عملية الكتابة عملية متعبة ومرهقة، تشبه لدى بعض المبدعين عملية جراحية صعبة، ما أن يفرغ صاحب النص من نصه حتى يزفر زفرة ارتياح، ويدعو بنجاح العمل كأي طبيب أنهى في التو إجراء عملية مستعصية، تشبه لبعض الفنانين طقسًا روحيًا كالصلاة، يجب أن يُقدر الكاتب أن عملية الكتابة شيء يتقرب به لروحه، يفعل أي شيء حتى يجود الله عليه بالإلهام الكافي لكتابة نص أدبي في أي شكل من أشكاله، سواء كان قصة، مقالًا، روايةً، قصيدة، لا بد أن يتضرع صاحب النص لله حتى يأتي الإلهام، والبعض يعتبر أن كونك كاتبًا شيء يشبه المقامرة، فأنت تترك حياتك تسير كما تشاء الأقدار، قد ينال نصك استحسان النقاد، أو الجمهور، أو كليهما معا؛ فتنال من المال والشهرة نصيبًا يجعلك في وضع اجتماعي أفضل، وقد تخفق في عشرات النصوص؛ مما يجعلك فريسة لليأس والشعور بالضياع، أو الإفلاس والوقوع فريسة للخمور والمخدرات، وتلك هي الصورة التي يحبها صناع السينما، والتي جعلت الإبداع في نظر الناس مقترنًا بالجنون، أو مقترنًا بغرابة أطوار صاحبه.

ما وراء الإبداع

في كتاب ما وراء الكتابة _ تجربتي مع الابداع. يفتح لنا الكاتب المصري إبراهيم عبد المجيد بابًا من أوسع الأبواب التي تجعلنا نعبر منه إلى حياة الكاتب الشخصية، يسمح لنا أن نرى تأثير القراءة والكتابة كفعلين أساسيين في حياة الفنان السكندري اليساري الذي كان دومًا معبرًا عن حال أبسط الناس وأدق أنفعالاتهم، ومشاركهم فيها بشكل حقيقي.

 كيف يمكن أن أكتب عن عبد الناصر

يذكر الكاتب في كتابه مقالًا قديم له عن جمال عبد الناصر، يتحدث فيه عن ثقة الناس وولعها به، والصورة الصغيرة التي تحمل توقيع عبد الناصر التي وصلته بالبريد في عام 1955، وهو في عمر التاسعة؛ بعدما أرسل إليه بالبريد في طلبها.

يتحدث عن حب الناس لناصر، وعن العدوان الثلاثي، والغارات التي كانت تمر فوق البيوت، عن أثر الهزيمة في نكسة 1967 على نفوس كل الناس، وبالأخص من كانوا يثقون في قوة الرئيس، ومن ثم عن عمله الحزبي في الحزب الشيوعي المصري، وتركه في مايو (آيار) 1977 وعهده الذي قطعه على نفسه بعدم الانضمام لأي عمل منظم.

يتحدث عن ذكرياته مع كتابة روايات المسافات، وصياد اليمام، وغيرها، يكشف السر الذي دفعه للكتابة عن المكان، والتخلى عن الأيديولوجية السياسية التي تكبل الفن.

يقول إبراهيم عبد المجيد عن عمله في الترسانة البحرية بعد تخرجه من المدرسة الصناعية وبداية انخراطه في الحياة العمالية وتحمل المسئولية وبداية طريقه نحو السياسة والفن آنذاك، يقول:

كان مقاول الكهرباء يونانيًا اسمه كاتزيان يقود عمالة المصريين، شخص مثقف لا أذكر كيف جمعت الظروف بيننا في وقت الراحة ليعرف أني مشروع أديب فيناقشني في الأدب والفكر وينقلني إلى السياسة التي انتهت بأن أعطاني أول كتاب في الماركسية كما قلت. منه لله عذبني بطلب العدل الذي لم أجده أبدًا.

الكتابة عن الأسكندرية

الأسكندرية ليست مجرد هواء يهب من البحر، إنما هواء أرسله التاريخ العجيب للمدينة.. تاريخ التمرد والنزق والتسامح.. والكتابة عن هذه المدينة أفق مفتوح تبحر فيه كل السفن الممكنة.. إنها بلورة سحرية تعطيك من كل ناحية عشرات الصورة.

بهذه الكلمات يبدأ الكاتب في حديثه عن حبه الأثير للمدينة الساحرة، وعن ثلاثيته التي ستُعرف فيما بعد بثلاثية الأسكندرية.

يستعرض الكاتب التاريخ الطويل للمدينة صاحبة الألفي عام من التسامح والمحبة وتقبل الآخر، وهي مدينة نحتاج للحديث عنها إلى مجلدات كاملة بداية من العصر الهلليني، أو السكندري، أو عصور اضطهاد المسيحية، أو عصر محمد علي، هي مدينة لا يشعر فيها أحد بالغربة، أو كما يقول عالم النفس اليهودي جاك حسون بعد خروجه منها بعد عام 1956 إن من يغادر الأسكندرية لا يغادرها أبدًا، وأنه لم يشعر بالاغتراب أبدًا إلا حينما ابتعد عنها.

الثلاثية هي أحد أبرز أعمال إبراهيم عبد المجيد بدأت برواية لا أحد ينام في الأسكندرية التي تدور عن الحرب العالمية الثانية وبدأ كتابتها في عام 1992 وانتهی منها ونشرها في 1996 ثم طيور العنبر والتي تدور أحداثها في الخمسينات والستينات والتي بدأ كتابتها في 1997 ونشرها في 2000، وآخر رواية في الثلاثية أتت بعنوان الإسكندرية في غيمة، والتي بدأ كتابتها في 2010 وانتهی منها ونشرها في 2013.

يستعرض الكتاب ذكريات كل عمل، وبالأخص ذكرياته عن الإسكندرية والأعمال التي كتبها عنها، موضحًا تاريخ المدينة الطويل ومظاهر حياة الناس فيها مستعينًا بالجرائد اليومية في فترة الحرب العالمية الثانية وما بعدها، وحكايات الناس وذكرياتهم وذكرياته الشخصية عن المدينة التي تدهورت نتيجة الغرق في عادات وتقاليد غريبة عنها نتيجة المد الوهابي الذي انتشر في سبعينات القرن الماضي بواسطة تحالف الرئيس مع الإخوان، والذي أودی في النهاية بحياته.

محطات اجتماعية

يتخطی الكتاب كونه استعراضًا لعملية ممارسة الكتابة والفن، ليؤرخ الحياة المصرية من كل جوانبه في الفترات التي تناولها الكاتب، يتحدث عن الأوضاع السياسية والاقتصادية والثقافية علی طول الكتاب وموضحًا أثر هذه التغيرات علی حياته الخاصة، الشخصية والفنية وتأثير التغيرات علی أعماله وأبطالها. يستحضر ثورة يناير وأثرها، ويتحدث عن هنا القاهرة الرواية التي جعلت شعوره بالاغتراب في القاهرة يتركه بعدما وثق حياته فيها برواية طويلة، يذكر سبب كتابته أداجيو الرواية الطويلة الحزينة التي يمتزج فيها الحزن بالموسيقی الكلاسيكية. يستحضر الكتاب حديث طويل عن فن القصة القصيرة الذي برع فيها الكاتب وبدأ بها مسيرته الأدبية.

ما وراء الكتابة سيرة فنية، أسرار وحكايات عن حياة كاتب مصري، كواليس كتابة عدة أعمال مصرية بارزة لرجل يتنفس ويعيش بسبب حبه للفن والكتابة والموسيقی.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد