بكلمة واحدة قد تهدم أحلام شخص أمامك، و بكلمة واحدة قد تتسبب في نجاح وفي أمل جديد

قبل أسبوعين مضوا كنت جالسًا ممسكًا بهاتفي أتصفح الأخبار والأحداث الجارية وبوستات أصدقائي على الفيس وبوك، وإذا بي أتوقف عند مقطع فيديو متداول بعنوان «ما أسوأ شيء قيل لك؟»!

بدأت أشاهد الفيديو، وإذا بشخص عربي لا أعلم ما هي هي جنسيته أو المكان الذي يصور فيه، ربما لبنان أو تونس لا أدري، يبدأ بأسئلة بعض المارين بالطرقات «ما أصعب كلمة انحكت ليك؟»، يبدأ كل شخص يحكي موقفه، فمنهم من قال «ملكش نصيب» ومنهم من قال «أنت شخص رائع لكن ما يصير نظل أصحاب» ومنهم من قال «نتحاسب أنا وياك عند ربنا» ومنهم من قال «أنت مش راح تنجح أبدًا» وهكذا ظل العديد من الناس يتحدث عن الكلمة التي قيلت له ولم ينسها حتى الآن.

أغلقت الفيديو وتركت هاتفي، وبدأت أسأل نفسي هذا السؤال، لكن العجيب أني تفاجأت أن جملًا كثيرة وكلمات كثيرة لا زلت أتذكرها وما زالت هي الأسوأ على الإطلاق، ورغم أن النسيان أمر مرتبط وملازم لحياتنا، إلا أن بعض الكلمات لا تنسى أبدًا خيرًا كانت أو شرًا.

يسير المرء في أيام حياته يعامل من حوله يتفوه إليهم بآلاف الكلمات على مدار يومه، ويستقبل منهم آلاف الكلمات، لا يدري في بعض الأوقات بل في أغلبها قيمة ما يقوله ليس قيمته فقط بل أثره على غيره، يظن أن الكلمة لا تؤثر وأن كل شيء ينسى، وهذا ليس حقيقيّا، بكلمة واحدة قد تهدم أحلام شخص أمامك، بكلمة واحدة قد تجعل شخصًا بائسًا من حياته محطمًا، بكلمة واحدة قد تدمر شخصًا، بكلمة واحدة قد تدمر أمة وجيلا، لا تتعجب من ذلك، فعلى النقيض الآخر أن بكلمة واحد قد تتسبب في نجاح وفي أمل جديد وفي رقي ورفعة وإعلاء لقضية ما.

لقد عُني الإسلام بأمر اللسان أيما عناية، وبين منزلة الكلمة وأثرها فحث الله عز وجل في محكم التنزيل وعلى لسان سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه على حفظ اللسان وصيانة المنطق، ومجانبة الفحش والبذاء، فقال جل وعلا: {وَقُل لّعِبَادِي يَقُولُواْ ٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ ٱلشَّيْطَٰنَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ ٱلشَّيْطَٰنَ كَانَ لِلإِنْسَٰنِ عَدُوّا مُّبِينًا} [الإسراء: 53]

إنّ الكلمة عندما نحسن استعمالها، تستطيع أن تفعل وتؤثِّر في نفس الإنسان المخاطَب بها أكثر ممّا تؤثِّر وسائل وأساليب كثيرة أخرى.

واحفظ لسانك واحترز من لفظه .. فالمرء يسلم باللسان ويعطب

ومن سوائر الحكم والأمثال: «مقتلُ الرجلِ بين فكيه».

وقد تنبّهت حضارة الغرب المعاصرة إلى دور الكلمة وأهمية نقل وتوصيل الأفكار، فكرّست جهودًا فنّيةً ومالية وبشريةً ضخمة؛ لتبنّي أجهزة الدعاية والإعلام التي تخدم أهدافها وتُحقِّق أغراضها، فسخّرت الخطباء والأدباء والفلاسفة والمفكِّرين والخبراء والعلماء، وعلماء النفس والرأي والإعلام والصحافة لهذه المهمّة، وأصبح للكلمة والفكرة والدعاية خبراء ومهندسون وأجهزة ومؤسسات ووزارات؛ تُخطِّط للكلمة والفكرة وتُشرِف على صناعتها وأسلوب إيصالها المؤثِّر.

لذلك لم تكن أبدًا الكلمة أمرًا هينًا لا على المستوى الشخصي أو المجتمعي، بل هو أمر هام وخطير للغاية، حق على كل شخص أن ينتبه إليه، وأن يراجع نفسه في كل ما يقوله ويعلم أن له أثرًا بالغًا على من حوله، والاعتذار في حالات الخطأ بالقول لا ينتقص منك، بل يزيد مكانتك ويصلح ما أفسدته، والكلمة في مواطن الحق لا تعيبك حتى لو كان الباطل هو الأكثر، الكلمة الطيبة صدقة وكلمة الحق هي الأقوى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد