لن تقودنا مراجعات تراثنا إلى كثير من الأمل، فلا حسم منطقي واضح، أو عقلاني في قضايا الحاكمية وإفرازاتها التراثية في ثقافتنا. دون أن نضطر لحيل لغوية ما أو انتقال يتسم بالمراوغة بين مفردات اللغة والتأويل. فيطبعنا ذلك بكثير من التناقضات الكبرى حيال ما يستبطن كثيرون منا – نبشًا أو بحثًا – في قضايا التراث. إذ أننا لم نستطع حلا لهذه المسألة، أو على الأقل تفكيكها، عبر مراحل تاريخية طويلة ولصالح سلوكيات حضارية تنسجم مع الروح العصرية الحديثة الذي نعيشها أو نتعايش معها.

ولدى المطالعة في هذه المسألة، يصادفنا من هنا وهناك، منطق المقارنة مع قوة الغرب المتطورة والمعتدية، وضرورة الرد عليها، وعلى استلابنا الحضاري بأسلوب انتحاري، في مقاومة لغطرسته واستخدامه لمنطق القوة.

يظهر ذلك جليًّا في ردود الأفعال على سلوكيات الدول المستحكمة، عند تصريفها لشؤون عالمية تختص بدول المشرق، فنروج لهذا التصور العنيف، أو هذه المبررات، برهانًا منا على واجب إحياء التراث، وجوازًا لاستخدام السيف في فتوحاتنا الموعودة.

لكنها على ما يبدو مقارنة لا تستوفي شرطها العلمي ولا تضع في الاعتبار التراكم الهائل الذي بنته هذه الدول اعتمادًا على معطيات العلوم والابتكارات الصناعية الحديثة التي لا حصر لعدتها أو عديدها.

فما الموقف يا ترى الذي يمكن الانخراط فيه عندما نتعلم أو نقرأ (مقولة ما) من تراثنا العريض؟

وعلى سبيل المثال لا الحصر: العبارة التي تحضُّنا على الجهاد واستعمال السيوف ومن ثم الفوز بالجنة. لنقع بعدها تحت تأثير شحنة معنوية، ذات توتر عالٍ، تمسك بقيادنا النفسي والعاطفي، نحو فهم مشوهٍ، وسلوك منحرف، قد يضرُّ بنا ويجعلنا بالإضافة إلى تراثنا محل اتهام عالمي واسع النطاق.

يبدو أن أزمة نصنا التراثي – ومهما حاولنا تجميلها أو الدفاع عنها – ماثلة بإشكالياتها الكبرى، خاصة وأنها ما تزال محركًا لسلوكنا بلا أي مراجعة، وهي فيما عدا عن الدلالات الدعوية والسياق الزمني الذي أنتجها، أو الهدف الذي استخدمت لأجله في ذلك الوقت، فإنها تجعل من صاحبها أسيرًا لإيحاءات الحلم الأخروي الجميل وما يرتبط به من وعود تضمنتها المعاني المباشرة للنص، حين تتضافر جميعها لتنسج صورًا للشهادة والشهيد الذي سيكمل حياته الأبدية في الجنة بعد استشهاده.

إن مسألة اجتزاء هذه الصورة أو غيرها وتحصينها بالقداسة تجاه أي مراجعة نقدية يرتِّب صعوبة إضافية عند أي محاولة لتجريد النص أو تفكيكه وقراءته من جديد ومواءمته مع روح العصر.

يبدو أننا أمام صعوبات التحضير في الوعي والثقافة، حول إمكانية التخلي عن مسألة إدماج النص في السياق التاريخي الذي أنتجه، وإضفاء القداسة عليه فيما بعد. ثم إقحامه في واقعنا، وربما مستقبلنا المختلف كليًّا عما عاشه أسلافنا، دون النظر لاحتياجاتنا المجتمعية وما يحتاجه منا هذا الواقع الملِّح والمضطرم، بكثير من التكنولوجيا والعلوم.

يبدو أن هناك الكثير من المفاهيم التي نؤسس عليها ثقافتنا، والتي يمكن توصيفها بأنها (حمالة أوجه) ويتوجب علينا أن نزنها بميزان من ذهب، قبل أن نطلقها جزافًا، ودون تمحيص عند اشتغالنا على مشروعات الفهم العام للنص الديني، الاعتقادي، بوصفه محركًا أساسيًّا للسلوك. ففي حال من الأحوال قد تقبع صورة مقدسة في اللاشعور الجمعي لدينا، وتكون محركًا لدوافعنا عندما تتراخى شعوريًّا الوظائف الرقابية، وتبرز لدينا دفاعات تمتاز بالنكوصية حيال قهرنا المزمن، حين تتخذ من الأنماط الماضوية، شكلًا يجدد نفسه كلما أراد الفرد تعبيرًا أو تفاعلًا مع محيطه ويغدو مأسورًا بحالة من الاستلاب والارتهان الكلي لسلوك وغرائز القطيع. فيتعزز في ذواتنا وسلوكنا خوف من المحيط، ولا نشعر بعد ذلك بالأمان، إلا إذا انخرطنا في مفاعيل جماعتنا.

يمكننا التعافي والخروج من ذلك الانحطاط حين نساهم في صياغة مشروع الدولة الحديثة وتثبيت دورها الحمائي ووعائها الأوسع، الذي يحتوي على مختلف التعبيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وهذه ليست مجرد بدائل معرفية وإنما ثقافات وعلوم جرى اختبارها في الأوساط العالمية، فأكسبت مجتمعاتها الكثير من الاستقرار، وهي ثقافات وعلوم أصبحت عابرة للحدود، بوصفها قيمة مضافة في التنظيم والإدارة، ومنتجًا إنسانيًّا يمكن أن يضاف إلى هذا التراكم الكبير في تاريخ الشعوب وحضاراتها.

يشكل احترام الدولة ومؤسساتها لثقافة الفرد والمجتمع، وكذلك اعتقاده حجر أساس ومخرجًا أوليًّا يساعدنا على فهم ذاتنا وتحقيقًا لتموضعها الجديد. فماذا لو اضطرت الدولة باللجوء إلى سلطة الإكراه المادي والمعنوي التي تجيز للدولة استخدام القوة لفرض القانون على مواطنيها؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد