اليمن مجتمع لم يتطور بعد ليصبح دولة، والدليل غياب التماسك الوطني، والتكامل الدولي، فاليمن تدار بعقلية الصراع ما بين رواد، وعباقرة المدرسة القيمية الاستراتيجية، والمدرسة الاقتصادية الاستراتيجية، ومما لا شك فيه أن الأزمة اليمنية كشفت لنا عددًا من الحقائق، والمفارقات، والتي أبرزها العطب السياسي، والذي قاد بنا إلى العطب التنموي، نظرًا لأن كل من يتمترس خلف السلطة (مكونات داخلية)، والنفوذ (أطراف خارجية) لا يحظى بحب، واحترام المجتمع اليمني.

صانع القرار في اليمن، وعلى مدى عقود يقف دومًا مستخدمًا القوة الغاشمة في مواجهة طموحات المجتمع اليمني، وآماله المطالبة بتغيير نظام الحكم التقليدي، وتحقيق التنمية المستقلة.

ففي المدرسة القيمية الاستراتيجية تجدها تركز على الأفعال التي تقود إلى تهديد خطير على حياة السكان، وخصوصًا المجتمع المدني، وبلغة بسيطة يعنى به تواجد مجاميع مسلحة تمتلك مخزونًا بشريًّا يدار بثقافة الموت، وقادرة على إدارة أفرادها بناء أيديولوجية متطرفة، والهدف من وراء ذلك إخضاع المجتمع المدني، وجعله يقبل بالأمر الواقع، وهكذا دواليك، ما يقودنا إلى التسليم بعدم جدواها في نهاية المطاف، ووجوب وضع حد لها. لذلك فهم يرون بأن الأمن يحتاج إلى تراكم السلاح، والقوة العسكرية، بينما في المدرسة  الاستراتيجية الاقتصادية ترى بأن الأمن هو التنمية، وبدون التنمية فلا مجال للحديث عن الأمن، وأنا مع هذا الرأي المتطرف.

عقد الصراع واستراتيجيات المستقبل

تطرفي، وتطرقي لهذا الرأي  الممزوج بتأكيدات طيف واسع من اليمنيين ينبع من قناعات مشتركة عند المجتمع اليمني، والتي تؤكد بأن كل من يقبع تحت سلطة الأمر الواقع لجماعة الحوثي  قد يحضى بالأمن لكنه يعاني من حرمان شديد من الخدمات الاقتصادية، والمعيشية، وبات واضحًا بأن المجتمع ينهار في مناطق سيطرة جماعة الحوثي.

أتطرق مجددًا للمدرسة الاقتصادية الاستراتيجية، والتي تشترط على رجال الحكم فيها بأن يكونوا على دراية، واتصال بالعلاقات الدولية، وأن يلموا بشكل جيد بمواقف، ودوافع الآخرين للتدخل في الشأن اليمني، ناهيك عن إجادة التعاطي مع المتغيرات الدولية، وقراءة أفكار الآخرين لما يخدم المجتمع اليمني.

وبذلك أقدم هنا دليلًا لفهم التنمية المستقلة في اليمن، فالشريط الساحلي لمدينتي تعز، ولحج، وريفهما  يعد جزءًا من موقع بناء الصراعات الحيوية في اليمن، وتمتلك بعدًا اقتصاديًّا، وثقلًا استثماريًّا يؤهلها لتمتلك ثقلًا سياسيًّا بامتياز على المدى البعيد، في حين تعد مأرب، والجوف، وحضر موت، وشبوة، والمهرة والجزر اليمنية المسرح الاستراتيجي الهام في اليمن، لتنجح خطط الأمن الاقتصادي الجماعي في اليمن.

يبدو بأن الحديث يحتاج إلى مزيد من المكاشفة، والإسهاب، فحدود الصراع في اليمن باتت تمر في منعطف غاية في الخطورة. فاليمن لم تعد تستطيع حماية مصالحها المعنوية، والسياسية، والاقتصادية، وهذه الرسالة ابعثها إلى جماعة الحوثي في صنعاء. فكل ما قدمته جماعة الحوثي لليمنيين عبارة عن  زيادة معدلات التسابق على التسلح، والصراع، والمنافسة المحمومة على زيادة رقعة معاناة المجتمع اليمني، بل انعدام الأمن الأقتصادي، والغذائي، وانهيار وشيك في قطاع الرعاية الصحي، وقد عزز ما سبق شهادات موثقة للعلامة محمد بن عبد العظيم الحوثي بهذا الخصوص.

باءت استراتيجية جماعة الحوثي بالفشل، نظرًا لتكيف المجتمع اليمني مع ثقافة الموت التي رسمتها، وخير دليل بأن جميع المناطق المحررة تمتلك ثقلًا عسكريًّا، وتسليحيًا موازيًا يفوقها كمًا، وكيفًا، ويتمدد نحو مناطق حاضنتها الشعبية المفترضة والمنحسرة.

كيف يمكن تلافي الحرب في اليمن؟

هناك مساران لا ثالث لهما، فإما يتم نزع السلاح، والحد من التسلح لأطراف الصراع في اليمن، وإنشاء آلية لتثبيت وقف إطلاق النار، وهذا مسار صعب ولكن ليس مستحيلًا  في هذا التوقيت بالذات، أو استحداث مواقع جديدة لبناء مجتمع مثالي يؤمن بالأمن الاقتصادي الجماعي، وخير موقع لمجتمع كهذا هي بيئة ساحل، وريفي تعز، ولحج والتي تتاخم مدن، وقرى مديرية الشمايتين بالحجرية، ويكون مركزها مدينة التربة في جنوب تعز.

التنمية المستقلة هي الرأي المتطرف الناجع في اليمن، والذي يعد هو الحل المثالي خصوصًا في المناطق المحررة، وبإمكانه خلق واقع مثالي متميز نابع من إعادة اكتشاف الموارد، والإمكانيات الوطنية، والاستقلالية في توظيفها، وتوسيع دائرة استقطاب المجتمع، والطاقات نحو الشراكة في خيارات الأمن الاقتصادي الجماعي  مع ضرورة وضع حد نهائي لخطط، وموروث سيطرة الفكر التقليدي في حكم اليمن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد