بسم الله الذي حرم الظلم على نفسه وجعله بين عباده محرمًا، فقد كتب الأستاذ عماد الدين السيد مقالاً طويلاً بعنوان (ما فعله الفقهاء بامرأة فضلت الطلاق على التعدد)، وقد كان المحور الأهم الذي دار حوله المقال هو محاولة أ. عماد إثبات أن الضرر الواقع على المرأة التي يتزوج عليها زوجها هو (بأس) يبيح لها طلب الطلاق، ويعفيها من الإثم المترتب على طلبه، ورتب على ذلك مسألتين، هما:

1- أحقية المرأة التي تزوج عليها زوجها فتضررت لذلك في طلب الطلاق لا الخلع، يعني أنها ليست مضطرة للخلع وخسارة صداقها وحقوقها المالية، كما هو المعمول به في واقع الناس اليوم.

2- اعتبار أن الأساس في الزواج هو أن للزوجة حق طلب الطلاق إن تزوج عليها زوجها، وعلاقة ذلك بمسألة اشتراط عدم التعدد في عقد الزواج.

وقد بذل الكاتب –أشهدُ- جهدًا كبيرًا في تقرير هذه المُسَلَّمَة التي بنى عليها مقاله، وقد نص عليها في ثنايا كلامه، وهي: (البأس هو الضرر)، وسيأتي ردنا الشافي كاملاً على هذه الفَرضِيَّة الجدلية، بما لا يبقى بعده ردٌ إن شاء الله.

طرحٌ غير موضوعي!!

ولكني آسَفُ حين أن أقول: إن الكاتب لم يسلك المسلك العلمي المتبع في مناقشة مثل تلك القضايا الفقهية! فقد استعمل الأسلوب العاطفي في عرض المسألة، بإظهاره المرأة على أنها مجنيٌّ عليها، وأن الفقهاء المسلمين عبر القرون جُناةٌ! وقد آن أوان إنصافها على يد الأستاذ عماد!

صدَّر الكاتبُ مقالَه بسؤال مِن امرأة تزوج عليها زوجها، فأدى ذلك إلى أنها (تفتقد شعورها بالأمان في غيابه) [مع شعورها بالأمان لو غاب في عمل في دولة أخرى ولو سنة كاملة!]كما أنها (لا تحب تناول الغداء وحدها) [ليس هذا فقط] بل (ولا أن تشاهد التلفاز وحدها)، يا الله!

ثم بعد هذا التمهيد العاطفي جاء أوان إلقاء التهم، (لقد أخلَّ هو بعلاقتنا) (جاء بأخرى، وخصم من وقته معي، وأعطاه –القاسي!- لها) (تسبب لي بمشاعر سلبية عديدة) أين دموعك أيها القارئ؟!

ثم جواب الشيخ يأتي في نفس سياق استمالة القارئ لتأييد جانب المرأة أيا كان، فيأتي جوابًا صادمًا قاسيًا غليظـًا! وقد احتوى جملاً مثل:

  • (بإجماع العلماء) وهذا حائط صد كبير جدًا جدًا يصيب من يسمعه بالعجز عن رد ما سيأتي بعده!
  • (لا يحق لك)!!
  • (الغيرة والخصم من وقتك وهذه المشاعر السلبية ضرر غير معتبر في الشرع) ما أقساك أيها الشرع!
  • (لا يحق لك) مرة أخرى!
  • (عليكِ أن تصبري وتتحملي، أو أن تردي له المهر الذي دفعه وتخلعيه!) أهكذا؟!

نعود للمسكينة! التي تسأل سؤالاً يمزق القلوب: (يعني يتزوج علي ويسبب لي كل هذا الضرر، ثم أرد له ماله ليستمتع به معها؟ هل هذا عدل؟) كفى بكاءً أيها القارئ!

فيرد القاسي -أعني الشيخ- ردًا ملؤه الجفاء، مختومًا بجملة قمة في الغلظة: (إن لم يعجبك التعدد فادفعي له مهره وارحلي!) يعني موت وخراب ديار؟! يا لقسوتك أيها الشيخ!

تبريرات أم حِكَم؟!

وبعد هذه المقدمة العاطفية، والتي أكرر عدم علاقتها بالمنهج العلمي في طرح مثل تلك القضايا، بدأ أ. عماد في عرض ما أسماه هو (تبريرات) الفقهاء لرؤيتهم لقضية التعدد، وقبل مناقشة كلامه في هذا الجزء من المقال أنبه لأمور:

1- استعماله لكلمة (تبريرات) وهي كلمة سيئة السمعة عند عموم الناس؛ إذ تعني أن من يوصم بها فهو على الباطل ابتداءً، وأنه سيضطر إلى (تبرير) موقفه!

2- الكاتب وضع (تشريع) تعدد الزوجات في قفص الاتهام، وقد انبرت (الآراء الركيكة للغاية التي يسهل دحضها) لتدافع عنه و تبرره!

3- لم يذكر الكاتب من قال بهذه (التبريرات)؟ ولا أين قالها؟ كما لم يبين علة اقتصاره على هذه (التبريرات) الثلاث التي ذكرها! رغم وجود علل وحِكَم كثيرة جدًا وراء تشريع التعدد![1]

أولا: زيادة عدد الرجال على النساء

يقول الكاتب إن هذا هو التبرير (الأشهر)، ولست أدري من أين أتى بذلك؟! ولكن لِنَرَ ما في هذا التبرير من خلل يستوجب رده على القائل به.

الخلل الذي رده به أ. عماد هو: أن ذلك مقبول في الحالات الطارئة (حروب – ثورات – انقلابات..) والتي يصاحبها نقص كبير في عدد الرجال. ولكن الكاتب لا يقبله في غير تلك الحالات، لأن عدد الرجال ليس دائمًا أكثر، مستدلاً بإحصائية عَزاها لتقرير صادر عن الأمم المتحدة للعام 2010، يزعم –التقرير- أن عدد النساء كان أقل من الرجال في هذا العام. وقد استغرق بحثي عن هذا التقرير قرابة أربع ساعات دون جدوى! لكنني أثناء بحثي وقفت على عدة حقائق من عدة مصادر موثوقة مرفقة بالمقال، وهذه الحقائق هي:

1- نسبة عدد الذكور في العالم لم تزد على عدد الإناث منذ عام 2001 وحتى يومنا هذا أبدًا! بل إن عدد الإناث دومًا أكثر، وتراوحت النسبة طوال هذه الفترة ما بين 50.55 % إلى 50.68 %، لصالح الإناث.[2]

2- النسبة التي اعتمد عليها أ. عماد إنما هي نسبة المواليد، فتكون غالبا أمام كل 100 أنثى من 102 :107 ذكر، ولكن هذا الفارق يظل يتضاءل لا سيما في مرحلتي البلوغ والمراهقة وحتى سن 25 عامًا، [وذلك لأسباب كثيرة ليست فقط الحروب والثورات والانقلابات!] ثم تزيد نسبة الإناث على الذكور بعد ذلك، وتظل في تزايد حتى إنه في بلد كفرنسا يشكل النساء 8 من كل 10 ممن بلغوا سن 100 عام.[3]

3- حسب آخر إحصاء قامت به وكالة الاستخبارات الأمريكية والمنشور في كتاب (حقائق العالم) لنسبة الذكور للإناث للعام 2014 فإن نسبة الذكور كانت أقل من الإناث بنسبة 0.06 % [4]والصورة المرفقة تمثل النسبة بين الجنسين لكل بلد حسب المجموع العالمي، فاللون الأزرق يمثل أكثرية الإناث، واللون الأحمر يمثل أكثرية الذكور حسب المتوسط العالمي.[5]

ولْتطرح قارئي الكريم كل هذه الإحصاءات جانبًا، فقد أكون أو يكون أ. عماد أو حتى المواقع التي نعزو إليها كلامنا مخطئين! ولْتقرأ كلام الشيخ الشعراوي في البحث الذي أورده أ. عماد معتمدًا عليه في مقاله محل النقد، حيث قال رحمه الله: “إذا كان هناك تعدد في طرف من طرفين، فإن كان الطرفان متساويين في العدد، فإن التعدد في واحد لا يتأتى، والمثل هو كالآتي: إذا دخل عشرة أشخاص حجرة، وكان بالحجرة عشرة كراسي، فكل واحد يجلس على كرسي، ولا يمكن بطبيعة الحال أن يأخذ واحدٌ كرسيًا للجلوس وكرسيًا آخر ليمد عليه ساقيه، لكن إذا كان هناك أحد عشر كرسيًا، فواحد من الناس يأخذ كرسيًا للجلوس وكرسيًا آخر ليستند عليه، إذن فتعدد طرف في طرف لا ينشأ إلا من فائض، فإذا لم يكن هناك فائض، فالتعدد واقعًا يمتنع، لأن كل رجل سيتزوج امرأة واحدة وتنتهي المسألة، ولو أراد أن يعدد الزواج فلن يجد.

إذا فإباحة التعدد تعطينا أن الله قد أباحه وهو يعلم أنه ممكنٌ لأن هناك فائضًا، والفائض كما قلنا معلوم، لأن عدد ذكور كل نوع من الأنواع أقل من عدد الإناث، وضربنا المثل من قبل في النخل وكذلك البيض عندما يتم تفريخه، فإننا نجد عددًا قليلاً من الديوك والبقية إناث، إذا فالإناث في النبات وفي الحيوان وفي كل شيء أكثر من الذكور، وإذا كانت الإناث أكثر من الذكور، ثم أخذ كل ذكر مقابلَه، فما مصير الأعداد التي تفيض وتزيد من الإناث؟ إما أن تَعِفَّ الزائدةُ فتُكْبَتَ غرائزُها وتُحبط، وتنفس في كثير من تصرفاتها بالنسبة للرجل وللمحيط بالرجل، وإما أن تنطلق، تنطلق مع من؟ إنها تنطلق مع متزوج، وإن حدث ذلك فالعلاقات الاجتماعية تفسد، ولكن الله حين أباح التعدد أراد أن يجعل منه مندوحةً لامتصاص الفائض من النساء، ولكن بشرط العدالة”. أ.هـ

وهكذا ثبت أن ما ردَّ به أ. عماد على هذا (التبرير) لا يَسْلَمُ له، وأن الله الخالق العليم الحكيم الذي شرع التعدد أعلم بحال خلقه وباحتياجاتهم الطبيعية، “ألا يعلم مَن خلق وهو اللطيف الخبير”؟!

في المقال التالي نواصل الرد ونقضي إن شاء الله على ما بقي لدى الكاتب من حججٍ بنى عليها مقاله، والله المستعان.

————————————————————————————–

[1]وكلام المفسرين في حِكَم التعدد كثير جدا، يمكنك أن تجده في أي كتاب تفسير بجوارك! ولقارئ الشابكة (الإنترنت) يمكنك أن تراجع في ذلك:

https://islamqa.info/ar/14022

https://fatwa.islamweb.net/fatwa/index.php?page=showfatwa&Option=FatwaId&Id=71992

 

[2]راجع في ذلك الإحصائية المنشورة على صفحة البنك الدولي والتي قامت بها شعبة السكان في الأمم المتحدة

https://data.albankaldawli.org/indicator/SP.POP.TOTL.FE.ZS

 

[3]راجع في هذا الشأن مركز الدراسات السكانية جامعة الملك سعود

https://cps.ksu.edu.sa/ar/question

 

[4]https://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%82%D8%A7%D8%A6%D9%85%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84_%D8%AD%D8%B3%D8%A8_%D9%86%D8%B3%D8%A8%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%86%D8%B3

 

[5]https://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%85%D9%84%D9%81:Sex_ratio_total_population_per_country_smooth.png

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد