كأي صحافي وكاتب أبحث عن قصتي في كل حدث، ولأن الانتخابات أبرز ما يشغل الساحة العراقية، صرت أبحث وسط تزاحم القصص وتشابه معظمها، حيث لا صوتَ يعلو على أصوات الشعارات البراقة المغلفة بالزيف والخداع والمؤطّرة بقوانين شكلية ضعيفة، وبالرغم من كل ذلك فلابد من شيء مختلف أنقله للجمهور الذي صار على علم تام بكل شاردة وواردة، ومطلعًا على أدق تفاصيل العملية السياسية والانتخابية، لكن ما وجدته مختلف تمامًا عما كنت أبحث عنه، حيث ظهر أمامي جبلٌ من الألم يرقد على أرض مثقلة بالهموم والمصائب سُقيت بالدموع حتى ارتوت؛ فأنبتت صبرًا وعزيمة على الانتقام لأجل من رحلوا، وللحفاظ على ما تبقى، ولأمن من سيأتي.. إليكم القصة كاملة، وعليكم الصبر والتحمل.

كانت طفلة تعيش برفاهية منحها إياها والدها الذي كان مديرًا لإحدى مدارس مدينة الموصل بمحافظة نينوى، ولها أخ وأخت وأمها ربة بيت لا تعمل سوى تربية أبنائها الثلاثة، كبرت الصغيرة ودخلت قسم الكيمياء في كلية التربية بجامعة الموصل، وفي عامها الثاني هناك، وفي عمر العشرين تزوجت ممن كانت تحلم به معظم نساء المدينة، وهو ضابط في الجيش العراقي، أنجبت قبل تخرجها من الجامعة بنتًا وابنًا، وبدعم من أهلها وزوجها أصحبت الأم الشابة خريجة جامعية، واستمرت الحياة الجميلة، بالرغم من خطورة عمل زوجها في الجيش؛ حيث يخوض العراق حربًا ضروسًا ضد النظام الإيراني؛ لترزقَ بابن ثانٍ، لكن السعادة بالنسبة لها توقفت في عمر السابعة والعشرين؛ إذ وفي أثناء حملها بشهرها التاسع جاءَها النبأ الذي حوّل الحياة إلى جحيم، فتلك الصغيرة أصبحت زوجة الشهيد، أو أرملة البطل المقاتل، وبعد يومين فقط من هذا الحدث رُزقت بطفلة ولدت يتيمة الأب؛ لتكون أمًّا لأربعة أيتام؛ ما اضطرها لتربيتهم وحيدة، وهي تنظر لأقرانها من النساء ممن في عمرها، كيف ينعمن بحياتهن، وهي في ريعان شبابها حملت بهذا الحمل الثقيل.

بطلة قصتي تدعى هدى تلك المعلمة التي لن تفسر معالم الحزن في وجهها، دون أن تفتح لك قلبها وهي تذرف الدموع وتعود بذاكرتها إلى المشهد الذي صدمت فيه عندما وجدت ابنها محمد أو (حمودي) كما تحب تسميته، وهو ينشر صورَ والده على أرضية الغرفة ويخاطبه قائلًا: سآخذ بثأرك عندما أكبر. ودموعه تسيل على خديه، لم يكن محمد الذي كان ما يزال صغيرًا ويرتاد رياض الأطفال يعرف أن والده تحت التراب؛ لأن هدى حرصت على عدم إخبار أطفالها باستشهاد والدهم، لكنها تفاجأت عندما عرفت من بعض صديقاتها أنه كان يعرف بوفاة والده، ولم يسأل أمه عن ذلك، صور راكان، زوج هدى سبب كثيرًا من المواقف الحزينة لها ولأطفالها، فقد أصيبت ذات يوم بحالة هستيريا، عندما بحثت في كل أرجاء المنزل عن طفلتها الصغيرة ولم تجدها، وبعد بحث طويل عثرت على ابنتها البالغة من العمر ثلاث سنوات في خزانة الملابس وهي تحتضن صورَ والدها الذي لم ترَه إطلاقًا، فهي جاءت إلى الدنيا بعد يومين من رحيله، وجدت هدى صغيرتها ودموعها على خديها محتضنة صور والدها، كبر الأطفال الأربعة ودخلوا إلى المدرسة، لكن الأمر بدأ يزداد تعقيدًا على هدى؛ حيث صار الأطفال يطالبونها بحضور والدهم إلى المدرسة، كما يحصل مع زملائهم، وهي تحاول إقناعهم بصعوبة ذلك، وفي داخلها تتقطع حزنًا وألمًا؛ فالصغار كانوا كلما رنّ جرس المنزل يخرجون راكضين ينادون (جاء بابا)، ووقع ذلك كان كالزلزال يهزّ كيانها، فبين لهفة الأطفال ولهفة هدى على راكان شعور مشترك، لكن العودة من العالم الآخر لا يحدث سوى في الأحلام، وكوابيس اليقظة لم تترك للحلم من سعة.

كان محمد يحب منذ صغره الزيَّ العسكري ويطمح أن يكون ضابطًا كمعظم أبناء مدينة الموصل التي تعد أكثر مدينة عراقية تصديرًا للضباط، وكمثله الأعلى والده، الذي يدين له بعهد الانتقام من قتلته والثأر له، ومثل خاله الذي كان خيرَ عون له ولإخوته وأمه، كان متمردًا على المدرسة، وتسعى هدى جاهدة لإقناعه بالدراسة والمداومة على الالتزام بالذهاب للمدرسة، كبر محمد والتحق بدورة لتخريج الضباط في الأردن، وحقق حلمه أخيرًا، ما أفسح له المجال ليتزوج وينجب طفلين، وأصبح حمودي الصغير أبا سيف.

خرجت هدى في صباحها المعتاد بسيارتها الخاصة إلى عملها في المدرسة، لكنها شعرت بضيق في الصدر، وأضاعت طريقها الذي اعتادت على سلوكه لسنوات، وبلا شعور رفعت هاتفها واتصلت على ابنها محمد، حيث قلب الوالدة يشعرها بوجود شيء ما ليس كما يجب، لا سيما أن الوضع الأمني مضطرب منذ الغزو الأمريكي للبلاد، لم يجب محمد على اتصال أمه، كان ذلك الاتصال هو الأخير، فأبو سيف كان قد فارقَ الحياة في تلك اللحظة، وهو في الثالثة والثلاثين من عمره، وهو نفس عمر والده، تاركًا خلفه زوجة شابة أرملة، وطفلين يتيمين؛ لتصبح هدى أم وزوجة الشهيد، منظر إخراج حمودي من المنزل ممددًا في نعشه محمولًا على الأكتاف من قبل الأصدقاء في الشرطة، والأقارب، أصاب أمه بانهيار عصبي فقدت على إثره وعيَها، حيث أرادت مرافقته إلى مستقره الأخير.

هذا الشعور لم يفارق الأم الثكلى بعد وفاة ابنها، حيث كانت تخرج دون وعي متوجهة بسيارتها إلى المقبرة، وتضع جنب ابنها الشاب نقيب الشرطة محمد راكان، الطعام والفواكه والحلوى وتوزع من ذلك على الفقراء لشعورها أنه يأكل معهم إن أكلوا، عندما يبرد الطقس تأخذ الأغطية وتضعها بقربه فهي تشعر أنه يبرد مع برودة الطقس، صارت هدى تخاف وتخشى على الثلاثة المتبقين من أبنائها وعلى أحفادها من الخسارة كما حصل مع زوجها وابنها.

لكن رصاص الغدر لم يرحمها للمرة الثالثة، حيث جاء الدور على شقيقها وسندها بعد رحيل زوجها، كان ضابط طيار قبل الاحتلال الأمريكي للعراق، والتحق من جديد بعد الغزو بوزارة الداخلية، عند مقتله كان شقيق هدى ضابط شرطة برتبة لواء وأبًا لثمانية أطفال، ما جعل العبء عليها أثقل من قدرة تحملها وتحمل أي إنسان على هذه الأرض، كلما سمعت إحدى زميلاتها في المدرسة توبخ طالبًا وتطلب منه إحضار والده، وليس أمه، تتوجع ويعتصر قلبها على أبنائها وأحفادها وأبناء أخيها، فهذا الزمان صار يراعى فيه الكلام حتى مع الصغار.

لم تستطع هدى إكمال قصتها رغم فضولي لمعرفة المزيد، فالدموع التي كانت تنهمر من عينيها أثناء روايتها لبعض مآسي حياتها أخذت تؤثر على صوتها ولم تعد قادرة على المواصلة، وهنا سألتها لماذا رشّحتِ نفسك في الانتخابات وأنت مثقلة بكل هذه الهموم؟ هل تنقصك هموم السياسة؟ قالت لي: قررت أن أرشح في الانتخابات حتى أنتقم ممن أوصلوا البلد إلى هذه الحال، ولأعمل على ما عجزوا عن فعله، فالنساء والأيتام حالهم يرثى له، وسبب وصولنا لهذا الحال هو ترك الفاسدين والمجرمين التفرد بالحكم؛ ما جعلنا دمىً في أيديهم، يحركون مصائرنا وحياتنا بالطريقة التي يشاؤون، هدى جار الله رشحت نفسها عن قائمة القرار العراقي، فهل قرارها موفق؟ وهل ستكون من أصحاب القرار وسط زحمة الصراعات السياسية؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد