كان من حظي أن شاهدت فيلمين عربيين مثلهما في يوم واحد في حفلين متتاليين في سينما زاوية في وسط المدينة, أحدهما أردني والآخر إماراتي, والمشترك بين الفيلمين أنهما صنعا بالمشاركة مع صناع أفلام من غير العرب, خاصة في النواحي الفنية التقنية مثل التصوير والمونتاج, بينما يحمل المخرج جنسية العمل, سأسعى هنا لنقد فني يعتمد على المقارنة بين الفيلمين, وأعلم كم تكون المقارنة بين عملين غير منصفة غالبا, ولكنها في هذه الحالة تبدو لي كذلك.

أعرف للأردن قدرها في صناعة أعمال درامية جذابة وولادة ممثلين ومخرجين على قدر كبير من الموهبة, لكنني لم أكن أعرف جنسية فيلم “ذيب” قبل دخوله ولم أسع للمعرفة, يسهل الحكم على الأفلام بشكل نمطي إذا عرف عنها الكثير قبل مشاهدتها, لذا فإنني حقا استمتعت بمشاهدته وسعدت بالمعرفة التي عقبت المشاهدة, في الوقت نفسه فإنني قد علمت هوية صانع فيلم “ظل البحر” قبل المشاهدة بدقائق, حيث قدم المخرج فيلمه قبل العرض قائلا “هنا ترون الإمارات على عكس ما يروج لها الإعلام دوما أنها بلد يقطنها فاحشو الثراء فحسب, سترون هنا جانبا مختلفا”, لم يعجبني تقديمه للفيلم, لم تعجبني فكرة أن يقدم صانع العمل فيلمه ولم يعجبني ما قاله عن الفيلم, ولكنني آثرت الانتظار والحكم بعد المشاهدة.

فيلم “ذيب” في رأيي متميز للغاية, أصعب ما في إخراج الأفلام السينمائية، هو الحفاظ على حالة متماسكة يتسم بها الفيلم وترتبط بها كل المشاهد معا, خلق هذه الحالة مهمة صعبة للغاية, فإنها تستلزم سيطرة على عدة أشياء في آن معا, وهنا يمكن تمييز المخرج صاحب النظرة والفلسفة من المخرج “الصنايعي” الذي يتقن استخدام الأدوات ولكنه بلا فكر أو فلسفة محددة, والأفلام تبني أولا وأخيرا على فكرة وفلسفة ورؤية, والمخرج هنا صاحب رؤية وبصيرة, يعرف ما يريد ويستطيع تحقيقه, فكره ناضج بإمكانه دائما رؤية زاوية أعمق من كل موقف إنساني.

على الجانب الآخر فإن فيلم “ظل البحر” ذو إخراج مرتبك, أعتقد أن الشيء الوحيد الذي استقر عليه المخرج هو ما قاله في تقديمه للفيلم, أن نرى الإمارات كمواطنين بطريقة مختلفة, فالأبطال بالكاد ميسوري الحال ويعيشون في منطقة عادية ويلبسون ثيابا رخيصة, وهو اتسق مع هذه الفكرة بشكل جيد بالفعل، ولكن الفكرة انتهت هنا, لا يوجد رؤية خلف هذه الرغبة في تصوير الإمارات بشكل مختلف, أجل جعلني أراهم أناسا عاديين مثلنا, لا كما اعتدت أن أشاهدهم في الإعلام, استطعت أن أرتبط بهم كبشر عاديين, ولكن هذا ليس إنجازا كافيا في رأيي, السينما هي صناعة غايتها الأولى تفهم الدوافع البشرية، والبحث عن مكامن الإنسانية داخل كل أنواع البشر, لا أظن أن الوضع كان ليختلف لو أن الفيلم عالج مشاكل مجموعة من فاحشي الثراء, لأن المشاعر البشرية والدوافع الإنسانية ليست حكرا على طبقة اجتماعية بعينها, وبالتالي كنت لأرتبط بهم كبشر أيضا بلا مشكلة, المشكلة هي أن المخرج بدت رؤيته مشوشة ومرتبكة, وأنه لا يعرف ماذا يريد من فيلمه.

التمثيل

في “ذيب” كان هناك بشر حقيقيون, صبي وأخوه ورجل إنجليزي وقاطع طريق, وأقلهم إقناعا في تأدية دوره، كان الرجل الإنجليزي, بينما الصبي يهيمن عليك بشكل عجيب, يسيطر على حواسك, تشعر بألمه وإن لم ينطق أو يبدو على وجهه أي تعبير, قوي، برئ، مرتبك، عنيد, تحبه وترجو له النجاة, وتحب أخاه لأنه ظهره وحمايته, لأنه يعلمه ويلاعبه, لأنه يذود عنه وأنت لا تريد إلا أن ترى هذا الصبي بخير, ثم يظهر قاطع الطريق, تتأرجح مشاعرك وترتبك, أنت تحب الصبي, ولكنك تتعاطف مع قاطع الطريق, تكرهه ولكنك لا تريد له أن يموت, عيناه تخيفانك في البداية، ولكنها تجذبانك مع الوقت, كلما عرفت عنه تعاطفت معه, وقلبك معلق بالصبي, تريد لهما النجاة ولكنك تريد للعدالة أن تتخذ مجراها, تتمنى النهاية السعيدة من قلبك وتعلم أنك لن تحصل عليها.

البطل في “ظل البحر” شاب, والنظرة النمطية للشباب هي المسيطرة, رأيت هذا النموذج من الشباب كثيرا للغاية في السينما, حتى لم أعد أفرق بين ملامحهم ولا قصصهم, ولكنني أفرق بين أدائهم, وأداء البطل هنا كان متوسطا, لم أتفهم دوافعه بالكامل, لم أشعر بما يشعر به في كل الأوقات, أرتبط به فيقوم بفعل مبتذل فأنفصل, البطلة أيضا صورة نمطية للشابة, لم أتفهم أيا من دوافعها ولكن هذا عبء المخرج لا عِبؤها بالكامل, بقية الشخصيات عادية, بعضهم يجعلك تتفهم وتتعاطف مثل والد البطل, وبعضهم ترفض أن تفهم أي شيء في وجوده مثل أخي البطلة, الكثير من العادية والابتذال.

التصوير

التصوير في كلاهما محترف, مصوري كلا الفيلمين يملكان القدرة على الرؤية الجميلة للأشياء وتجسيدها خلال الكاميرا, كذلك المونتاج وهندسة الصوت وباقي النواحي الفنية, التصوير في “ظل البحر” فيه جمال خال من المعنى أحيانا, وفي “ذيب” ممتع ومعبر للغاية دائما, لن أنسى المشهد في الجبل, ولا أول مرة يفيق فيها قاطع الطريق, ولا كل اللقطات من داخل البئر, الصورة أصبحت لغة حية تنطق وتسمع.
وكلا المصورين من غير العرب – للأسف-.

النهاية – السيناريو

كلا الفيلمين حظا بنهاية غير منطقية في وجهة نظري, في “ذيب” القصة واقعية والأحداث ذات تتابع مُثرٍ, لم تشعر بالانتقال ولكنك حتما تنتقل, فاذا حاولت أن تتذكر في مرحلة ما كيف بدأ الفيلم وكيف وصل إلى هنا ستشعر أن سنين مرت منذ بدأ الفيلم, ستسأل نفسك طول الوقت كيف انتهينا إلى هذا؟ ولكنك لن تشعر بالوقت الذي يمر أثناء الانتقال, لا ملل ولا انفصال عمّا يجري, حتى تصل إلى النهاية, جادلني صديق حضر معي العرض أن للنهاية منطق مستتر وأن علينا أن نفكر جيدا لنفهمه, ولكنني ولو وافقته على هذا أرى أن الحدث السينمائي الذي يحتاج مني للتفكير لتبرير حدوثه لم يكتب جيدا, الفيلم السينمائي ليس لغزا بل طرحا, وأنا لم أتفهم الدوافع التي أدت بالصبي لفعل ما فعل في نهاية الفيلم بشكل بديهي, رغم الإمتاع الذي حققه الفيلم طوال مدة العرض, فإن الكثير من الأسئلة ظهرت في الخمس دقائق الأخيرة فانفصلت, تكون النهايات حاسمة لهذه الدرجة أحيانا.

النهاية في “ظل البحر” مثل البداية, لم يتغير البطل مطلقا, أراد الكاتب أن يقنعنا بأنه تغير فربط تغيّره كإنسان بعلاقته بالبحر, ولكنها علاقة خالية من الأسباب والمسببات وخالية من الارتباط مع أحداث الفيلم ذاتها, فبدا وكأن المؤلف يحاول أن يفرض شيئا لا وجود له, كثير من الأشياء لا تفسير لها في هذا الفيلم, خوف البطلة من الرجال, غضب أخيها, كراهية أبيها لأخيها ولا مبالاته تجاهها هي وأختها.

و كثير من الأشياء مبتذلة, مشاهدها مع البطل, المشاهد التي توضح خوفها من الرجال, مشاهد البطل مع صديقه وحوارهما, الحوار مبتذل في عموم الفيلم وركيك للغاية.

الموسيقى مميزة للغاية في فيلم “ذيب” لا يمكن نسيانها بسهولة, معبرة عن الحالة وتهواها الأذن.
الموسيقى في غير موضعها أحيانا في “ظل البحر”, تنسى بسهولة وإن عبّرت عن معان لطيفة لا علاقة لها بما يحدث في الفيلم في أغلب الوقت.

“ذيب” فيلم جميل وناضج أرجو أن أرى مثله كثيرا, و”ظل البحر” تجربة أولى مليئة بالأخطاء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد