائح خاشقجي للقيادة السعودية ربما كانت السبب، والتي أتت بعد انتخاب الرئيس الأمريكي ترامب مباشرة حيث حذر من الترحيب الزائد به في بلاده؛ مما أثار سخط القيادة عليه، والذي أدى لمعاقبته والتضيق عليه في منابره الإعلامية ووقف مقالاته لجريدة الحياة.

كان ذلك إنذارا بالخطر بالنسبة إليه، والذي قرر مغادرة المملكة فورًا قبل اعتقال ربما يطاله، كانت الوجهة واشنطن، حيث اختار منفاه هناك ليبدأ العمل في صحيفة الواشنطن بوست كاتبًا وصاحفيًا.

فرغم أنه رفض لقب المعارض وحرص دومًا على التعريف عن نفسه بأنه كاتب مستقل إلا أن مقالاته اللاذعة والناقدة في الواشنطن بوست الصحيفة ذات الشهرة العالمية والتأثير البالغ في الرأي العالمي.

أثارت مقالاته حفيظة ابن سلمان ضده فبعد وصفه للمملكة بالقمعية في مقاله الأول رفع سقف نقده عاليًا ليتطرق مباشرة إلى ابن سلمان منتقدًا إياه في حربه على المتطرفين كما يصفهم ابن سلمان قائلًا: إن الأمير الشاب يطارد الأطراف الخطأ منددًا بحملات الاعتقالات التي طالت نشطاء الرأي والحقوقيين السعوديين في سبتمبر من العام الماضي، وواصفًا ما فعلته المملكة في اليمن بأنها دمرته بالكامل مرشدًا إياه لوقف الحرب وعاصفة الحزم التي قام بها عام 2015 وداعيًا إلى إنهاء حملته ضد الإسلام السياسي وإلى التسامح مع النشطاء والحقوقيين وعدم ملاحقة أصحاب الرأي والتعبير.

لم يتوقف خاشقجي عند هذا الحد في نقد ابن سلمان ففي لقائه مع إذاعة الـ(BBC) وصف ابن سلمان بأنه رجل السعودية الأول، وهو الذي يملك مستقبلها، ولا ندري أين سيقودنا نحو الإصلاح أو ربما الحرب.

ضاق ابن سلمان ذرعًا، ولم يعد يحتمل بما يخطه خاشقجي في الواشنطن بوست وبما يصرحه في الغرب ضده في نقده ومهاجمته مباشرة ولم يكن أمامه سوى استمالته وإقناعه بالعودة إلى المملكة؛ فقد عرض عليه من قبل مسؤولين سعوديين العودة إلى المملكة والعمل كمستشار لدى ولي العهد وطوال أربعة أشهر لم يفلح ابن سلمان ورجاله في إقناعه بالعودة إلى المملكة، رغم وعودهم له بالحماية الكاملة، إلا أنه لم يأمن جانبهم ورفض العروض كلها.

كان خاشقجي يدرك أن عودته إلى المملكة يعني الاعتقال، ومن ثم التغيب القسري، وربما الموت، ولكن معاملة رسمية سلك من أجلها خاشقجي رحلة من واشنطن إلى إسطنبول سميت فيما بعد بمعاملة الموت.

طلب خاشقجي من محاميه التكفل بالمهمة، لكن القنصلية أبت إلا بحضوره شخصيًا، ومنحته موعدًا لحضوره، وهنا كانت عملية الإغتيال ترسم له لتنفذ عند حضوره ليدخل خاشقجي لقنصلية بلاده إيمانًا منه بأن الوطن لا يغتال أبناءه، دخل ولم يخرج منها على الإطلاق، ولتنتهي بذلك حياة أستاذ الصحافة المخضرم التواق إلى الحرية، وإلى سماع صوته في وطنه، وإلى فضاء تتسع به أحلامه البسيطة، والتي ضاقت بها بلاده رغم جغرافيتها الكبيرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد