هل يقدح في مقامي العالي أن أفشي سرًّا دفينًا عن علاقتي الخاصة جدًّا بها؟
لا أرى بأسًا بذلك إن كان يخدم انتفاضة شعبنا المنصورة بإذن الله تعالى في القدس والضفة وكل فلسطين، إنني أقدم بين يدي ذلك إقرارًا بأني لست من المتشائمين أو المتربعين أبراجًا عاجية، لا همّ لهم ولا عمل إلا إطلاق التصنيفات والتعليمات وتوزيع الرتب والنياشين على من شاؤوا، ونزعها عمن يشاؤون. إنني ببساطة أتابع بقلب محبٍّ مشفقٍ ومراقب يعنيه أن ينصح أهله وأحبابه لترشيد أعمالهم وتسديدها ما اسطاعوا إلى ذلك سبيلًا.

وعودة لذلك السر المتعلق بالمطبخ، ومعلوم لدى القاصي والداني أنه المكان الذي لا تنازع المرأة فيه أبدًا، إنه مملكتها وهو ساحة إبداعها وإلهامها كذلك.. ومع ذلك فإنني أعترف بأنني كنت أحصل على استدعاءات ملحّة بين الفينة والفينة لاقتحام ذلك العرين واستلام دفة القيادة فيه كي تسير الأمور بسلاستها المعهودة ولا تتراكم المشاكل والمعضلات فيتعطل الإنتاج وأكون أنا أول الضحايا!
الأمر يتعلق بحالات خاصة تحتاج إلى “عزم رجال” كما تسميه أم العيال، وأؤكد هنا أنها حالات خاصة ومحدودة كي لا يظن البعض ممن يستهويهم الصيد بالماء العكر أن لي قدمًا راسخة بين الأطباق والصحون.

إن المرأة التي يمكن أن تقوم بأعباء البيت كلها بلا كلل أو ملل أو ضجر من قبل طلوع الفجر إلى أن يأوي الجميع إلى فراشهم قد يعجزها أحيانًا فتح وعاء زجاجي (مرطبان) صغير، ما يستدعي حضور قوات تدخل سريع لإنجاز هذه المهمة، وفي بيتنا فإنني أتقمص دور تلك القوات الخاصة، وقد يتكرر الأمر في حال احتراق شيء من الطعام في قدر، ما يستدعي جهدًا كبيرًا وعزمًا عند فركه بسلك الجلي – أو هكذا هو في مخيلة ربة المنزل – وإلا فإن ذلك القدر سيحال إلى التقاعد فقط لأن “ست البيت” لا تملك زندًا قويًا يمكن أن يزيل ما علق به من زيت أو طعام محترق!

ما أمهر المرأة في استخدامها للسكين في مطبخها، فهل تلك المهارة تعطيها شهادة تؤهلها لخوض معركة بالسكاكين مع جيش جبان يبيح لجنوده إطلاق النار عند أي شعور بالخطر ولو كان من قبل امرأة أو طفل؟

إننا بحاجة إلى توصيف مهام كل فرد صادق يؤمن بأن عليه المشاركة في شرف نصرة المسجد الأقصى والقدس بقليل أو كثير، وأنا هنا لا أبخس من جهد أحد ولا أقلل من شأن أي مشاركة من الأطفال قبل الفتيان ومن النساء قبل الرجال ومن الشيوخ قبل الشباب، كل ما أرنو إليه هو وضع الشخص المناسب في المكان المناسب، وإعطاء كل فرد ما يناسبه من وسيلة يقارع بها المحتل.

إن قصر المقاومة على شكل واحد ونمط محدد من أشكال المقاومة هو وصفة للتعثر والتوقف، وكذلك الأمر بما يتعلق بأداة المقاومة، فالاقتصار على الطعن والسكاكين في الانتفاضة الحالية لن يزيد من أوارها واشتعالها، وهو ما توحي به الآية الكريمة: “وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة” بفتحها كل آفاق القوة مادية ومعنوية. وهو ما يجعلني أجدد معارضة تسميتها بانتفاضة السكاكين فهناك الدهس والقنص وكثير مما هو آتٍ آت بإذن الله تعالى، وإن لكلٍ دورًا عليه ألا يستصغره وإلا فإنه سيتحول إلى أحد الرماة الذين تركوا أماكنهم يوم أحد بغية مساعدة إخوانهم في جمع الغنائم.

إننا ونحن نتابع تلك الملحمة البطولية التي يسطرها أهلنا بكافة أطيافهم في مواجهة ذلك الاحتلال البغيض، نجد لزامًا علينا أن نمحض النصح لمن نحب، وترشيدًا للانتفاضة وتسديدًا لمسارها فإن كيفية مشاركة النساء والأطفال والأدوات الخاصة بهم، بحاجة إلى جهد من كل المعنيين بدءًا بالعلماء والمفكرين والقادة الميدانيين لتقييم الأدوار التي يمكن أن ترفع من إيجابيات تلك المشاركة وتقلل من السلبيات التي يمكن للعدو والمتربصين استغلالها للنيل من تلك الانتفاضة.

إنني لست بصدد إخراج النساء والأطفال من ساحة النزال بالكلية، والإشارة بأن اختيار وسيلة أخرى غير الطعن بالسكاكين لهم لمقاومة المحتل لا يعد ذلك تهوينًا أو إنقاصًا من قدر تضحياتهم وبذلهم، ويبقى الأمر مفتوحًا في اختيار وسيلة تثخن في العدو وتنال منه أكثر من تلك الوسيلة. ونحن هنا أمام تاريخ حافل مليء بالصور المشرقة لمشاركة المرأة والطفل بل ومزاحمتهما الرجال في ميدان المقاومة والجهاد.

ماذا على النساء في ضفتنا المحتلة التي تئن وتتوجع من التنسيق الأمني الآثم أن يقوموا بمسيرات كبرى ومظاهرات عارمة تتجه نحو مقرات الأجهزة الأمنية وترفع في وجوههم مطلبًا واحدًا هو: (أعطونا سلاحكم لنقاوم المحتل).

ماذا عليهن أن يكشفن عملاء المحتل وحماته من الذين يروجون إلى أنها “هبّة” عابرة وليست “انتفاضة” جبارة، كما فعلت مرابطات الأقصى في جامعة النجاح مؤخرًا بكشف القواسم المشتركة بين أفعال المحتل الغاصب وأذنابه، إن من أعظم ما تحتاجه الانتفاضة حماية ظهر المنتفضين من أشباه الرجال الذين ارتضوا أن يكونوا مطية المحتل وآذانًا وأعينًا لكلابه.. أولئك الذين لا همَّ لهم إلا المحافظة على أرواح المستوطنين الذين يدخلون “خطأ” إلى مناطق السلطة فيعيدوهم معززين مكرمين. أولئك الذين يتربصون بالمجاهدين ويتحرّون عنهم حتى يكشفوا خلاياهم ويزجونهم في سجونهم أو يقوموا بتسليمهم للعدو.. وما خلية سلواد عنا ببعيد.

إن أساليب العطاء كثيرة واسعة، فمن قبل قدمت أحلام التميمي دعمًا لوجستيًّا للشهيد عز الدين المصري رحمه الله لتنفيذ عمليته البطولية، وقدمت أم نضال فرحات رحمها الله دعمًا لوجستيًا للشهيد الملثم عماد عقل رحمه الله، ومثلهما الكثير الكثير من بناتنا وأخواتنا وأمهاتنا المجاهدات المرابطات الصابرات المصابرات في أرضنا المباركة وخارجها، والأمر ليس قاصرًا على ما تكشفه وسائل الإعلام فكم من الجنود الأخفياء الأتقياء الأنقياء الذين لهم أعظم الأسهم في هذا الجهاد المبارك ويقينًا أنّ للمرأة نصيب كبير من تلك الأسهم، فإنها وإن لم يكن لها عزم بدني في الطعن بالسكاكين فإن عزمها فاق عزم الرجال في مقارعة المحتلين وإفشال مخططاتهم الآثمة لتقسيم الأقصى الحزين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد