لا تقولِي أختي الفاضلة أين وصلتِ في ختمةِ القرآن، قولي أين وصل القرآن فيكِ، دعي جوارحك تتحدث عن مدى تعلقك بآيات الله وسنة الحبيب، كم تود كثيرٌ من الفتيات أن تصبحَ ملتزمةٌ، يتوقف هذا الحُلم على عوائق، أحد تلك العوائق قلة فهم الالتزام، وعليه فإن أغلب الناس بمختلف الجنسين يظنون أن الالتزام هو تزمّت وتكلّف، به يحدث الانعزال الاجتماعي وبه ينزوي المخلوق عن كل شيء سوى تدينه، ليس الالتزام أن تقفهر الوجوهُ ولا بأردى الملابس، الالتزام الحقيقي هنا، في القلب، والجوارح إما أن تصدّق ذلك أو تكذبه.

أختي الفاضلة، كيف تريدين أن يراكِ العالمُ بزي الالتزام وأنواع التجاوزات الشرعية تتخلل حجابكِ، متى ستنتهي حلقات التخاذل والبلادة، كثيرٌ من الفتيات يُحببن أن يُنظر إليهن على أنهن ملتزمات بغض النظر عن حقيقة الالتزام في جوهرِ كل واحدةٍ منهن، وحتى يُبنى فِلتر الالتزام، وجب عليهن أن يقدمن لهذا الدين أكثر مما يقدمن لحواجبهن وأظافرهن.

كم من المحتوى اليوم يصلنا على الانستغرام -مثلاً- من حسابات الموضى الخاصة بالحجاب والعباءات، قد تستغرب من حجم الإقبال على تلك الصور التي تمثل كل شيء إلا الحجاب الشرعي، تكثر الهاشتاقات ويكثر المقلدون ويكثر المفتونون معها، بعض الصور مضحك فعلاً لوضوح وجود الحجاب ونقيضه، وقعت عيني بالصدفة على رسالة إحداهن تقول: «حققت حلم بابا ولبستً الحجاب، كنت خائفة كتير من الناس، وصلتني رسائل شجعتني إني أستمر بالحجاب وإني ممكن أجرب الحجاب مع ألبسة عصرية أكتر، أنا اليوم أسعد إنسانة بالعالم.»، أما الفتاة فما زالت تؤرخُ صورها بحجاب وبدونه حتى اليوم، يا لذلك الطموح ويا لتلك السعادة!

يستهدف الفكر الحداثي المرأة المسلمة بكل ما أوتي من قوة، ولنعرّف الفكر الحداثي فهو موجة ضلالات تدعو لسحب بساط الدين من تحت المجتمعات المحافظة، والزج به في ركب الاختلاط والموضى. إن أهم سلاح تصيغه الفكرة الحداثية هي إيجاد مسوغ لما تقوم به، فقبل أن تدعو المرأة لخلع حجابها، تلقّنها انصراف المجتمع عنها واستغلالها والتنقيص منها وحبسها، وللآسف بعض الفتيات انصاعوا لنداءِ كل ناعقٍ يطالب بإخراج المرأة من أمرِ حجابها وعفافها، موجة التغريب هذه حوّلت مهجع الحجاب والعباءة الشرعيين إلى مجرد قطعٍ قماشية تزداد بها الزينة وتبرز بها الأنوثة لا أن يتم إخفاؤها.

أثناء دراستي الجامعية لم أكن مضطرًا لتصديق أقاويل الناس عن الفتيات اللواتي جعلن الله أهون الناظرين إليهن، حتى رأيت بأم عيني من كانت ترتدي الحجاب في الحرم الجامعي ثم تخلعه خارجه، وأخريات يتذبذبُ حالهن ويضطرب إيمانهن حينما تكون معرفتهن بأسماء الممثلات والمحلات التجارية أكثر من سور القرآن الكريم.

ما يتحتم علينا في هذا الوقت أن نهتم بهذه السطحية في فهم الدين، الصائب الآن أن نشرع بمحاربة من يساعد فتيات الضلالِ على امتطاء موجة الشهرة، البرامج الفضائية التي تثير الفواحش والمنكرات تلعب دورًا مهمًا في حقيقة الأمر، حربنا مع «السوشيال ميديا» أولاً وأخيرًا، حربان إن صح التعبير، حربٌ لهدم فسادِه ودعواته لإعادة صياغة الدين وفق الرغبات والشهوات، وحربٌ ثانيةٌ للزج بالأصوات والأقلام النسائية البناءة، وإن لم نفعل ذلك فستكون صفحات القرآن الكريم مجرد أوراق نقرأها دونما تدبر، يقول الشيخ الطريفي: «القلب لا يمتلئ بتعظيم الله إلا بالعبادة فعبادة الجوارح كالمغاريف تملأ القلب بتعظيمه ومن لم يجد لله هيبة في قلبه فلأن جوارحه منصرفة إلى غيره».

وقبل أن تصل منسوب مياه التغريب إلى ارتفاع يصعب فيه التنفس، يجب على أهل الولاية من أرباب المنازل أن يغرزوا الحجاب العفيف في بناتهم منذ الصغر، إن الطريق الصحيح نحو الالتزام بمبادئ الشارع الإسلامي يبدأ من التربية ولا ننس إنكار المجتمع على المنكَر ومحاربته له بالتشهير والتعزير، تأكدي أيتها الفتاة أن الجمال الذي أودعه الله فيكِ لا يرتبط بشكلِ الزخارف التي على الحجاب أو على العباءة، إنما هو متشكل في الأخلاق والمبادئ. ما المشكلة العظمى برأيي؟ حينما ترى آباء وأمهات يراعون هذا الانفتاح ويتفهمونه خير تفهّم .

وبسبب قلة من ينكر المنكر على أهله، أخشى أن تصبح التصرفات الفردية السيئة هي النمط المألوف في المجتمع، أول المغالطات أن ترى كثيرًا من المسلمين يدافعون بكل ما استطاعوا من قوة على شرفهم وعرضهم ونسبهم، لكن تراهم أهل ديثٍ على فتيات المجتمع الأخريات، يقول العلامة المحقق حمد بن عتيق رحمه الله: «فلو قدر أن رجلاً يصوم النهار ويقوم الليل ويزهد في الدنيا كلها، وهو مع هذا لا يغضب لله، ولا يتمعر وجهه، ولا يحمرْ ، فلا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر، فهذا رجل من أبغض الناس عند الله وأقلهم دينًا، وأصحاب الكبائر أحسن عند الله منه».

إن الحجاب الشرعي كان في عصر الهجرةِ علامةً فارقة للتفريق بين الإماءِ والحرائر، والأخيرات يعرفن بسترهن فلا يتعرض لهن السفهاء، أما اليوم ترى كثيرًا من الفتيات اللواتي اخترن الطريق السهل والقصير، فتظهر مفاتنهن للذاهب والآيب، منهن من يرتدين الحجاب العصري، الحجاب الجذاب بألوانه وطريقة لفّه الخلابة على الرأس وإخراج بعض الشعر من الأمام، ليتهارش ويتسابق الرجال بعضهم بعضًا على هذه اللقمة السائغة.

صبرت المرأة التي أقبلت على النبي كي يدعو لها بالشفاء، هذه المرأة التي هي من أهل الجنة صبرت على المرض لكنها لم تصبر أن تتكشف عورتها أمام الناس. وكم من فتيات هذا العصر من تتكشف وتترنح دون صرعٍ ودون مرض؟ فلمثل هذا يذوب القلب من كمدٍ، إن كان في القلب إسلام وإيمان، أختم وإياكم بأبيات شعرية كتبها الشاعر أسيد عواد في الحجاب .

اليوم آمرها بأن تتغيرا.. نفسي أنا والرشد بات مقررا

خلي الهوى خلي المعاصي إن لي.. قلبًا تمادى في الضلال تعثرا

اليوم ألزمها خلاق محمد.. خير الأنام وخير من وطأ الثرى

وأعيدها لصوابها وأعيذها.. من شر شيطان أراد ودبرا

وأذيقها طعم الوصال بربها.. في الليل حين البدر يفترش الذرى

حين النفوس تؤول صوب فراشها.. نفسي تؤول إليك يارب الورى

خير النفوس هي التي لله.. دومًا تطمئن وليتها فينا ترى

ولقد حجبت عن الغواية ناظري.. والسمع عن همس تحايل وافترى

قد كنت في بحر الضلالة غارقـًا.. والله ربي للهداية يسّرا

لما شممت عبير زهر ساجدٍ.. شيءٌ تحرك في الضلوع تأثرا

لما وجدت النور يعلو مؤمنـًا.. صافحت وغدًا ذراعي مثمرا

وجميلةٌ قد غلفت بحجابها.. حسناء تأبى أن تباع وتشترى

كالبدر لاحت لا يميز سحرها.. إلا الذي عشق الجمال وقدرا

بايعتها بين النساء مليكة.. والتاج فوق حجابها قد أشهرا

ورأيت قوما للصلاة تسابقوا.. كان السباق مؤثرًا ومعبرا

لما ارتوى دربي بقطر وضوئهم.. صار الطريق إلى الصلاة معطرا

تلك المشاهد والرؤى قد أصلحت.. نفسًا وأهدت للخلائق شاعرا

كم مرة نفسي أنا طاوعتها.. واليوم آمرها بأن تتغيرا

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

القرآن
عرض التعليقات
تحميل المزيد