إن قضية المنهج بالغة المساس بالمنظومة العقدية التي يتبناها صاحبها – وعى بذلك أو لم يعه -، كما أنها قضية متعددة الجوانب إذا ما وضعنا في اعتبارنا الواقع باعتباره مؤشرًا هامًا لتحديد زاويا النظر للأمور، ومراعاة نقطة الانطلاق حين يوضع في الاعتبار حال الأمة ومكمن تحدياتها. والمنهج – في الإسلام – له خصوصية؛ فهو الناطق عن منطلقات التوحيد الكامنة في طياته حيث إن الوسائل – ممثلة في منهجية المعرفة – لا تنفك عن غاياتها في الإسلام، فهي كاشفة لها ومعبرة عنها، ولهذا يحتل المنهج مركزًا متفردًا إذا ما تحدثنا عن سعي جاد على هدى الدين وشرعه الحنيف.

وإذا ما خصصنا الأمر، وجدنا أن المنهج في المعرفة الإسلامية قضية مستقرة في بيئاته العلمية؛ فلا تعلم ولا معرفة دون منهج، حتى وإن لم يبدأ طالب العلم أو الباحث في قضايا الفكر الإسلامي بتلقي المنهج بصورة كلية، فإن المنهج يظل كامنًا في الجزئيات – حتى في المنهجيات المتحررة عن المنهج بقدر ما، مثل الدعوة السلفية اللامذهبية – يظل هناك نمط ما في التعامل مع جزئيات الشرع؛ فالخروج عن منهج لا يتم إلا بمنهج أيضًا.

وبعض النظر عن خصوصية المناهج باختلاف فروع المعرفة، ما بين التمذهب الفقهي والعقدي ومنهجيات البحث وعلم الحديث…إلخ.، فإن الجامع المشترك بين تلك المنهجيات استقراراها على قوالب تتسم بقدر كبير من الثبات؛ فلكل منها سلمه التعليمي واصطلاحاته وأشهر قضاياه…إلخ. وتجتمع هذه المناهج أيضًا على الاستدلال الحجاجي في إثبات آراء وتضعيف أخرى، في نقد سند أو متن مع تصحيح آخر وفقًا لطرائق مستقرة وثابتة. ومثال على ذلك رد د. علي جمعة[i] على أحمد عمارة فيما يخص كلام الأخير عن جواز صوم الحائض، فإنه حين أراد جمعه تفنيد حجة عمارة في هذا القول لجأ إلى جزئيات مستقرة في منهجيات الشرع في كونه جاهل باللغة وأنه قد خرق إجماع الأمة على هذا الأمر.

وحتى يتضح الأمر، فالمنهج حتى يتكون ويستقر في حاجة إلى منطلق يمثل قاعدته (التوحيد في حالة المسلمين) ومعان يغذيها هذا المنطلق (ككل المعاني الإسلامية مثل التقوى والصبر والشكر…إلخ.) وأخرى لا تمثله (كالظلم والشرك والنفاق…إلخ.)، ومع الحراك المجتمعي وفقًا لتلك المنظومة يتشكل المنهج من خلال تفاعل الأفراد (العلماء في حالتنا تلك) مع الواقع، ومع مراكمة الخبرات واستقرارها يتكون المنهج من تلكم التفاعلات. وبالتالي يصبح المنهج معبرًا عن المنطلق التوحيدي ومعانيه، ونتاج ذلك تكون الوسيلة كاشفة لمضامينها بشكل تلقائي في سلاسة ولا يحتاج العالم الإشارة إلى المعاني حين استخدامه المنهج، لأنه ببساطة معبر عما هو كامن فيه. فحين يستخدم الفقيه في هذه الحالة حجية الإجماع والدليل اللغوي، فهذه دوال ذات مدلول واضح ومستقر ومشير لما خفي من بداهات الإسلام ممثلًا في التوحيد ومعانيه.

إذن فالمنهج لا بد له أن يعكس المنطلق الذي ينطلق منه والمعاني التي تعبر عن هذا المنطلق، وهذا لا يتم إلا حين يكون المنهج في حالة انسجام مع الواقع الذي نشأ فيه.

وحين نتحدث عن علاقة الواقع بالمنهج، لا نعني تغير المنهج بتغير صور الواقع؛ فالصور تتغير مع الأحداث والأحداث من سمتها التغير والتجدد، ولكن ما أقصده تغير المنطلق التوحيدي نفسه، وبناء عليه الخلل التام في المعاني المُراد ترسيخها في حالة الإسلام وغيرها المُرَاد إزهاقها. وإذا ما حللنا الواقع الذي نحياه نجده الآن يعادي بشدة المنطلق التوحيدي؛ ويطعن بلا رحمة في مجموعة المعاني والقيم المرادة منه. ولقد أصبح هذا من البداهات خاصة في المائة عام الأخيرة في تاريخ الأمة الإسلامية؛ إن النهش صار على مستوى المعاني قريبة الصلة من عصب التوحيد ذاته، ولبيان هذا بجلاء نستعرض ثلاثة نصوص مبينة عن حال الواقع الذي نحياه الآن لبيان حقيقة طبيعته:

ولنتخيل الآن إنسانًا يلبس «التي شيرت»، ويسكن في منزل وظيفي بُني ربما على طريقة «البريفاب» (الكتل الصماء سابقة الإعداد)، ويأكل طعامًا وظيفيًا (همبورغر- تيك أواي تم طبخه بطريقة نمطية)، وينام على سرير وظيفي ويشرب الكوكاكولا، ويشاهد الإعلانات التجارية التي تغويه بالاستهلاك والمزيد من استهلاك سلع لا يحتاج إليها في المقام الأول، ويعيش في مدينة شوارعها فسيحة عليه أن يجري بسيارته المستوردة بسرعة مائة ميل في الساعة، ويهرع بسيارته من محل عمله إلى محل طعام «التيك أواي» ومنها إلى مركز التسوق الذي يتسلع البشر، ويداوم على مشاهدة الأفلام الأمريكية (الإباحية أو غير الإباحية) بشراهة غير مادية، ويسمع أخبار النجوم وفضائحهم، ويدمن تلقي الحكمة من النجمات الساطعات أو المغمورات.

ألن يتحول هذا الإنسان إلى إنسان وظيفي متكيف لا تُوجَد في حياته خصوصية أو أسرار؟ إنسان قادر على تنفيذ كل ما يصدر إليه من أوامر دون أن يثير أية تساؤلات أخلاقية أو فلسفية؟

قد يقيم هذا الإنسان الوظيفي الصلاة في مواقيتها، ولكن كل ما حوله يخلق له بيئة معادية لإدراك مفهوم القيمة المتجاوزة لعالم الحواس الخمس وجدواها. لقد سقط الإنسان في المنظومة المادية واخترقته مجموعة من الأحلام والأوهام والرغبات لا يدرك تضميناتها الاجتماعية والأخلاقية، رغم أنها توجِّه وتحدِّد أولوياته دون وعي منه.

عبدالوهاب المسيري

يثبت أن طبيعة التدافع الحضاري بين الأمة الإسلامية وغيرها من الأمم قد دخلت مرحلة جديدة مختلفة كميًّا ونوعيًّا؛ حيث صار الرهان الغربي اليوم قائمًا على تدمير الفطرة الإنسانية في الأمة بما يجعلها قابلة للابتلاع العولمي الجديد! فلا بد للعمل الإسلامي المعاصر من تجديد نفسه أولًا بالرجوع إلى فطرته هو في الدين والدعوة، حتى يمكن الاستجابة لهذا التحدي الحضاري الجديد؛ لأن الفطرة المسلوبة أو المخروقة لن تعالج ولن تسترجع إلا بمنهاج فطري.

فريد الأنصاري

بدأ التفكير في مشروع الفقه الاستراتيجي في منتصف عام 2011، وذلك إدراكًا لحالة الارتباك الفكري والمنهجي الذي تعانيه الساحة الفكرية والفقهية العربية وعدم امتلاك أطروحات أو رؤى متماسكة تقدم إجابات عميقة عن أسئلة حقيقية يطرحها الواقع وتمثل أهمية بالنسبة له، بحيث لا نعيش بين فرضيتي «العقل الفقهي» الذي لا يدرك تفاصيل الواقع الاجتماعي وأبعاده المركبة، هذا الواقع الذي لن نستطيع فهمه أو فك شيفرته إلا بتحليل عبر أدوات العلوم التي أنشأته ونشأت عنه بعلاقة جدلية وهي العلوم الاجتماعية والإنسانية، ومن ثم قد يقوم الفقيه بتنزيل رؤاه الفقهية وفتاواه على واقع يناقض أصل ما جاء في تأصيله، مما يظنه محققًا للقصد الشرعي فيصف واقعًا غير شرعي بأدوات شرعية.

هبة رؤوف عزت

إن هذا الواقع «غير الشرعي» يتحدى الإنسان في تعريفه لذاته ويشككه في فطرته، ويعادي التصور الصحيح الذي جاء به الإسلام ليحيل التقوى إلى عادة والشعور إلى لامبالاة، ويجعل من الغفلة اتزانًا اجتماعيًا لصاحبه وبالتالي فتحدياته تنخر في عصب المعاني الناشئة من منطلقات التوحيد. وبما أن المنهج لا ينفك في تشكله عن الواقع، فلا بد من إعادة النظر في قضية المنهج.

فإذا ما أخذنا مثال نقد د. علي جمعة لأحمد عمارة نجد أن النقد المنهجي على هذا المستوى لم يعد حاسمًا لدحض الشبهة وإن كان صحيحًا؛ فالحديث عن الإجماع وحجية اللغة يفترض سياقًا من استقرار تلك المفاهيم في متوسط الناس ويفترض حالة من رسوخ التوحيد ومعانيه في المجتمع المسلم المخاطب بالمستوى الحجاجي. أما في حالة كالتي نحياها من الاختراق الجواني للإنسان المسلم وتقديم تعريفات له ومضامين معادية للتصور الإسلامي بل وناقضة لميثاق الفطرة بينه وبين ربه، فالنقد بهذه الأدوات أشبه بمن يحاول إزالة الدور الثاني لبناية منهارة ابتداء.

وهناك أمر آخر يتسرب في السجال الحجاجي المنبثق من المنهج التقليدي التراثي أو الاعتماد على أدواته ألا وهو عدم الالتفات الكافي إلى المضامين المعادية للتوحيد في النسق المطروح؛ فإننا حين نتأمل أطروحة أحمد عمارة – في المثال المذكور آنفًا –  نجدها ترتكز عن منطلق حلولي[ii] بامتياز بصياغات إسلامية. ولأننا لا يعنينا تحليل خطاب أحمد عمارة فلن نقف الآن عند بيان ذلك، والحلولية باختصار هي المنطلق الكامن في كل العقائد والفلسفات الوضعية ما دون الإسلام. المهم في الأمر أن السجال الحجاجي في سياق كهذا أشبه بمحاولات قتل الميدوسا في الأساطير اليونانية من خلال قطع رأسها؛ فما إن تقطع لها رأسًا حتى يتولد لها اثنان وبزيادة التقطيع الجزئي تتفاقم المسألة وتنتفش. والسجال الحجاجي في هذا المثال يعمل عمل قطع الرأس. وكما نوه شيخ الإسلام ابن تيمية أن من الباطل ما ينتفش بحجج الحق وأظن أن تلك المقولة معبرة عن حالة التفاعل بالمنهج التلقيدي التراثي وأدواته كثيرة الجزئيات مع الواقع الحالي المرتكن لتصورات تعادي صلب التوحيد.

إن الدوال الصلبة مثل المنهج/ الحداثة/ التراث/ العلمانية…إلخ. في واقع كالذي نحياه بحاجة إلى إعادة نظر على مستوى المعاني التي ما إن اجتمعت أضحت تلك الدوال معبرة عن مدلولاتها حتى تعاد إلى تلك الكلمات حيويتها في قدرتها على التعبير الفعال عن هموم الواقع وقضاياه، ولن يتم ذلك بحسب تقديري إلا من خلال تلمس المعاني المنشئة لتلك الدوال وتأملها وإعادة وصلها بالصياغات المعبرة عنها، وهذا لن يتم إلا من خلال منهج توليدي يتفاعل على مستوى المعاني من جديد.

وإذا ما تأملنا في الوحي نجد الكثير من الآيات الموحية بأن المعاني الأولية التي تنطلق من التوحيد قد تكون الحل الناجع في وقت تستنفد فيه الحجج سبلها ولا يبقى سوى إلقاء مسئولية المعاني الجوانية على عاتق الإنسان ومن أمثلة هذه الآيات:

(فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ) (آل عمران: 61)

فهذه الآية تومئ أنه حين يتكثف المنطلق الحلولي (المتمثل هنا في العقيدة المسيحية والذي هو الحال نفسه في الواقع الحلولي الحالي ذي الصياغات العلمانية ولهذا حديث آخر) لا بد من العودة للمعاني الكاشفة عن طبيعة النسق التوحيدي والتي تتمايز بسهولة عن غيرها مقارنة بمستويات أخرى تنبني عليها تلك المعاني، والتي يصبح السجال الحجاجي من أبرز أدواتها ولكنه في الوقت نفسه غير حاسم في هذه الحالة بسبب خفاء حيوية المعاني داخله، وفي مثل تلك الحالات تصبح الحجة غير حاسمة وقد تؤدي إلى تفشي الباطل كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية.

إننا حين نطل على أعمال كبار الصحابة والأئمة في الأزمنة المبكرة للإسلام نجد حرص المسلمين على عدم تقييد حيوية الإسلام بقوالب صلبة إلا حين تقتضي الضرورة ذلك، ويكون هذا التقييد معبرًا فعلًا عن حاجة ماسة طارئة على الواقع والأمثلة على ذلك لا تحصى منها تردد سيدنا أبوبكر في عدم جمع القرآن واستخارته في ذلك شهرًا، وزجر سيدنا عمر للمكثرين من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم نجد هذه الروح عند الإمام أحمد بن حنبل في مسنده؛ فالمسند منهجيًا غير مبوب على أبواب الفقه المتعارف عليها حاليًا، ولكنه من جهة أخرى معبر عما كان يسعى الإمام في إحيائه للسنة؛ إن التأليف وفقًا للراوي يجعل المتلقي وكأنه يعايش شخص الراوي وكأنه يتمثله بعدما يقرأ ما روى وما قضى وفي ذلك نمط من أنماط المنهج التي تراعي حيوية المعاني وتثق في كونها قادرة على التفاعل مع متغيرات الواقع بحيوية ومرونة.

إن قلة أدوات المنهج التوليدي وقلة ضوابطه لا تعني عدم ثرائه وتميعه كما أن هذا الطرح لا يضع المنهج التوليدي في ثنائية حدية في مقابل المنهج التقليدي؛ فهذه الثنائية لا تضع القضية في نصابها التفسيري الصحيح، لأن الأمر متعدد الجوانب متشعب الجزئيات، وبالتالي لا تحده الثنائية ولا تفسره على وجهه الصحيح.

ومن هنا أحسب أن كل مشتغل بفروع العلم، الفقيه المتمذهب/ المتكلم/ الباحث في قضايا الفكر الإسلامي…إلخ. عليه الوقوف وقفة هادئة وإعادة النظر والتأمل في التصورات الحالية التي تبث من كل حدب وصوب، ويرى كيف ترشق تلك التصورات المعاني البديهية في التصور الإسلامي، وكيف توهم الإنسان بتعريفات مشوهة عن نفسه وبالتالي عن ربه ودوره في الحياة بعيدًا عن صفته بوصفه عبدًا يتفاعل مع أقدار الله. وأكرر على الجاد في هذا الأمر التروي كثيرًا والنظر بأناة العالم الحق، لأن الواقع الحالي وما يبثه من معتقد خفي بات مخاطبًا أدق مشاعر الإنسان ورغباته، فالواقع يشكل الإنسان جوانيًا على مستوى البداهات من المعاني، ولهذا حتى إن قال الإنسان بلسانه ما يناقض تلك المضامين المعادية للتوحيد، يعني إن أقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يقر بالأفكار الباطلة، فإنه قد يتفاعل معها دون أن يدري ويستجيب لها دون يعي، وهذا لأن الأفكار مرحلة تالية وغير أصيلة مقارنة بالمساحة الجوانية للإنسان، والتي تحتاج لمكابدة طويلة كي تعبد النفس بها وفقًا لمضامين التوحيد.

والله أعلم

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

المنهج
عرض التعليقات
تحميل المزيد