وأنت تغادر مطارًا يساوي مساحة مطار بلدك بعشرات المرّات، لن تفكر بغير شوارعها الحيّة ليلًا ونهارًا، متاحفها الساحرة، وإحدى عجائبها السبع، وأنت تسير لأول مرة في مدينة أقل ما يمكن أن تسمع عنها أنها بلد الحبّ والحريّة، بلد الجمال والفنّ، بلد التنوير والأنوار، بالمختصر مدينة الثنائيات الأخّاذة بــاريس.

إيــــفـــــل

أجمل ما ستراه حتمًا في حياتك هو أول ما يخطر بقلبك حين تزوره، صفّ انتظار يحوي على الأقل مئات الزوار في انتظار استكشاف أهم معلم فيها، «وجه باريس الأول» برج إيفل، سحره سيزداد عند الصعود إلى أعلى نقطة فيه؛ إما عن طريق المصعد الكهربائي بتكلفة 15 يورو، أو أن تصعده باستخدام السلالم بتكلفة 10 يورو.

وكلّما اقتربت من القمة يقترب قلبك من ملامسة مشهد سيرسخ أبدًا في ذاكرتك، وأنت صاعد على الدرج لن ترى سوى وجوها مائلة إلى الذهول، وجوه تحاول التهام أكبر قدر من المنظر الباريسيّ العظيم، خاصة وأنك لن ترى باريس بعد تلك اللحظة من ذلك العلوّ الشاهق. باريس من قمّة إيفل تكون شبه متكاملة بشوارعها العنكبوتية التي تجتمع كلّها وتؤدي إلى «قوس النصر» مكان لا يقل روعة عن برج إيفل.

في حضرة التاريخ

من البرج مرورًا بجسر إينا الذي يؤدي بك إلى حديقة «التروكايديرو» ثم إلى متحف العمارة ومبنى «الأكواريوم» يمكنك أن تسرق من وقتك قليلًا إن كنت من عشاق المقاهي الفخمة كي تحتسي بعضًا من القهوة الفرنسية، ومن هناك تعترضك صورًا لانتصارات نابليون، لمعاركه ولأسماء عدد المقتولين، وأنت تقترب من قوس النصر أو فاتحة الشارع ستقترب شيئًا من تاريخ باريس ومن أحد عشر شارعًا رئيسًا يربط المدينة بعضها ببعض، وهو بداية شارع «الشانزيليزيه» الشهير الذي لا ينام.

طلاقة اللغة الفرنسية تتراقص بأذنك ممتزجة بألحان «الأكورديون» الطابع التاريخي الذي طبع على أغلب عماراتها الشاهقة، زخرفات تحيي تاريخ فرنسا وأخرى تصوّر قطعًا أثرية بين الواقع والخيال تصحبك إلى استكشاف معالمها بمقربة أكثر.

ساعات من الانتظار في الصف للدخول، تحيط بك المرايا من كلّ صوب متحف داخل قصر لا يقلّ أناقة عما ستراه في خبايا البناء الهرمّي.

ستدرك هناك صغر حجم أيقونة دافنشي «الموناليزا» وبعدها عنك بأمتار بسبب حواجز الحماية من حولها والزجاج الواقي من الرصاص، والذي يفقدك دون قصد متعة تذوّق تلك الرائعة، وعلى أي حال رحلتك داخل متحف اللّوفر ستكون جديرة بكسب اهتمامك منذ دخولك إلى آخر هنيهة فيه، أقسام الفنون الإسلامية والفن الإيطالي والإسباني والقسم المصري الفرعوني، شقق نابليون الثلاثة وبلاد ما بين النهرين، معارض شعبية داخل اللّوفر ستجعلك تعتقد بأن اللّوفر وبقدرة خارقة استطاع الجمع بين عديد الحضارات، وأن اللوفر سيظل واحدًا من أهم المتاحف التي صنعت تاريخها الواحد عبر التّأريخ لمختلف بقاع العالم.

سراديب الموتى

«كانوا مثلنا غبارًا تتلاعب به الرياح، ضعفاءً مثل باقي البشر، ضعفاءً مثل العدم»، وأنت تقرأ هذه العبارات للشاعر «لامارتين» على ذلك اللوح على الأرض ستكون حتمًا بصدد زيارة عظام ستة ملايين باريسي دفنوا بعمق 30 مترًا تحت الأرض.

وأنت تجول في ممرات الموت صحبة آلاف الزائرين لن تشعر بالموت بقدر شعورك بالتاريخ حاضرًا أمامك، نقص شديد في الهواء، سراديب أُثثت بجماجم باريسيين عاشوا منذ القرون الوسطى وفي عصر الأنوار، وأنت هنا لن ترى غير العظام والجماجم لتُذكرك بأن باريس بلد الجن والملائكة وإحياء الموتى أيضًا.

من قاع الموت إلى ساحة الفن أو ملتقى الفنانين، هناك تتجلى معاني الفن التشكيلي حيث يعرض الفنانون رسوماتهم في الهواء الطلق، حيّ «مونماتر» يتيح لك الوقوف أعلى التلّة التي بنيت عليها كاتدرائية «القلبين الأقدسين»، وبعد الصعود إلى قبتها تتعرف إلى جزء من تاريخ الحرب الفرنسية الروسية.

زائر باريس حتمًا سيعجب بتفاصيلها بدءًا من شياكة أحيائها وحتى الفقيرة منها، فكلها تتسم بذات الطابع من النظافة والانسجام والفن والحب والحياة، باقة من العبق الباريسي ستجدها في كل الأزقة، ولو لم يصادفك الحظ، ولم تكن مدة سفرك إلى مدينة الأنوار كافية لاستكشاف كل خباياها، فحتمًا عليك أن تعرّج على منتزه «ميني باريس» الموجود في قلب العاصمة، وهي مدينة تحتوي على المعالم والمدن الفرنسية، ولكن بشكل مصغر يُمكّنك من مشاهدة معالم باريس في مجسمات مصغّرة بسعر 17 يورو للكبار و10يورو للصغار؛ ففي النهاية مدينة بتلك العظمة لن يتركك أبناؤها تغادرها ما لم تزرها كاملة، ولو في شكل جولة خاطفة في مجسم صغير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد