المكان ليس مجرد حدود وتضاريس جغرافية بحتة، بل هو رمز الإنسان ومنه يستمد ثقافته وعاداته وتقاليده، بل يصل التأثير إلى تأثير فسيولوجي وسيكولوجي، فإنسان في حالة تأثير متبادل مع المكان، وليس في عراك مع الطبيعة، بل هي حالة تكاملية وليست حتمية، فالمكان هو الذي يولد في الإنسان رغباته، فتجد الإنسان يتشكل عنده حب الوطن والانتماء للمكان الذي فيه، بل يحدث عنده حالة توصف بالشجن.

لقد أوجد الله الإنسان واستخلفه في الأرض وسخر له كل ما وقعت عليه حواسه، وكان لهذه النظرة اختلاف بين الفلاسفة في علاقة الإنسان مع الطبيعة، أهما في علاقة صراع؟ أم علاقة تكاملية تسخيرية؟ وكان لهذا الخلاف أثره في العصور واشتد هذا الصراع في العصر الحالي، وعليه بنيت النظريات الاقتصادية والعلوم الاجتماعية، حتى وصل الأمر إلى تطويع الحقائق العلمية لتأكيد هذا الصراع.

ونحن نؤمن أن الله أوجدنا لكي نكون في حالة تفاعلية تكاملية مع المكان والبيئة، ولذلك كان ولا بد من تطويع المكان والتفاعل مع خصائصه حتى يتم المقصود من و جودنا، ولذلك كنت الدول المتخلفة في انحدارفي شتى المجالات لأنها لم تستطع أن تحقق التكامل مع البيئة والمكان، فأهملته وأخذت تجري وراء الماديات الملموسة القريبة الآجلة، وتركوا الخيرات التي وهبت إليهم فلم يعبؤوا بها، وظلوا في غبيات الظالم.

فكيف نستطيع أن نجعل من هذا المكان مهدًا جديدًا للحضارة والثقافة التي نؤمن بها ونسعى إليها؟ كيف نحقق التكامل المكانيفي شتى المجلات مع اختلافها إلا أنها متقاربة إلى أبعد الحدود.

لقد تكلم مجموعة من علماء الجغرافيا حول مفهوم المكان، وحاولوا أن يفسروه ويشرحوه باعتباره كائنًا مستقلًا، لقد وصفه العالم الجليل جمال حمدان في (شخصية مصر):”عبقرية المكان”،  فهذا تشبيه رائع للمكان، وأخذ الدكتور جمال حمدان يبحث عن شخصية مصر عن طريق العبقرية المكانية لها، وكيف تستطيع أن تحول هذه العبقرية إلى حضارة منظورة، من خلالها تستطيع أن تكمل رسالتها في الحياة.

فإذا كانت أهمية المكان إلى هذا الحد، فهل علاقة المكان مع غيره من الأماكن تحمل نفس العلاقة؟ أم أننا نجداختلافًا؟

عندما تكلم الدكتور جمال حمدان عن شخصية مصر وعبقرية المكان اعترض كثير من الناس عليه واعتبروا ذلك مقدمة لكسر الوحدة العربية والإسلامية، لأن ذلك يؤدي إلى شخصنة مصر عن غيرها من الدول العربية والإسلامية، فهل عندما نقول العلاقة بين المكان والإنسان علاقة تفاعلية تكاملية نفرق بين الإنسان وأخيه باعتبار البلاد؟وهل إذا تكلمنا في البلد الواحد بين الخصائص المكانية المختلفة ومدى تأثيرها في الإنسان، يكون هذا باعثًا على التفرقة بين أبناء المكان الواحد؟

فليس المقصود من الحديث عن الفروق الطبيعية بين الأقطار العربية أو القطر الواحد (مصر)  أن نطمس معلم التشابه بين الأقطار، ولكن نقول إن هناك ثمة فروق، وليس يجديفي مواجهتها علميًّا أو قوميًّا أن نتجاهلها في سبيل وحدة جغرافية منمطة، أو تجانس طبيعي باهت موهوم.

إنما الشخصية الإقليمية أشبه بالشخصية الإنسانية، فلشخصية هذه أو تلك مركب معقد للغاية من عدد ضخم من العناصر وتوليفة معينة من السمات والملامح والمعالم، فإذا اشتركت شخصيتان في الغالبية من تلك العناصر والقسمات، ولكن اختلفتا في قلة منهما مهما تضاءلت، فليس علينا جناح أن نتكلم عن (تفرد) الشخصية في كل منهما رغم التشابه الواسع المدى، ودون أن يعني ذلك أي تنافر أو تضاد بينهما.

ولهذا فإن من الخلط أن نظن الحديث عن تفرد الشخصية الجغرافية وعبقرية المكان لهذا القطر العربي أو ذاك، يعني تدعيم الدعوة الانفصالية، وأن القول بتفرد أي إقليم هو تبرير للتجزئة السياسية أو سند لانفصال يتعارض مع الوطنية والقومية والوحدة العربية.

وحقيقة الأمر أن الوحدة السياسية لا تأتي بالضرورة من الوحدة الطبيعية، وإنما من الوحدة البشرية تأتي، فالعبرة بقيام دولة موحدة دستوريًّا هي وحدة الناس، أي وحدة تعني بتجانسهم في المقومات الأساسية من عقيدة سائدة تجمع أشلاءهم وتوحد صفوفهم وتجمعهم تحت راية واحدة، ولغة مشتركة وتاريخ ملتحم ومصلحة مترابطة.

ومن الملاحظ أن كلمة ((الإقليمية)) تستعمل عادة عند بعض الكتاب السياسيين كنقيض للوطنية والقومية، وحينئذ تكاد لا تستعمل إلا مقرونة بصفة ((الضيقة)) إشارة إلى انفصاليتها الأنانية أو الجاهلة.

وهذا كله غير صحيح، غير أن من الضروري ألا يختلط هذا الاستعمال مع الاستعمال العلمي لكلمة الإقليمية في الجغرافيا، والإقليم الجغرافي هو الوحدة المكانية المتجانسة الكاملة والمثالية.

وحتى لا نصل إلى موضوع بلا موضوعية، فإنه يجب على كل الجهات التخطيطية في مصر أن تأخذ على عاتقيها هذا الأمر جيدًا، وأن تعيد النظرة إلى ما حدث من ((تخبيط)) وليس تخطيط لكل المجالات التعليمية والصناعية والاقتصادية والسياسية، وأن تراعي النواحي الإقليمية في تخطيطها، ومدى تفاعل المجالات المختلفة مع الخصائص المكانية، فإننا نمر بأزمة عنيفة، نتاجًا لما مر من سوء للتخطيط وعدم وضع الأمور في نصابها الطبيعي، وندع ذلك الافتخار الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، والحديث عن (فضائل مصر) التي أوردها الرحالة الأجانب في كتبهم مهملين ببساطة كل الإشارات العكسية أو المعاكسة  التي أوردها الكاتب نفسه، والتي تكون أضعاف الفضائل كمًّا وكيفًا، فما أكثر ما نقلب عيوبنا عن عمد إلى مزايا ونقائصنا إلى محاسن، بل وأسوأ من ذلك قد نتباهى ونتفاخر بعيوبنا وسلبياتنا ذاتها! ولعل هذا تجسيد لقمة ما سماه بعض الناس ((الشخصية الفهلوانية))، ويبدو عمومًاأننا كلما زاد جهلنا كلما زاد تعصبنا، وكلما ازدادت أحولنا سوءًا وتدهورًا كلما افتخرنا بأمجادنا، وكلما ازدادنا هزيمة وانكسار كلما زدنا افتخارًا بأننا شعب محارب، وكلما زدنا استسلامًا وتسليمًا كلما زدنا تباهينًا بأننا شعب سلام متحضر، أهو نوع من الدفاع الطبيعي عن النفس للبقاء؟ أم خداع للنفس قاتل؟ أم هو الأول عن طريق الثاني؟

فكيف نستطيع أن نعمل على الترشيد الأمثل للمكان في كافة المجالات الصناعية والتعليمية؟
هذا ما نحاول الإجابة عليه من خلال المقالات القادمة.. والله من وراء القصد.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

المكان
عرض التعليقات
تحميل المزيد